مبدعون 2

الزيارات: 1907
تعليقات 3
https://www.hasanews.com/?p=6667338
مبدعون 2
د. منى أبو هملاء

شاعر يرى مالا يراه المبصرون ، شاعر متوقد العاطفة ، مشبوب الخاطر ، يعيد لذاكرتي حين أقرأ شعره حضارة العصر العباسي وترف الفكر العربي ، تغوص ثقافته وقراءاته في بحر الإبداع القديم ، لذا لاغرو أن نجد شعره طبقة واحدة من الاستواء الفني ، فقصيدته في اليمن ليست أقل منها قصيدته في الغزل أو في أمه ، وهذه الخصيصة أشد مالفت وأسر اهتمامي وعنايتي بشعره،فهو شاعر الديوان لا القصيدة الواحدة.

لم يقف العمى حائلا دون شهرته ، فقد ولد من أرض الحضارات والتاريخ العريق ” اليمن ” و ذكر ابن رشيق في كتابه ” العمدة ” منزلة اليمن في الشعر فقال : ( وقوم يرون تقدمة الشعر لليمن : في الجاهلية بامريء القيس ، وفي الإسلام بحسان بن ثابت ، وفي المولدين بالحسن بن هانيء وأصحابه : مسلم بن الوليد وأبي الشيص ، ودعبل ، وكلهم من اليمن ).

سميت اليمن بـ (العربيةالسعيدة) مذ القدم ، فاسمع عبدالله البردوني يقول فيها:
من السعيدة هذي الأغنيات ومن ظلالها هذه الأطياف والصور .
من خاطر اليمن الخضرا ومهجتها هذي الأغاريد والأصداء والفكر .

اليمن أمٌ وفاتنةٌ وحلمٌ وغانيةٌ جمعت في شعر البردوني النعوت مما جعلها تستحق أن تكون ملهمته .‏

البردوني من قلائل الشعراء الذين آمنوا بدور المتلقي في فهم تجربته الفنية ، فرسم أبعادا لعلاقته به هذه العلاقة الراقية الممتدة ، فاسمع هذا النداء الآسر :
يارفيقي في طريق العمر في ركب الحياة
أنتَ في روحيّتي روح وذاتٌ ملء ذاتي .

ويكشف عن التقاء فكرهما مستخدما التشبيه :
نحن فكران تلاقينا على رغم الشتات
نحن في فلسفة الفن كنجوى في صلاة

ويستحث هذا الرفيق ليسمعه :

يارفيقي هات أذنيك وخذْ أشهى رنيني
من شفاه الفجرِ أسقيك وخمر الياسمين
من معين الفن أرويك ولم ينضب معيني

وللبردوني غاية هي إسعاد متلقيه ،
وهذا أمر صرّحَ به فقال :

لك من أناتي اللحن ولي وحدي أنيني
ولك التغريد من فني ولي جوع حنيني

ماأروع هذا الشعور وما أجمله نحو متلقيه ، إنه يضمد جراحه ويشفي ألمه ، لأنه مؤمن بوظيفة الشاعر في الوجود :

ينشرُ اللحن في الوجود ويطوي بين أضلاعه الجراح الدخيله .
يفعم الكون من معانيه شهدا ورحيقا حلوا ويطفي غليله .
ويوشي الحياة سحرا كما وشتْ خيوط الصباح زهر الخميله .
وفنونا ألذ من بسمة الطفلِ ومن نسمة الصباح العليله .
وحوارا أرق من قُبلِ الحب على وجنة الفتاة الجميله .

البردوني شاعر حقيق باسم شاعر ، لأنه يسمو بفنه وفكره ، لينشر الحب والفرح والسلام ، يتعالى على آلامه وهمومه ليخلقَ من الشعر عالما قوامه البراءة والجمال والطبيعة الغضة ، فالشاعر عنده طائر :
طائرٌ عشهُ الوجود وقلبٌ مُلهمٌ عاشق وروح نبيله .
ركّبَ اللهُ في طبيعته الفن وفي فكره طموح الفضيله .

وتعذبُ لغة الشعر :

هاتي التآويه ياقيثارتي هاتي
ورددي من وراء الليل آهاتي
وهبتُ للشعر إحساسي وعاطفتي وذكرياتي وترنيمي وأناتي
فهو ابتسامي ودمعي وهو فرحتي وهو آلامي ولذاتي
يفنى الفنا وأنا والشعر أغنية على فم الخلد يارغم الفنا العاتي .

غادرنا البردوني وخلد شعره ، لقد تعامل مع الشعر عن وعي صادق وثقة بأدواته التعبيرية ، وذائقته الخاصة .

ولعل أهم مايميز شعره هذا التداخل بين معطيات الحواس ، فالسمع يقوم مقام العين ، والعين تقوم مقام اللمس ، هكذا تتبادل الحواس وظائفها ، فتتسع دائرة الاستعارة وتمتد ، وتتوافق فيما بين الأشياء غير المتوافقة :

كلما استنطقتْ معانيك شعري أرعد القلبُ بالنشيد وجلجل .
وانتزفتُ اللحون من غور أغواري كأني أذوب من كل مفصَل .
وأغنيك والصبابات حولي زمر تحتسي قصيدي وتنهل .

يبحث البردوني لنفسه مكانا في الطبيعة مع حبيبته ، فالفجر يرف من فمها ، والربيع يغني بالعطر ، بل تتحول فاتنته إلى فجر معطر ، وربيع شاعرنا هو البلبل فيه ، ويؤكد ب” أنت ” مكررا حبه وهيامه :
أنت دنيا الجمال نمنمها السحر فأغرى بها الجمال وأذهل .
فتنة أي فتنة هز قيثاري صباها ففاض بالسحر وانهل .

ويرتقي البردوني بفكره ، ويسمو بشعره فينظم الحكمة في قصيدة ” مدرسة الحياة ” :
ماذا يريد المرءُ ما يشفيه
يحسو رَوا الدنيا ولا يرويه
ويسير ُفي نور الحياةِ وقلبه
ينسابُ بين ضلالهِ والتيهِ
والمرء لا تُشقيه إلا نفسه
حاشى الحياة بأنها تشقيه
هذا هو عالم شاعرنا الجميل ، لم ننصفه حقه ، لكن حسبنا أن نضيء زاوية من زوايا شعره المتعددة ، وله دواوين أهمها : من أرض بلقيس / السفر إلى الأيام الخضر / مدينة الغد / زمان بلا نوعية / لعيني أم بلقيس … الخ

التعليقات (٣) اضف تعليق

  1. ٣
    الاسم (اختيارى)

    نحن من يجب ان نقول اشد مالفت انتباهنا وآسراهتمامنا هوتنوع مقالاتك القيمة والابداع فيها لقد انصفتي جميع الشعراء باسلوبك

    الجميل المنطقي انتي فعلا منصة اعلامية راقيه للمعرفه شكرا من القلب يادكتورة

  2. ٢
    زائر

    الكلام جدا جميل

  3. ١
    زائر

    هكذا تروي الدكتورة منى ظمأنا بالحديث عن الشعر وعن اليمن وعن البردوني بعد جفت أذواقنا من مهايط المشاهير

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>