مبدعون 4

الزيارات: 997
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6668889
مبدعون 4
د. منى أبو هملاء

شاعرنا هذه المرة مختلف جدا ، يلتقي مع المبدعين في سحر الكلمة ، وتوهج الإحساس ، وابتكار الصور ، ونظم القوافي ، وعنفوان المعاناة ، لكن ينفرد عنهم بكونه قد جمع بين الشعر والسياسة ، فهو شاعر ودبلوماسي وسياسي .

عمر أبو ريشة شاعر سوري ، كان سفيرا لسوريا لمدة عشرين عاما ، مما ولّد في نفسه شعور الحرمان من الوطن ، ومرارة البعد عنه ، تقلّدَ مناصب متعددة ومختلفة ، فهو عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ، وعضو الأكاديمية البرازيلية للآداب ، وعضو المجمع الهندي للثقافة العالمية ، ويحمل الوشاح البرازيلي والنمساوي والأرجنتيني ، كما يحملُ الوسام السوري واللبناني .

أمامنا شخصية أدبية مميزة ، لها دور فاعل في المجتمع ، كما تتمتع بموهبة الشعروالإبداع .
اهتمّ أبو ريشة بشئون الأمة الإسلامية والعربية ، وتألم لاندثار السؤدد العربي ، فنظم الشعر متحرقا لمجدٍ آفل ، ولسيادة عظيمة كان ينعمُ بها المسلمون.

وحدي وأشباحُ السنين العشر ماثلة الوعيدْ .
كم حطّمتْ مني ومن زهوي ومن مجدي التليد .
وقفتْ لتنثرَ كلَّ جرح كان في صدري وئيد .
من صيحة الوطن الطعين ورقدة الوطن الشهيد .
وكآبة الشيخ الطريد ودمعة الطفل الشريد .
وتململ الأحرار في أغلال حكّام عبيدْ .
وتكالب الأقزام فوق ذيول عملاق عنيد ْ .
وحدي هنا في حجرتي والجرح والفجر الجديد .
ورسائل شتّى تقول جميعها عاما سعيدْ.

هو لا يستشعر جِدة الأيام والسنين ووطنه يأنُّ ويستفحل به ظلم الطغاة ، ماأقسى
شعوره وما أمرّ تجرعه !!!

من أشهر قصائده في وطنه الحبيب سوريا قصيدة ( عرس المجد ) أُلقيت في الحفلة التذكارية التي أقيمت في حلب ابتهاجا بجلاء الفرنسيين عن سوريا ، ولو لم ينظم من الشعر سواها لكفى ، فاستمع لهذا النداء الرخيم كأنه ينادي فتاته الغائبة وعادت :

ياعروس المجد تيهي واسحبي في مغانينا ذيولَ الشهبِ .
لن تري حفنة رملٍ فوقها لم تُعطَّر بدما حُرّ أبي .
درجَ البغيُ عليها حقبةً وهوى دون بلوغ الأربِ .
وارتمى كبرُ الليالي دونها ليّنَ النابِ كليلَ المخلبِ .

موعودة سوريا بالمحن ، فماذا تقول يا أبا ريشة عن سوريا اليوم !! رحم الله وطنيتك الصادقة ، ودقة حسك ، وعمق تفكيرك !!
وإيمانك بحريتك :
لايموتُ الحقُ مهما لطمتْ عارضيه قبضةُ المغتصبِ .
هذه خلاصة التجربة الإنسانية التي عاشها أبو ريشة ، وهي تنمُّ عن وعي بالنصر المطلق للحق وإن طال الباطل واستبد .
ويسترسل في بيان سبب نصرة الحق بقوله :
من هنا شقّ الهدى أكمامه وتهادى موكبا في موكب ِ.
وأتى الدنيا فرّقتْ طربا وانتشتْ من عبقه المنسكب ِ.
هذا هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وعد الحق الذي كانوا فيه يمترون .
لقد استبشرت الدنيا وانتشت بقدومه :
وتغنّتْ بالمروءات التي عرفتها في فتاها العربي .
واستمع لصفات هذا الفتى :
أصيدٌ ضاقتْ به صحراؤه فأَعدَّتهُ لأُفقٍ أرحبِ .
هبَّ للفتحِ فأدمى تحته حافرُ المهرِ جبينَ الكوكبِ .
وأمانيه انتفاضُ الأرض من غيهب الذلِّ وذلِّ الغيهب .
وانطلاق النور حتى يرتوي كل جفن بالثرى مختضب .
حلمٌ ولى ولم يُجرح به شرفُ المسعى ونبل المطلبِ .

