قَبِّل شماغي، قبل تقبيلي لحذائك

الزيارات: 1994
تعليقات 5
https://www.hasanews.com/?p=6694077
قَبِّل شماغي، قبل تقبيلي لحذائك
علي حسن المسلمي

قَبِّل شماغي ، قبل تقبيلي لحذائك

 

لا يكاد أحدنا يخلو من قصةٍ أو أكثر من حكايات النصب والاحتيال، والتي تعكس الواقع المرير الذي يقع الكثير في فخاخه المنصوبة بكل مكر ودهاء!!

قبل مدة، دعاني أحد الأصدقاء ليروي لي تجربته البائسة وسط مجموعة من أصدقائه الذين عايشوا تلك التجربة، والتي قد تجاذبنا أطرافها وانتقلنا للكثير من الحكايا والمواقف الجانبية الأخرى مما يعزز أهمية طلب ذلك الصديق عبر استمرار تحذير المجتمع من حيل النصب التي تتسرطن بين أفراد المجتمع، ولعل في هذا المقال ما يصنع في أذهان البعض جرس تنبيه وإنذار قبل الإقدام على خطوة قد تجعله فريسة سهلة لهؤلاء المحتالين..

وقبل الولوج في محتدم العراك بين الكلمات المتسابقة في رصد النصيحة، عليّ أن أُنبه على نقطة مهمة: وهي تركيز المقال على عمليات النصب والاحتيال التي تتم عن طريق تسليم المبالغ مباشرة للأشخاص المحتالين ولستُ في صدد التطرق لعمليات النصب الإلكترونية، أو الاحتيال التجاري أو المشاريع الوهمية وما شاكل..

وحيث أن الموضوع متشعب جداً، وجدير ليكون كتاباً أو كتيباً بالحد الأدنى، إلا أني سألخص المقال عبر نقاط استنتجتها من تجربة ذلك الصديق وتجارب أخرى من ذاكرتي المتواضعة..

 

أصل الحكاية المتكررة

شخص ما، وبطريقة ما عُرِف عنه باستثماره للأموال، ووعوده بالأرباح المغرية. مع إمكانية احتمال أن يكون مصدر الاحتيال أكثر من شخص.

الكمين الأول : “ولد الحسب والنسب”

لست أعلم، هل هي صدفة؟ أم أن الأمر معد له ووفق حسابات؟! هذا الشخص في الغالب هو فرد من عائلة محترمة ذات سمعة طيبة وهو ذو سجل نظيف، وقد يكون ميسور الحال وغير متورط في ديون أو التزامات مالية، بحيث يبدد لديك الشكوك والمخاوف، و– يا سبحان الله – سرعان ما يجد هذا الشخص التسويق المجاني من أشخاص مقربين للضحايا.

 

“الشداخة” الثانية: “الفلوس القاعدة”

الكثير منا لا يجد في نفسه رغبة لاستثمار ما يدخره من مال في العقار أو الصناديق الاستثمارية ولا حتى في المشاريع الصغيرة، خشية الخسارة ونقص رأس المال، ولكن ما إن يجد ذلك المارد الذي يعده بالأرباح ويحرم عليه الخسائر، سرعان ما يتخذ قرار استثمار أمواله مردداً في خاطرته: هي الفلوس قاعدة قاعدة..

 

الفخ الثالث: الربح السريع، للتنويم المغناطيسي الفجيع

مكيدة سرعة استدرار الأرباح هي رأس الأفعى التي تبتلع الأموال والأعصاب والعمر والراحة، هذه الخدعة التي لا تحتاج أكثر من نصف دقيقة للتأمل للخروج منها بأمان: لماذا كبار الاقتصاديين ورواد الأعمال في دراساتهم لجدوى المشاريع الاستثمارية لم ينجحوا إلى الآن في إيجاد مشاريع سريعة الربح؟! بل يضع البعض مدة قد تصل إلى سنتين حتى يبدأ المشورع بدر الأرباح؟! في المقابل لا يخجل هذا النصاب من طرح فكرة ساذجة جداً وصعبة التصديق من أنه سيسلم المستثمر ربحاً شهرياً قد يتجاوز ال 10 % بل وقد يصل إلى 30 % من رأس المال!!

