دهاء الإسكندر المقدوني

الزيارات: 2316
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6663030
دهاء الإسكندر المقدوني
د. نافل بن غازي النفيعي

كان الإسكندر الأكبر ملكًا لمقدونيا في الفترة ما بين 336-323 قبل الميلاد، وقام أثناء حكمه بتوحيد اليونان وإعادة تأسيس رابطة كورنيث والتغلب على الإمبراطورية الفارسية.

ولد الفاتح والملك المقدوني الإسكندر الأكبر في 20 تموز/ يوليو عام 356 قبل الميلاد في منطقة بيلا في المملكة اليونانية القديمة مقدونيا.، وأثناء فترة حكمه ما بين عام 336 و 323 قبل الميلاد، وحّد المدن اليونانية المستقلة وقاد رابطة كورنيث، كما أصبح ملك فارس وبابل وآسيا وأقام مستعمرات مقدونية في المنطقة، وتوفي في بابل (العراق حاليًا) في 13 حزيران/ يونيو عام 323 قبل الميلاد إثر إصابته بالملاريا بينما كان يفكر باحتلال قرطاج وروما.

في صيف (336) قبل الميلاد اُغتيل فيليپ الثاني فاعتلى العرش ابنه الإسكندر فوجد نفسه محاطاً بالأعداء من حوله ومهدد بالتمرد والعصيان من الخارج. فتخلص مباشرة من المتآمرين وأعدائه من الداخل بالحكم عليهم بالاعدام. ثم انتقل إلى ثساليا حيث حصل حلفائه هناك على استقلالهم وسيطرتهم. وباستعادة الحكم في مقدونيا. قبل نهاية صيف 336 ق.م.، أعاد تأسيس موقعه في اليونان وتم اختياره من قبل الكونگرس في كورينث قائداً.

لقد توصل الإسكندر إلى حقيقة جعلته يسود العلم ويمتلك إمبراطورية عالمية وجعل من فتوحاتة للشرق بداية عصر جديد وهو العصر الهلنستى الذى تورى فيه كل شىء في العالم الشرقي وهى “أن البشر جميعهم سواسية وأبناء إله ويجب إحترام عقائد البشر في أي مكان في العالم”.

لقد كانت حياة أرسطو العقلية بعد أن غادر تلميذه الملكي مماثلة لحياة الإسكندر العسكرية؛ ذلك أن كلتا الحياتين تعبر عن نزعة الفتح، والبناء، والتركيب. وربما كان الفيلسوف هو الذي غرس في عقل الشاب تحمسه الشديد للوحدة وهو التحمس الذي رفع بعض الشيء من قدرات الإسكندر؛ لكن أرجح من هذا أن هذا التحمس قد انحدر إليه من مطامع أبيه، ثم أحاله دم أمه إلى ولع وهيام. وإذا شئنا أن نفهم الإسكندر على حقيقته، وجب علينا أن نتذكر على الدوام أن عروقه كان يجري فيها نشاط فليب العارم وحدة ألمبياس الهمجية؛ يضاف إلى هذا أن ألمبياس كانت تدعي الانتساب إلى أخيل، ومن أجل هذا كان الإسكندر يهوى الإلياذة ويفتتن بها؛ وكان يفسر عبوره الهلسبنت بأنه تتبع لخطوات أخيل نفسه واستيلاءه على آسيا الغربية بأنه إتمام للعمل الذي بدأه جده الأعلى في طروادة.

وكان في خلال حملاته العسكرية كلها يحتفظ معه بنسخة من الإلياذة عليها شروح بقلم أرسطو؛ وكثيراً ما كان يضعها تحت وسادته أثناء الليل بجوار خنجره، كأنه يرمز بهذا إلى أداته وهدفه.

وكان الإسكندر من الناحية الجسمية شاباً مثالياً. وذلك أنه كان يجيد كل ضروب الألعاب الرياضية: كان عداءً سريعاً، وفارساً جريئاً، ومبارزاً ماهراً؛ وكان يجيد الرماية بالقوس، ولا يرهب أي شيء في الصيد. ولما رغب إليه أصدقاؤه أن يشترك في سباق العدو في أولمبيا أجاب بأنه لم يكن يمانع في ذلك لو أن المتبارين معه كانوا ملوكاً. ولما عجز غيره عن تذليل بوسفلس Bucephalus الجواد الجامح الجبار، نجح الإسكندر في هذا العمل؛ فلما رأى ذلك فليب، كما يقول بلوتارخ، حياه بتلك الألفاظ التي كانت أشبه بنبوءة بما يخبؤه له القدر: “أي بني، إن مقدونية لا تتسع لك، فابحث لنفسك عن إمبراطورية أوسع منها، وأجدر بك”.

وكان حتى في أثناء زحفه يصرف بعض نشاطه في أن يرمي بالسهام بعض ما يمر به من الأهداف، أو ينزل من مركبته ثم يعود فيركبها وهي تجري بأقصى سرعتها. وكان إذا تراخت الحرب خرج إلى الصيد وواجه بمفرده وهو واقف على قدميه وحشاً ضارياً؛ وسمع ذات مرة بعد أن فرغ من قتال أسد بعضهم يقول إنه كان يحارب الأسد كأنه يبارزه لتقرر نتيجة التبارز أيهما يكون هو الملك، فسر من هذا القول أيما سرور. وكان مولعاً بالعمل الشاق والمغامرات الخطرة، ولم يكن يطيق الراحة.

