مبدعون 1

الزيارات: 797
تعليقان 2
https://www.hasanews.com/?p=6666719
مبدعون 1
د. منى أبو هملاء

شاعر فريد اختطّ لشعره منهجا فنيا لم يسبقه إليه غيره ، وهو صاحب نزعة إنسانية تجلّتْ في موضوعاته واتجاهاته ، ورغم هذا لم يحظ بشهرة في عصره ، ولذا نعى حظه فقال :
رأيتُ الدهر يرفعُ كل وغدٍ ويخفض كل ذي شيم شريفه / كمثلِ البحر يغرق فيه حي ولا ينفك تطفو فيه جيفه .

ولم ينل ديوانه -وهو أطول ديوان في الشعر العربي إذ بلغ ستة أجزاء – حظا في الطباعة والذيوع ، فقد تكالبت جميع الظروف دون دراسة شعره سوى شذرات متفرقة للأستاذين عباس العقاد وإبراهيم المازني ، لذلك جعلتَه هدفا في دراساتي العليا ( الماجستير )، فعكفتُ على دراسة جميع شعره من زاويتين : الأولى الموضوعية ، والثانية الشكلية باسم : “التجديد في شعر ابن الرومي وآراء النقاد حوله “.

لقد أبحرتُ في عالم هذا الشاعر المميز ، وهالني إبداعه ، وكثرة اختراعاته للمعاني ، وميله للاستقصاء والإطناب ، ولعل من أهم ابتكاراته ( فن الكاركاتير ) وهو يقابل مانعرفه اليوم بالرسم ( كاركتر ) الذي يعتمدُ على المبالغة في إبراز الملامح والصفات ، ويهدف هذا الفن الساخر إلى النقد السياسي والاجتماعي والفني .

يتطلب هذا الفن القدرة على النقد بأسلوب مختصر ومثير ، لأنه يلتقط الصفة التقاطا فيكبرها ولعله يتفوق على كثير من المقالات والتقارير ، وابن الرومي أول الشعراء المبدعين لهذا الفن باللفظ لا الرسم كما هو سائد اليوم . فقد استحدث الوصف الكاريكاتوري ، ووصل به إلى أقصى مرحلة من التكامل الفني .
وكلمة كاريكاتير مقتبسة من اللفظة الإيطالية ( كاريكار ) وتعني التضخيم والمبالغة ، والغرض منه إثارة الابتسامة والفكاهة معتمدا السخرية والنقد اللاذع .
يقول في نكهة ابن حريث :

للحريثي نكهةٌ تترك البيتَ مُنتِنا ، تصرعُ
الفارسَ الشجاعَ إذا كرَّ أو ونَى ، إنما تحسنُ في كنيفٍ إذا كان عندنا .
وفي صلعة أبي حفص الوراق يقول :

ياصلعةً لأبي حفص مُمَّردة ، كأن ساحتها مرآةُفولاذ ، ترنُّ تحتَ الأُكف الواقعاتِ بها ، حتى ترنَ لها أكناف بغداد .

ولا يقف ابن الرومي على نقد الصفات الجسمية فحسب ، بل يتجاوزها إلى الصفات النفسية ، فانظر كيف رسم صورة البخيل :
يُقترُ عيسى على نفسه وليس بباق ولا خالد ، ولو يستطيع من تقتيره لتنفس من منخر واحد .

كان ابن الرومي ناقدا بطبعه ، يقف على الأشياء الصغيرة فيُبالغ في رسمها ووصفها شعرا لدرجة نستشعر معه طغيان الصفة على جميع الصفات الأخرى ، فقد وصف المجتمع والأفراد بمختلف الفئات : المغني والجبان والأصلع والأعور والخادم والخباز والأعمى والقصير والدميم حتى يُخيل لنا أنه لم يترك أحدا إلا هجاه وصوره ، كما وصف الأطعمة والأشربة وصفا بارعا كالموز والقطائف وهي مانسميها اليوم البقلاوة .

وبما أن الوصف الكاريكاتوري يقوم على الغرابة ، فقد تتولد منها اختلاف النسبة والتآلف في الصورة مثل قوله في لحية اللّيف :
ولحية يحملها مائقٌ مثل الشراعين إذا أشرعا ، تقوده الريح لها صاغرا قودا عنيفا يتعب الأخدعا ، فإن عدا والريح في وجهه لم ينبعث في وجهه إصبعا ، لو غاص في البحر غوصةً صاد بها حيتانه أجمعا .