يا لهذه الجرأة، فهو لم يكتفِ بوعده لضمان الأرباح وعدم وجود أي خسارة – وهذا بالطبع يتعارض مع فكرة أي استثمار في الحياة، لأن الاستثمار معرض للربح والخسارة – إلا أنه يسلم المستثمرين في البداية أرباحاً تسيل اللعاب وتطير بهم في عالم “أليس” في بلاد العجائب!!

أرجو ألا نقيس ذلك على سوق البورصة فهذا أمر مختلف تماماً، ولا أعتقد أن ثمة عاقل يجهل معدل المجازفة في تداول الأسهم..

 

الحفيرة الرابعة: “الموضوع سر، بس يا طابور الغشامى، للأمام سر ..”

لا يمكن التنبؤ وراء هدف هؤلاء النصابين في إخبار كل مستثمر بسرية المشروع وطلبهم منه بعدم ذياع الخبر للآخرين!! الأسباب قد تكون مختلفة وغير متوقعة..

لكن في المقابل، فإن أي عضو جديد في قافلة الغفلة، فإنه محل ترحيب ولا عتب على من أخبره بالمشروع.. ومع ذلك الموضوع سر!!

الغريب، أن خلو النصاب من سجل تجاري أو أي وثيقة ترخص له الاستثمار بشكل رسمي، ليس سبباً للسرية التي يطلبها، لأنه يعلم أن الطرفين: المستثمر والمستثمر له في مركب واحد..

 

الشبكة الخامسة: ضماناتك في جيبك، وفلوسك في جيبي

في هذه المحطة، يضع المستثمر “النصاب” سمعته، مستقبله، علاقاته، وأحياناً حتى دينه وخلقه، في ملف واحد، وبمجازفة عالية المستوى، وتزداد درجة المجازفة عندما يكون نصاباً محلياً ولا يوجد لديه خطة هروب مستقبلية، لماذا ذلك؟ لأنه يكتب على نفسه ما يجعله مديناً برأس المال الذي أخذه من المستثمر سواء كانت ورقة سلفة، شيكاً، سنداً لأمر، أو عبر بوابة نافذ وخلافه!!

إذاً لما القلق؟!

لسبب بسيط وواضح، لأن الأمور لن تسير وفق الأحلام الوردية التي يتنبأ بها الطرفان، وإنما في جادة وعرة ستكسر أضلاع السائق والركاب..

 

“ازوير واعوير والمنكسر اللي ما فيه خير”

أين ستذهب أموال المستثمرين “المساكين”.. باعتقادي ووفق قراءتي المتواضعة للتجارب، سيكون المستثمر لهم أحد الشخصيات الثلاثة الآتية:

1- المرابي: وهو شخص سيقوم بتديين المبالغ التي يتحصلها من المستثمرين، بواقع فوائد، هذه الفوائد قد يجد لها مخارج شرعية من هنا أو هناك، لكنها ستبقى فوائد، وسيأخذك سياق التعامل معه إلى اشتراطها وأن الدين متوقف عليها، إن حصلت أدان الآخرين وإلا فامتنع..

هذا الشخص قد يتمكن فعلا من تحصيل أرباح سريعة ، وقد يستند على تجاهل المستثمرين وإحجامههم عن السؤال عن مكنون الاستثمار، والاكتفاء بحصد الأرباح آخر الشهر..

قد لا تكون الخسارة المادية ظاهرة.. لكن الوعد السمائي سيتحقق لا محالة عبر محق تلك الأموال وسلب كل بركة فيها..

