لا تُحدث ضجيج … غادر

الزيارات: 556
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6666709
لا تُحدث ضجيج … غادر
أمل الحربي

في رائعة الأديب الروسي (أنطوان تشيخوف)  في القصة القصيرة  (المغفلة) :

(عندما دعا السيد المربية (يوليا فاسيليفنا) إلى مكتبة كي يدفع لها راتبها الشهري فقال: لها .

اجلسي يا (يوليا) هيّا نتحاسب  أنتِ بحاجة إلى النقود ولكنك خجولة إلى درجة أنك لن تطلبينها بنفسك،  حسناً  لقد اتفقنا على أن أدفع لك (ثلاثين روبلاً) في الشهر.

. قالت : أربعين

قال : كلا  ثلاثين  هذا مسجل عندي  كنتُ دائماً أدفع للمربيات (ثلاثين روبلاً).

. حسناً-

– لقد عملت لدينا شهرين .

.قالت : شهرين وخمسة أيام-

فقال السيد  : شهرين بالضبط  هذا مسجل عندي  إذن تستحقين (ستين روبلاً) .

وهكذا يستمر السيد في اختلاق  الحجج وتأليف المغالطات  التي لم يحدث أي  منها ، ليبرر لها سبب  الخصم من راتبها  ، وفي كل مرة تهز رأسها بالموافقة وتتقبل كلامه  بكل استسلام  دون أي نقاش حتى يسلمها  أخر ما تبقى لها

  ( احدى عشر روبلاُ فقط )  ، فتأخذها منه ، وعيناها تمتلئ بالدموع، وتضعها في جيبها  وداخلها يغلي  بالغضب الصامت  وبصوتها المخنوق بالحسرة  .

 تقول : شكراً  

هنا استولى على السيد الغضب وهو يصرخ بها :

شكرًا على ماذا؟

فترد  على النقود.

–فيرد عليها : ولكني نهبتك، سلبتك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين شكرًا؟

– قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئًا.

سأعطيك نقودك، «الثمانين روبلًا» كلها، ها هي في المظروف جهزتها لكِ! ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجّين؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألّا تكوني حادة الأنياب؟ هل يمكن أن تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة؟

– ابتسمتْ بعجز وقالت : يمكن).

ليسلمها،  «الثمانين روبلًا» بعد ذلك الدرس القاسي  فشكرته  بخجل وخرجت.

ليتطلع  في أثرها متأملاً في تفاصيل الموقف ثم يقول : (ما أبشع أن تكون ضعيفًا في هذه الدنيا.)

تصنف قصة المغفلة من القصص القصيرة  الأكثر تأثيراً في النفس  الإنسانية  ، وأعمقها في تصوير حالة العجز والاستلام .

بما  تميزت به من  وروعة السرد ،  وتصوير الحس الداخلي لشخصياتها  ، لكن لم ينال وسم القصة (بالمقفلة ) قناعة كبيرة عندي  .

فهل فعلاً كانت (يوليا فاسيليفنا ) مقفلة وهي تأخذ المتبقي لها من الراتب بكل هذا الانكسار ؟، وهب أن ردة فعلها كانت عنيفة وأخذت بالصراخ والسب، والشتم وحتى  وأن ذهب بها التهور وتقدمت بالشكوى .

كم نسبة التغير الذي يمكن أن  يحدث  في مسار القصة   ؟

أمام ما يملكه  السيد من سلطة ونفوذ وهي الخادمة  البائسة الضعيفة قليلة الحيلة والتي أشك أنها حتى لو قدمت شكواها في محكمة عدل  لن تنال شيئا غير الركض في أرواقه المحاكم بلا جدوى .

عظيمة هي  (يوليا فاسيليفنا )  عندما أثرت أن تأخذ المبلغ المتبقي وتغادر بصمت ودون إثارة ضجيج ،

في أحيان من الأجدى أن  يظل الضجيج في أعماقك !، ويظل خارجك صامتا ، وأن تغادر بقدميك ، وأنت ترسم ابتسامة لطيفة على وجهك .

