الترابط الاجتماعي في مجتمع الأحساء في ضوء بعض الوثائق الشرعية

الزيارات: 2291
تعليقان 2
الترابط الاجتماعي في مجتمع الأحساء في ضوء بعض الوثائق الشرعية
عبدالله الذرمان

سادت روح الألفة والمحبة والتعاون بين فئات المجتمع الأحسائي؛ و ذكر بعض الباحثين أن مما يميز السكان وجود التلاحم فيما بينهم بشكل عام، و هذا أوجد ترابطاً عجيبًا و مجتمعًا مطمئنًا، وتُمثّل الوثائق الشرعية نافذة مهمة للوقوف على مجالاته وصوره وآثاره، وأبرزته إبرازاً جميلًا من حيث البذل وإدراك حجم المسؤولية الإجتماعية التي بادر بعض أهل الأحساء إلى الأخذ بزمامها، مما عمم الإستفادة من العطاء باختلاف الفئات مذهبيًا ومكانيًا.

ومن صور الترابط صرف بعض غلات الأوقاف في الوقف على الإطعام الذي خُصِصَ غالبًا للفقراء والمساكين وأبناء السبيل، وشمل توزيع الأطعمة المعروفة في البلد وفي مقدمتها الرز واللحم والتمر وفق الوزن المعروف بين أهل الأحساء، جاء في وثيقة شرعية: (في إطعام برمضان كل عام بنصف قياسة أرز ونصف الثمين سمناً بوزن أهل الأحساء المفهوم يفرق على فقراء المسلمين)، وأوصى صالح بن صايل الصايل أمير قرية الجشة بنخيلات على جامع القرية في سبيل إطعام المحتاجين، ووقفت المرأة صالحة الحميدي من أهل الرفعة بيتها وجعلت غلته في إطعام المستحقين.

ومن الصور توزيع الماء وتأمينه إذ لم يكن في بعض البيوت آبار ماء، وهذا أوجد تفكيرًا من بعض المقتدرين في الإتجاه إلى توفير كميات من الماء لمن أحتاج، وفي هذا المجال قامت مريم بنت صالح الجمعة من أهالي حي السياسب بوقف القليب الكائن في منزلها؛ ليستفيد منه المحتاجون من جميع المسلمين، وأوصى عبدالعزيز بن محمد الشعيبي بأعمال خيرية ومن ضمنها وضع مصخنتي ماء كل يوم خميس في أشهر القيظ، وخصصت فاطمة بنت علي السهلاوي جرتي ماء عذب تُوضعان في مسجد السهالوة بقرية الطرف إبان موسمي حصاد الحب وحصاد العيش، وجعل الشيخ محمد بن عبداللطيف الجعفري المغتسل الموجود في المسجد الذي أوقفه سنة 1313ه‍ متاحًا لمن أراد الغسل من واجب ومستحب وتبرد وتنظف.

ومن الصور تحبيس بعض الأدوات التي تهم الناس في شؤون حياتهم اليومية، فالرجل مبارك بن هلال من أعيان قرية الجشة وقف بعض الأدوات كالأهياب والصخن والزبلان واللقن والجدر وكل هذا مشاركة منه في خدمة مجتمعه.

ومن الصور وقف الدكك التي تكون مكاناً للجلوس في الأسواق أو قرب المساجد أو البيوت، و قد ذكر الأستاذ حمد بن فرج العرجاني أن عبدالرحمن بن محيطيب أوقف الدكة المشهورة بدكة المحيطيب، وهي موجودة في سوق قيصرية المبرز.

ومن الصور تأمين الأكفان للموتى، فلم تكن الأكفان مجانية، ولذا عمل بعض أهل الخير في سد حاجة المجتمع السيد أحمد بن السيد هاشم النحوي حبّس بعض العقارات الزراعية في صرف أكفان لموتى المسلمين.

ومن الصور إخراج الكسوة وتوزيعها على المحتاجين، ومن أشكالها كسوة العيد وكسوة الشتاء، وفي هذا المجال أوصت المرأة لولوة بنت عبدالعزيز بودي بإخراج كسوةِ الشتاء وتحتوي درعة وثوب وخمار.

وكان العبيد و الإماء جزءًا من المجتمع الأحسائي، ولا تخلو غالب البيوت التجارية وبيوت الوجاهة منهم، الذين نالوا معاملة جيدة، وسارع بعض أهل الأحساء إلى عتق عبيدهم ولم يكتفوا بذلك؛ بل خصصوا لهم شيئاً من العقارات الزراعية لتكون لهم عونًا في حياتهم، ومن النصوص الدالة على هذا ما جاء في إحدى الوثائق الشرعية: (وأعتقت شويشة بنت محمد بن علي بن صفران تابعها مبروك، وأوصت له بربع العشر الشائع من أحد عقاراتها الزراعية بطرف الحقل ..).

ومن مظاهر التماسك الإجتماعي نص بعض الواقفين على إتاحة التعليم المجاني للطلاب الراغبين في التعليم بالمدارس التي أوقفوها وممن ضرب مثالاً في هذا المجال الشيخ عبدالله بن محمد العمير الشافعي من أهل العلم الشافعية في القرن الثاني عشر الهجري فإنه حبَّس مدرسة لتعليم القرآن الكريم وجعل الدراسة فيها مجانية.

ولم يغفل بعض أهل الوصايا الخيرية ما يعتري بعض أفراد المجتمع من احتياج مالي فأوصوا بصرف غلة وصاياهم في أيام المسغبة و أوقات دفع الجهاد.

 

المصادر:

-مجموعة من الوثائق الشرعية.

-الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية في إقليم الأحساء 1288-1331ه ، ملخص رسالة دكتوراه، حمد بن محمد القحطاني ، بحث ، مجلة مركز دراسات الخليج و الجزيرة العربية.

-الأوقاف في الأحساء، حمد بن فرج العرجاني، رسالة ماجستير.

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    ابو ثامر

    يازينكم يا أهل الاحساء

    والشكر للكاتب على المقالة الشيقة

  2. ١
    احمد السالم

    والله اننا ننتظر مقالاتك يا شيخ عبدالله فائدة منقطعة النظير

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>