2- المُدَوِر: هذا الشخص يبحث عن السيولة، ليقوم بالاستثمار الحقيقي القابل للربح والخسارة، ويقوم للحفاظ على السيولة بتدوير المبالغ بحيث يأخذ من مجموعة مبلغ ليستثمر به في مجال ما كالعقار والمشاريع الأخرى، ثم يأخذ مبلغ من مستثمر جديد ليوزعه أرباحاً على المستثمرين القدامى، وهكذا..

الكارثة أن هذا الشخص قد تتأخر عنه الأرباح الفعلية أوتكون هناك خسائر أو تكون هناك أرباح أقل مما وزعه على المستثمرين، فيستمر بتوسيع الشبكة وزيادة عدد المستمثرين بوعود أرباح أكبر ليتمكن من سداد الأرباح المتفق عليها مع من سبقهم من المستثمرين.. والكارثة الأكبر هو مضي وقت أطول دون الحصول على فرصة استثمارية حقيقية.

3- المداوِل: هو ذات الشخص رقم 2 تقريباً، وجوهر الفرق أن مجال الاستثمار في تداول الأسهم أو العملات الرقمية أو ما شابه.. هذا الشخص قد يتسبب بخسائر فادحة غير متوقعة!!

هل يمكنه أن يربح؟!

نعم، لكن قلقه اتجاه الأرباح الموعودة والمؤقتة للمستثمرين ستجعله يقع في الكثير من الأخطاء والتخبط!!

 

ولادة النية “القشرة” بمحضر جناب “إبليس” والظروف العسرة

في البداية، قد لا تكون هناك نية حقيقية للنصب والاحتيال، بل وقد تكون هناك نية طيبة في جعل الآخرين يكسبون أرباحاً طائلة.. ولكن ما إن يقع ذلك المعتوه في عواقب أفعاله وقراراته البائسة ويضيق عليه الخناق، إلا وقد تتولد لديه رغبة الاحتيال والخروج من المأزق بأقل الخسائر.

ثم يبدأ عهد جديد في التعامل المشين مع المستثمرين، فالكلام المعسول يتحول إلى حنظل، والاهتمام والتواصل يتبدلان إلى صد وتجاهل!!

 

حارمني نومة عيني، وهو في سابع نومة

في نطاق الأرياف على الأقل، قد يحدث هذا السيناريو:

النصاب ولد الأكابر، لا يجد أي ردة فعل اجتماعية رغم أنه متسبب لخسارة مجموعة أشخاص من متوسطي الدخل مبالغ قد تصل لمئات الألوف..

لماذا؟

هذا جاري.. هذا قريبي.. هذا صديقي.. أعرف إخوانه.. اشلون بالله اشتكيه واسجنه؟!

يا فلان، مين اللي نصب عليك ب 300 ألف؟

الله يستر علينا وعليه، ما تجوز الغيبة..

تعساً لهذه السذاجة التي تعزز الجرأة لدى هؤلاء النصابين من ممارسة النصب والاحتيال مراراً وتكراراً ..

 

محامي الغبرة، أبو عنتر زمانه

هذه مسألة أخرى، وهي لجوء البعض لتوكيل أشخاص بأجور كبيرة، لتحصيل مبالغهم من المستثمر النصاب..

هؤلاء الأشخاص ليسوا محامين، وليست لديهم خبرة ومعرفة بالقوانين، وغير مرخصين لمزاولة مهام المحاماة..

لماذا إذن يلجأون إليهم؟

1- “وجههم صبة” يعني، معدل الجرأة لديهم عال، ولا يعيرون أي اهتمام للألقاب والأعمار والمناصب، الجرأة التي قد تصل بعنترياتهم إلى الوقاحة.

2- سعرهم أقل من المحامين، فهم على الأقل ليست لديهم مكاتب يصرفون عليها..

3 – قد حالفهم الحظ والصدفة بالنجاح مرة أو مرتين لحل بعض الأمور وإنجاز بعض المهمات.

