المقابر تشكي الحال

الزيارات: 1030
تعليقات 6
المقابر تشكي الحال
https://www.hasanews.com/?p=6672726
المقابر تشكي الحال
عبدالله بوحليم

المقابر لها حُرمة لا تتغير مع مرور الزمان، فهي مكانٌ لا يُقبَــل فيه الضحك، أو الجدال، أو النقاش حول تفاهات الحياة، فهي مكانٌ للمواساة والوقوف على أحزان الأهل أو الأصدقاء.

الوقوف لم يكن يومًا ما وقوفًا لغرض التوثيق، أو إعلان ذلك عبر سناب شات، أو تصوير اللحظة على انستقرام، أو إلتقاطةً تبقى خالدة من أجل “حالة الواتساب”، يزعجني حينما أرى أحدهم يُخرج هاتفه في المقبرة لُيجري مكالمةً أثناء دفن الميّت يسمعها القاصي والداني، وقد تصل للميّت أيضًا بسبب صوته المزعج، ويُثير اشمئزازي أكثر من يُخرج هاتفه حتى “يلحق” على لحظة نثر التراب على جسد الميت بعد دفنه، ويؤسفني جدًا ذاك الذي يصور القبر بعد الدفن كاتبًا: “رحمك الله وغفر لك”.

حينما تذهب لحفلة، أو عرس، أو أيّ مناسبة سعيدة ستمسك بهاتفك متراقصًا وسعيدًا وتستمر في التصوير حتى يظن الناس أنك تقوم ببث مباشر لجمهورك الكبير جدًا – ولا بأس هنا – وجميل جدًا أنك وثقت هذه اللحظات، وطلبتَ من المُحتفى به كلمة بهذه المناسبة، واضفتها في “قصتك” في سناب شات ووصلت لـ ٥٣ مشاهدٍ فقط، هذا كله أمرٌ لا بأس به حتى الآن، لكن حينما تمسك بهاتفك في “تأبين عزاء”، وتبدأ بتصوير شخص أو “فنجان قهوة” أو التمر الذي قُدّم لك وأنت تقول:” عظم الله أجركم والله يغفر له ويرحمه” ثم تنتظر منهم ردّة فعل كي يظهرون في حسابك المليء بالمتابعين وهم في صورة “مكسورة”؟؟

أتذكر حينما كنت في احدى الدول – غير المسلمة – دخلت كنيسة مسيحية لأول مرة (وهذا جائز كما في ” المغني “8 / 113 و ” الإنصاف ” 1 / 496)، وقبل الدخول للكنيسة طُلب مننا (فضلًا لا أمرًا) أن نحترم الكنيسة وألا ندخل أيادينا في جيوبنا والتجوّل بها بكل هدوء احترامًا لديانتهم، وهذا ما فعلناه بكل سرور.

هل من باب احترام الميت، وأهل الميت، وأقرباء الميت، وأصدقاء الميت، أن تُظهر شخصًا في صورة محطّمة يراها كل الناس؟ ثم تحاول تلوينها بالأبيض والأسود وتضيف عليها “الله يصبرك”؟ إن كنت تريد أن تدعي له فعلًا، فقل: “الله يصبّرك عليّ”!، وكيف تريده أن يكون؟ وهو في مقبرةٍ للتو دفن والده أو والدته أو عزيزًا عليه؟ هل يجب عليه أن يبتسم وتُملي عليه الهدوء في هذه اللحظات؟ لا أحد منا يحب الظهور في صورة مفتتة يراها الجميع، وأنا أعلم أن مع كثرة مواقع التواصل الاجتماعي أصبحنا ننشر أخبار الوفيات بشكل مهول، فليس من الضروري وضع الصور وتوثيق حضور العزاء، أو تصوير من تعزّيه، وتنشره في كل حساباتك في مواقع التواصل الاجتماعي، فالدعاء يصل للميّت أكثر من سناباتك.

 

 

اللهم أحسن خلُقي كما أحسنت خلقي

التعليقات (٦) اضف تعليق

  1. ٦
    زائر

    المقال ممتاز ككاتبه أهنيك ♥️♥️♥️

  2. ٥
    زائر

    مقال رائع كعادتك يا استاذ عبدالله

  3. ٤
    زائر

    ولو أن عينا ساعدت لتوكّفتْ
    سحائبها بالدمع ديما وهُطّلا

    ولكنها عن قسوة القلب قَحطُها
    فيا ضيعةَ الأعمار تفشي سبهللا

  4. ٣
    زائر

    مبدع ماشاءالله عليك

  5. ٢
    زائر

    كل الشكر والتقدير للكاتب
    ولكن تبادل المجاملات اصبح من الضروري لكي تستمر الحياة وكون الانسان التقط صوره لقبر ميته فهذا ليسى حباً للأضواء المزيفه والمنصات التافهه بل تصرف لألم كان يعايشه ومرحلة ذهول وصدمه فلذالك يعتبر تصرف يندرج تحت الا مسؤليه وبالعكس تشارك الاحزان مثله مثل تشارك الافراح من القيم و العادات والتقاليد ومنصات التواصل الاجتماعي اصبحت من ضروريات الحياة لكي تستمر
    وفي النهايه كل الشكر و التقدير للكاتب وهاذا مايندرج تحت وجهه نظر

  6. ١
    زائر

    طرح جميل وفي محله وهذا والله هو عين الصواب، المجتمع يحتاج لهكذا مقالات، اثابك الله يا أستاذ

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>