قد نصل لمرحلة لا نريد فيها تحقيق أحلامنا كل ما نريده اكمال الواقع بأقل خسائر ممكنه لذا نغادر الأماكن التي لا تستوعب آمالنا ، والعقول التي تهدر  طاقتنا ، والشخصيات التي لم تحترم ذواتنا .

أقسى من خيبة (يوليا فاسيليفنا )  ماعبر به ابن الفارض وهو يصف الخذلان الممزوج في اسراف القلب والنفس على من خاب الظن فيهم  قائلاً:

إنْ كانت مَنزِلَتي في الحبّ عندكُمُ

                            ما قد رأيتُ فقد ضيّعْتُ أيّامي

أُمْنِيّة ظفِرَتْ روحي بها زَمَناً      

                                 واليومَ أحسَبُها أضغاثَ أحلام

وإن يكُنْ فرطُ وجدي في مَحَبّتِكُمُ

                                إثْماً فقد كَثُرَتْ في الحبّ آثامي

بالنهاية عليك المغادرة  ابحث عن  المكان الذي يناسبك ، وأبحث  عن  الأرواح التي  تقدرك ،حتى لا تشعر بضعف تقدير ذاتك  ، ولا تفقد متعه الاستماع بالحياة ، ولا تستنفذ طاقتك في جدال غير مجدى .

أعلم أن الأمر صعب لكن إيمانك بالله ، وصدق نوياك ، واخلاصك في عملك كفيلة في أن تخفف عنك  أثار هزيمتك ، وتقبل خيبتك ، واستمرارك من جديد .

لا تدخل في صراعات مع أيا كان فقط تجاوزهم بصمت ، وغادرهم بهدوء ، وأن التقيت بهم صافحهم بابتسامه  فلا أنت تملك حق تغيرهم ، ولا أنت قادر على تغير واقع قد تفرضه الحياة عليك  بقسوة  ولا يفتح لك  إلا باباً إلا باب  المغادرة .

ضع نهاية لكل شيء يستحق النهاية فأنت لا تحتاج لكل هؤلاء البشر في حياتك تحتاج لمن  يؤمن بك ، يثق في قدرتك ، يؤمن بما تُريد الوصول إليه ، يساعدك في الوصول لأهدافك البعيدة ،لتكون شخصا خارقا لا يتوقف مهما كانت سرعة الطريق ، ولا ينكسر مهما قست العاصفة حتى لو كان شخص واحد .

وعندما لا تجد ذلك الشخص أمامك فقط نفسك القوية  ، وإرادتك الصلابة ، ورغبتك في الحياة وانت مفعم بالسلام الداخلي .

متى يجب عليك المغادرة ؟

في كل مرة يتطلب منك أن تثبت للآخرين بأنك شخص مهم  عليك المغادرة فإذا كانت كل اشاراتك لم تصل ، وكل محاولاتك لم تفهم ، وكل تضحياتك لم تقدر وحتى عتابك لم يلتفت إليه .

عدم الرد هو رد أقسى ، وتجاهلك هو جرح لكرمتك ، واستمرارك يفقدك احترامك ، 

            غادر في كل مرة تكون ردة فعلك هو هزة رأس بدل ثورة عارمة  يمكن أن تدمر من حولك . فلا شيء يدمر الإنسان مثل الخيبة ، ولا أكثر  وجعاً من لحظة إدراك  ، ولا أشد هزيمة من كسر النفس   .

فأقسى ما يهز ثبات أي شخص أن يجمع أشتاته وهو ممزق ، ويتمالك دموعه   وهو على وشك البكاء ، وينتشل نفسه عندما تكون   حافة الانهيار .

غادر في كل مرة تشعر أنك تقف في المنتصف ، وأنك  تقف على  عتبة الاستسلام   أو  محطة انتظار ، وأن نهاية طريقك تعود بك للبداية  .

فالبيئة التي تسببت في مرضك لن تشفيك ،فلا تزرع نفسك في غير أرضك حتى لا تذبل  ، والبذور التي غُرستها  في غير   تربتها لن تنمو .

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>