ولكن الغالب هو العكس، وهو أنهم يتقاضون أموالاً دون أن يفعلوا شيئاً!! وإن فعلوا، ولأنهم جهلة قانون وليسوا أهل اختصاص، فإن فعلهم لن يقدم أو يؤخر شيئاً في القضية..

المحامون أهل الاختصاص، عندما يدفع لهم الشخص مبلغاً لحل قضيته مع ذلك المستثمر النصاب، فإنه حتماً سيخرج بنتائح أفضل من عدم الاعتماد عليهم، ويجب ألا نغفل نقطة، وهي القيمة السوقية للمبلغ..

بمعنى آخر، لو كان المبلغ المستثمَر 500 ألف ريال، ثم اضطررت لدفع 20 ألف للمحامي لتحصيل المبلغ خلال سنة واحدة، فإن ذلك جزماً أفضل من تحصيل كامل المبلغ بدون محام  بعد سبعة أعوام، لأن القيمة السوقية لمبلغ ال 500 ألف ستكون قد انخفضت بعد سبع سنوات بأكثر من 20 ألف ريال..

 

“شعرة من جلد الخنزير مكسب”

الرضا بالحلول، أياً كانت، عبر تقسيط المبلغ مثلاً حتى ولو كان تقسيطاً طويل المدى، أو عبر مقايضة المبلغ بسلع أو أصول، هي أمور ضرورية جداً، ولا محل هنا للعناد والتزمت، لأن من سمح له ضميره بالنصب والاحتيال على الناس والكذب عليهم، فلا تعلم لأي مدى قد يصل به الأمر من نكران الحق وجحوده..

وخصوصاً عندما يصل لمرحلة الشخص منعدم الحلول الذي ليس لديه ما يخسره، فالصواب أن يعمد صاحب الحق باسترداد ما يمكنه استرداده دون أن يخسر أخلاقه أو تظهر منه تصرفات الغضب الحمقاء الرعناء..

لا ينبغي أن يراهن الشخص على صحته وأخلاقه، لأن الخسائر بهما غير قابلة للتعويض..

 

في الأخير نقول..

لا تستثمر مالاً أنت في حاجته ضمن مخططات حياتك، إنما استثمر ما إن خسرته – لا سمح الله – فلن يؤثر في أهدافك القادمة، وعليك أن تتحلى بالصبر، وأن تتقصى عن مصدر أي استثمار تشارك به، فالعبرة ليس بمقدار الربح، إنما بمقدار بركة رب العالمين في ذلك الربح.. ودائماً استشر أصحاب الاختصاص.

أما العنوان فهو تحوير بسيط لقصة رواها لي أحد الأخوة في أن رجلاً طلب من الآخر أن يدينه بعض المال،

فقال له الآخر: عليك أولاً أن تُقبل يدي،

فرد عليه الأول متعجباً: هل ترمي لإذلالي؟

فقال له: لا، ولكني أعلم أنني غداً سأُقبل قدميك حتى تعيده لي، فأخذت هذه بتلك.

 

 

حرر في – 20 سبتمبر 2022 م

 

 

 

 

 

التعليقات (٥) اضف تعليق

  1. ٥
    زائر

    احسنت مقال واقعي وقصص سمعناها كثيرة .. خصوصا من يتسلفون وينكرون ارجاع السلفه

  2. ٤
    زائر

    لا فض فوك أبا محمد
    فعلاً يوجد الكثير من هؤلاء المحتالين في مجتمعنا
    ونحن بطيبتنا أو بمعنى أصح سذاجتنا نصدقهم
    حمانا الله وإياكم من مكائدهم وشباكهم

  3. ٣
    زائر

    كعادتك ،، رااائع

  4. ٢
    زائر

    مقال رائع يحكي الواقع المرير الذي نعيشه مه هؤلاء النصابين المحتالين الذين يحتالون على الناس البسطاء مثل هؤلاء السجون افضل مكان يحتويهم

  5. ١
    زائر

    المقال ممتاز

اترك تعليق على زائر الغاء الرد

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>