الخليفة المأمون نابغة العلم والسياسة

الزيارات: 1403
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6663602
الخليفة المأمون نابغة العلم والسياسة
د. نافل بن غازي النفيعي

الخليفة المأمون هو عبد الله ابن هارون الرشيد، وهو يعد سابع شخص تولى الخلافة من بني العباس، وتم ولادة عبد الله بن هارون الرشيد سنة 170 هجرية، ويعد عصر المأمون من أهم العصور. حيث كان يسعى للاهتمام بالتعليم والاهتمام بالارتفاع في المستوى الفكري عند الإنسان في هذه المرحلة وكان يشرف على ذلك بنفسه.

في نفس اليوم الذي تولى فيه هارون الرشيد الولاية ولد ابنه المأمون سنة 170 هجرية 786 ميلادي. وكانت أمه من أصل فارسي وقد توفيت في أثناء فترة النفاس بعد ولادته. عندما بلغ المأمون الثالث عشر من عمره ولاه والده ولاية خراسان وما يتبعها من مناطق وأطلق له حرية الرأي والتحكم بها بدون الرجوع إليه.

وكان هارون الرشيد قبل وفاته كان قد أوصى بالولاية لابنه الأمين، ومن بعده لابنه المأمون.

وأثناء وجودهم في بيت الله الحرام أخذ هارون الرشيد عهد على أبنائه بأن يتولى الأمين من بعده الولاية من بعده يوصى الأمين بالولاية لأخيه المأمون.

وقد قام هارون الرشيد بتسجيل هذا في صك ووضعه بالكعبة المشرفة ليزيد من قدسية هذا القرار وأصدر منشور ووزعه على جميع الدول العربية. وكأنه يشعر بأن هناك خلافًا سيدب بين ابنائه.. ولاعجب في ذلك فالأمين امه عربية والمأمون والدته فارسية الأصل.

وذهب المأمون في هذا الوقت إلى خراسان إلا أن الأمين قد قام بتغيير وصية والده وأوصي بالولاية من بعده لابنه موسى. ولما وصل الخبر إلى المأمون بأن أخاه قد استغنى عنه ومنعه من تحقيق وصية والده ووضع ابنه مكانه. فنزل إلى الناس وأخذ أصواتهم وقام الناس لمبايعته وفي هذا الوقت قام المأمون بتجهيز جيش لاسترداد حقه من أخيه، وسانده في ذلك كثيرًا من أخواله الفرس، اما الأمين فلقد كان معظم جيشه من العرب. واستمرت مدة الحرب بينهم إلى ما يقرب من 4 سنوات وتم انتصار المأمون على الأمين وتم قتله عام 813 و تولى المأمون الخلافة.. ليلى جبريل.

ومن أسباب الخلاف بين الأمين والمأمون بأن بدأ الأمين بالتدخل بشؤون خراسان الذي يتولى ولايتها المأمون، والذي عهد إليه أبوه بها وإعطاءه جميع الصلاحيات في شؤونها دون تدخل من أحد. هذا يعد من النصوص التي تم تسجيلها في الصك الذي يوجد بالبيت الحرام بمكة المكرمة. ولكن الأمين يريد التدخل في جميع الشؤون بما انه خليفة للمسلمين ويعطى لنفسه جميع الصلاحيات.

وهذه الخلافات حتى الآن تتم عن طريق المراسلات بين الأخوين دون تواجه وجهه إلى وجه. وكان أهم الأشياء التي ينظر إليه الأمين انه يجب أن يكون له حصة في الدخل المالي لهذه البلدة وأن يكون له عيون في هذه الأماكن لكي تخبره بالدخل الخاص بها. في هذا الوقت تدخلت مجموعة كبيرة بالإصلاح بين الأخوين دون جدوى أو استجابة من أي شخص فيهم إلى الصلح.. ولكن اصحاب المصالح من الطرفين أججوا الصراع بينهما إلى ان تم قتل الأمين على أحد قادة المأمون وهو طاهر ابن الحسين.
كان الخليفة المأمون لديه المرونة الكافية لكي يتأقلم مع جميع الطوائف الموجودة عنده. وكان لا يستطيع الثبات على رأي كان في بعض الأحيان ينضم إلى أهل السنة والجماعة وكان ينضم إلى الفرس. وأوقات أخرى ينضم إلى العلويين وكان بذلك يستطيع أن ينعم برضا جميع الأطراف..فلقد كان غايةً في الدهاء والحنكه السياسية عكس اخيه.