وعلى الرغم من هذا لم تكتمل أحلام شاعرنا ، فهناك حلم العربي الذي يتغيا تحقيقه :
مابلغنا بعدُ من أحلامنا ذلك الحلم َ الكريم الذهبي !!
أين في القدس ضلوعٌ غضةٌ لم تلامسها ذنابي عقربِ ؟
وقف التاريخُ في محرابها وقفةَ المرتجف المضطرب .
ويفطن أبو ريشة لأثر الألم بين الدول ، إذ يضمُّ الشملَ ، فيقول :
لمّتِ الآلام منا شملنا ونمتْ مابيننا من نسب .
فإذا مصرُ أغاني جلق ٍ وإذا بغداد نجوى يثربِ .
ذهبتْ أعلامها خافقةً والتقى مشرقها بالمغرب .
كلما انقضّ عليها عاصفٌ دفنتُه في ضلوع السحبِ .
بورك الخطبُ فكم لفّ على سهمه أشتات شعب مغضب ِ.
هذا هو شاعرنا رؤية جديدة قوامها الاستبشار والنصر ، حتى في أقوى المواقف وأكثرها خطورة إذ بلغت قصيدته 59 بيتا ، ولم يزل يزرع في ثنايا الحرف الحرية والأمل في غدٍ مشرق .

ويتعالى صوت شاعرنا بذكر نعم الله في قصيدة ” صلاة ” :
ربِّ طوّقتَ مغانينا جمالا وجلالا
ونثرتَ الخيرَ فيهنَّ يميناً وشمالا
ربِّ هذي جنَّة الدنيا عبيرا وظلالا
إنه يُعدد نعم الله على بلده ، لكنه يتساءل :
كيف نمشي في رباها الخضر تيها واختيالا
وجراح الذل نخفيها عن العزِّ احتيالا ؟؟
ثم يطلب هذا الطلب الغريب :
ردَّها قفراءَ إن شئتَ وموَّجها رمالا
نحنُ نهواها على الجدبِ إذا أعطت رجالا

لقد نظم أبو ريشة في أغراض شعرية متعددة كالغزل والمديح والوصف ، ولكن وطنياته اتخذت مساحة شاسعة ، بل نجد تعانقا بين أغراضه الشعرية ، فقصيدته ( في طائرة ) يستهلها بوصف فتاة ، ويتوحد شعور الوطنية بالغزل فيها :

وثبتْ تستقرب النجم مجالا .
وتهادت تسحب الذيل اختيالا .
وحيالي غادة تلعب في شعرها المائج غنجا ودلالا .
ويسترسل في وصف هذه الفتاة :
طلعةٌ ريَّا وشيءٌ باهرٌ أجمال ٌ؟ جلَّ أن يُسمّى جمالا .
فتبسمتُ لها فابتسمتْ وأجالت فيَّ ألحاظا كسالى .
وتجاذبنا الأحاديثَ فما انخفضتْ حسا ولا سفّتْ خيالا .
كلُّ حرف زلَّ عن مرشفها نثر الطيب يمينا وشمالا .
قلتُ ياحسناء من أنت ومن أي دوح أفرع الغصنُ وطالا ؟؟؟
فرنتْ شامخةً أحسبها فوق أنساب البرايا تتعالى .
وأجابت أنا من أندلسٍ جنة الدنيا سهولا وجبالا .

هنا هيضت الجرح القديم ، وأثارت مكامن الألم الدفين في نفس شاعرنا !!!

وجدودي ألمح الدهر على ذكرهم يطوي جناحيه جلالا .
بوركت صحراؤهم كم زخرتْ بالمروءات رياحا ورمالا .
حملوا الشرق سناءً وسنىً وتخطوا ملعبَ الغرب نضالا .
فنما المجدُ على آثارهم وتحدَّى بعد مازالوا الزوالا .
هؤلاء الصِّيد قومي فانتسب إن تجد أكرمَ من قومي رجالا .
فما موقف شاعرنا ؟؟ وكيف يردُّ ؟؟

أطرقَ القلبُ وغامتْ أعيني برؤاها وتجاهلتُ السؤالا .
هذا هو أبو ريشة إحساس عالي بالوطنية ، وبكاء المجد التليد يتنامى في جميع قصائده ، فكيف لو عاش حتى اليوم ورأى ماتعانيه سوريا وبلاد الشام ؟؟

رحلة خاصة لشاعر يحمل من التميّز والابتكار ما يستحق الدراسة والبحث ، لعلي كشفتُ عن بعض جماليات شعره ، ومثله حقيق بالاهتمام والتذوق الفني الراقي .

د/ منى محمد أبوهملاء

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    جمانه

    ماشاء الله تبارك الله ابداع مابعده ابداع اذا كان هناك أمير للشعر والشعراء فأنتي أميرة الادب والابداع شكرا من القلب يادكتورة

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>