وكان يسخر من بعض أصدقائه الكثيري الخدم ويقول إنهم لا يجدون ما يفعلون. ومن أقواله لهم: “عجيب أمركم، كيف لم تدلكم تجاربكم على أن من يعملون ينامون نوماً أعمق من نوم من يعمل لهم غيرهم، وهل لا تزالون بحاجة إلى من يدلكم على أن أعظم ما نحتاجه بعد انتصارنا هو أن نتجنب الرذائل وأسباب الضعف التي كان يتصف بها من غلبناهم على أمرهم”.

وكان يؤلمه ما يضيع من الوقت في النوم ويقول: “إن النوم وعملية التناسل هما أهم ما كان يشعره بأنه آدمي فان”. وكان معتدلاً في الطعام، وظل إلى آخر سنين حياته معتدلاً كذلك في الشراب، وإن كان يحب أن يطيل المكث مع أصدقائه على كأس من الخمر. وكان يحتقر الأطعمة الدسمة، وقد رد مشهوري الطهاة الماهرين الذين عرضوا عليه، وقال أن مشي ليلة كفيل بأن يقوي شهوته للفطور، وإن فطوراً خفيفاً يقوي شهوته للغداء. ولعل هذه العادات هي التي جعلت وجهه وضاء إلى حد كبير، وجعلت رائحة جسمه ونفسه “زكية تفوح من ملابسه التي على جسمه”.

وإذا ما أخذنا بأقوال معاصريه وضربنا صفحاً عن مثل الذين رسموا صوره أو نحتوا تماثيله أو نقشوا رسمه، حكمنا بأنه كان وسيماً بدرجة لم يسبقه إليها أحد من الملوك الذين قبله: كان ذا معارف قوية التعبير، وعينين زرقاوين رقيقتين وشعر غزير أصحر. وهو الذي ساعد على إدخال عادة حلق اللحية في أوروبا، وحجته في ذلك أن اللحية تمكن العدو من القبض على صاحبها. ولعل أكثر آثاره في التاريخ هو هذا الأثر التافه.. المتحف الوطني بأثينا.

وأخرج ابن عساكر عن الشعبي قال: “دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه.

فأما معاوية فللحلم والأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهات، وأما زياد فللكبيرة والصغيرة”.

وقال الأصمعي: “كان معاوية -رحمه الله- يقول: أنا للأناة، وعمرو للبديهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم”.
وجاء في كتب السير والأدب أن عبد الله بن قاسم بن طولون كاتب العباس بن أحمد ابن طولون قال: بعث إليّ أحمد بن طولون بعد أن مضى من الليل نصفُه، فوافيته وأنا منه خائفٌ مذعور.

ودخل الحاجب بين يديّ وأنا في أثره، حتى أدخلني إلى بيتٍ مظلم، فقال لي: سلِّم على الأمير!
 فسلّمت، فقال لي ابن طولون من داخل البيت وهو في الظلام: لأي شيءٍ يصلح هذا البيت؟ قلت: للفكر، قال: ولِمَ؟
قلت: لأنه ليس فيه شيءٌ يشغل الطرف بالنظر فيه.
قال: أحسنت! امض إلى ابني العباس، فقل له: يقول لك الأمير اغدُ عليّ، وامنعه من أن يأكل شيئاً من الطعام إلى أن يجيئني؛ فيأكل معي، فقلت: السمع والطاعة.

وكان العباس قليل الصبر على الجوع؛ فرام شيئاً يسيراً قبل ذهابه إلى أبيه؛ فَمَنَعْتُه؛ فركب إليه، وجلس بين يديه، وأطال أحمد بن طولون عمداً، حتى علم أن العباس قد اشتدّ جوعه، وأُحْضِرت مائدةٌ ليس عليها إلاّ البوارد من البقول المطبوخة؛ فانهمك العباس في أكلها؛ لشدة جوعه، حتى شبع من ذلك الطعام، وأبوه متوقف عن الانبساط في الأكل، فلما علم أنه قد امتلأ من ذلك الطعام أمرهم بنقل المائدة، وأُحْضِر كلُّ لون طيّب من الدجاج، والبط، والجَدْي، والخروف؛ فانبسط أبوه في جميع ذلك، فأكل، وأقبل يضع بين يدي ابنه منه؛ فلا يمكنه الأكل؛ لِشِبَعه.

قال له أبوه: إنني أردت تأديبك في يومك هذا بما امتحنتك به؛ لا تلق بهمَّتك على صغار الأمور بأن تسهِّل على نفسك تناول يسيرها؛ فيمنعك ذلك من كبارها، ولا تشتغل بما يقلّ قدرُه؛ فلا يكون فيك فضلٌ لما يعظم قدره.

فحكمة اليوم في مذكرتي تقول:

إن الدعة أقدر من الحدة كما إن أعظم الدهاء يكون أحياناً في البساطة.. والشخص الذكي حقا لا يخطو أي خطوة إلا بعد أن يحسب لها ألف حساب.. جورج برنارد شو.

ويتكلم العاقل عن أفكاره و الذكي عن أعماله و السوقي عن طعامه.

فإذا أردت أن تزرع لسنة فأزرع قمحا. وإذا أردت أن تزرع لعشر سنوات فازرع شجرة. أما إذا أردت أن تزرع لمئة سنة فازرع إنسانا.. مثل صينى.

 

 

د. نافل بن غازي النفيعي
خبير استراتيجي ومختص في العلاقات التاريخية بين الدول

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>