ومن روائع ابن الرومي الشعرية السخرية وهي تنقسم قسمين : القسم الأول سخرية تمتزج فيها روح الدعابة والفكاهة كالأمثلة السابقة ، والقسم الثاني : سخرية تعلو فيها هموم ابن الرومي وأحزانه وتتسامى حتى تصل به إلى استشراف الحياة بكل دقيقها وجليلها ، بكل جمالها وقبحها ، وقد نتساءل لماذا نسخر ؟؟

نحن نسخر حينما نقابل بين الواقع باعتبار مافيه من نقص عرفناه بطول الصحبة وبين صورة الكمال التي ننشدها ، والتي تعتبر أسمى الحالات لما ينبغي أن يكون عليه الواقع ، ومما يثير السخرية في أعماقنا مايبدو في الحياة من مفارقات .
استمع لقول ابن الرومي المؤلم :
سألتُك لاحاجة فاحتجزتَ مني وطالبتني بالكفاف ِ، كأني سألتُك قوتَ العباد في سنة البقرات العجاف!!!!
لقد صوّر ابن الرومي إحساسه العميق والقوي ببساطة الطلب الذي لا يستدعي كل هذا الازورار والاحتجاب من ممدوحه مستخدما التشبيه ، وهو تشبيه اعتمد فيه على ثقافته الإسلامية ، فيه من المرارة والسخر الكثير .
واسمع هذا الأسى والوجع حين يقول متعاليا على وحدته :
الحمدُ لله حتى ينفد العدد ، يُشتاق غيري ولا يشتاقني أحد !

وقد يستغل ابن الرومي معرفته بالمنطق والفلسفة في تصويره للطيلسان الذي أهداه أحدهم :
طيلسان سامريٌ يتداعى لامساسا ، فقد طوى قرناً فقرنا وأُناسا فأُناسا ، لبس الأيامَ حتى لم يدع فيها لباسا ، غاب تحت الحس حتى مايُرى إلا قياسا .

لبس هذا الطيلسان الأيام كلها ولم يدع فيها لباسا ، يغيب تحت الحس ولا يمكن يرى إلا بالقياس ، إنها فلسفة ومنطق تعكس قدرة ابن الرومي على استغلال ثقافته وقدرته على تحويلها إلى فن يعبق بالشاعرية .
نلحظ أن ابن الرومي استطاع أن يجدد في فن الهجاء ، ويرسم صورا متقدمة لشخصياته الكاريكاتيرية ،خاصة والكاريكاتير نوع من التعبير لا يتطور إلا في سياق تاريخي معين ، ويظهر هذا جليا في المجتمعات والحضارات المزدهرة اجتماعيا وفكريا .
وقد أساء بعض الباحثين فهم نفسية ابن الرومي ووصموه بالتشاؤم والتطير ، وهذا غير صحيح ، فلم يكن ابن الرومي كارها للحياة ، بل هو من أحب الناس للدنيا وأعشقهم لها ،وأعظمهم تذوقا لجمالها ، لهذا جاء سخطه عليها عظيما كما هو إحساسه بها وحبه إياها .
إني لأعجب من شاعر أُوتي هذا القدر من النسيان والإهمال في عصره إلا أنه استطاع أن يُضحكنا ويُسعدنا ، فلا تنسحب حياته الخاصة بأحزانها على شعره ، بل هو يدعو للتفاؤل والمتعة الإيجابية ، فلا يتباكى وينزوي ، بل ينطلق فيُبدع وحسبه أن مانظمه باقي وله أثر إيجابي في حياتنا .
كان ابن الرومي ينشد حياة راغدة ومنزلة رفيعة وهو الشاعر الذي يعي – بيقين – مقدار ما يتمتع به من ملكات ومهارات ، هذا الوعي الذي يجعله لايقل عن كثير نالوا الحظوة – إن لم يفوقهم – لكن أبت له دنياه ما نشد ، فجاء سخطه عليها بمقدار حبه لها :
لهفي على الدنيا وهل لهفة تُنصفُ منها إن تلهفتُها !! كم آهةٌ لي قد تأوهتُها فيها ومن أُف تأففتُها !! أغدو ولا حال تسنمتُها فيها ولا حال تردفتهُا !!!
تلك وقفة قصيرة مع مبدع من نوع خاص أتمنى أن تكون إرهاصا لقراءة شعره وتذوقه .

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    جمانة

    وحديثُها السحرُ لوانهّا لم تجن قتل المسلم المتحّرزِ

    إن طال لم يُمل وإن هي أوجزت ودالمحدًث انها لم توجز

    ابن الرومي

  2. ١
    جمانة

    لا تعليق اجمل من قول ابن الرومي :

    وحديثها السحر’لواّنها لم تجن قتل المسلم المتحًرز

    إن طال لم يمل وان هي أوجزت ودالمحًدث أنها لم توجز

    شكرا من القلب يادكنورة منى على هذا الابداع

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>