فمن أبرع دهائه وحنكته السياسية حينما خرج عليه عمه إبراهيم ابن المهدي واعلن التمرد وخلعه؛ بسبب تعيين المأمون أحد أبناء ال بيت العلوي وهو “علي بن موسى الرضا” ليكون وليًا للعهد من بعده، وقام بتغيير علم العباسيين من السواد إلى الخضار وهو شعار العلويين.. كما قام بسك عملة عليها شعار العلويين، واستطاع القضاء على عمه وسكن بذلك العالم الإسلامي وذلك بعد ان استمال ابن المهدي واستقبله استقبالًا حافلًا وعظيم؛ مظهرًا له الحفاوة والتقدير.

وما أن اطمن عمه للمأمون حتى دس له السم في طعامه، وبعد ان توفي قام ودفنه.. مبديًا حزنه الشديد عليه، واقام على قبره ثلاثة ايام لاينال من الطعام إلا خبز وماء. وكان قبله عيّن عددًا من الاشخاص البارزين الذين ثاروا مع ابن المهدي. وبذا استطاع ان يقضي على فتنةً كادت أن تعصف بملكه.. وبعد فترةً من الزمن اعاد الأمور إلى نصابها.

شهد عصر المأمون نهضة حضارية كبيرة، فقد كان المأمون محبًا للعلم والأدب وكان شاعرًا وعالمًا وأديبًا، يحب الشعر ويجالس الشعراء ويشجعهم، وكان يعجب بالبلاغة والأدب، كما كان للفقه نصيب كبير من اهتمامه، وكان العلماء والأدباء والفقهاء لا يفارقونه في حضر أو سفر، وقد أدى تشجيعه للشعراء في أيامه إلى إعطاء الشعر دفعة قوية، وكان تشجيعه للعلوم والفنون والآداب والفلسفة ذا أثر عظيم في رقيها وتقدمها، وانبعاث حركة أدبية وعلمية زاهرة، ونهضة فكرية عظيمة امتدت أصداؤها من بغداد حاضرة العالم الإسلامي ومركز الخلافة العباسية إلى جميع أرجاء المعمورة، فقد استطاع المأمون أن يشيد صرحًا حضاريًا عظيمًا، وأن يعطي للعلم دفعة قوية ظلت آثارها واضحة لقرون عديدة.. سمير حلبي.

فلقد أرسل المأمون البعوث إلى “القسطنطينية” و”الإسكندرية” و”إنطاكية” وغيرها من المدن للبحث عن مؤلفات علماء اليونان، وأجرى الأرزاق على طائفة من المترجمين لنقل هذه الكتب إلى اللغة العربية، وأنشأ مجمعًا علميًا في بغداد، ومرصدين أحدهما في بغداد والآخر في “تدمر”، وأمر الفلكيين برصد حركات الكواكب، كما أمر برسم خريطة جغرافية كبيرة للعالم.
ولم يمر وقت طويل حتى توفي المأمون في “البندون” قريبًا من طرسوس في [18 من رجب 218هـ= 10من أغسطس 833م] عن عمر بلغ ثمانية وأربعين عامًا، قضى منها في الخلافة عشرين عامًا. رحم الله الخليفة المأمون.. فلقد كان بحق سياسيًا محنكًا محبًا للعلم واهله، واتسع ملكه اتساعًا قل نضيره في الإسلام.

ومما يُعاب على المأمون، ابتداعه لفتنة خلق القران.. حيث تعد فتنة خلق القرآن من أخطر الفتن والمحن التي مرت على أمتنا الإسلامية. ويمكن اعتبارها من أكبر الفتن الفكرية التي تبنت فيها الدولة العباسية مذهب المعتزلة، وحملت الناس عليها بالسيف. ولولا أن قيض الله تعالى للأمة الإسلامية علماء أثبات كالإمام أحمد بن حنبل وغيره لتسببت هذه الفتنة في كثير من الانحرافات الفكرية والعقدية لدى الناس.

فنصف ما نحلم به كان من الممكن ان نحصل عليه لو اننا لم نضيع نصف وقتنا في الاحلام بدون هدف.. كسفينة بدون دفه كلاهما سوف ينتهي به الأمر على الصخور.

 

د. نافل بن غازي النفيعي
-خبير استراتيجي ومختص في العلاقات التاريخية بين الدول-

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>