الليل في القرآن والشعر العربي (ج 2)

الزيارات: 2252
تعليقات 5
https://www.hasanews.com/?p=6662936
الليل في القرآن والشعر العربي (ج 2)
د. منى أبو هملاء

ولليل في الشعر العربي منزلة عظمى ، إذ وقف الشاعر العربي إزاء الليل وما يثيره في نفسه وخواطره موقفاً فريداً ، فمفهوم الليل عند الجاهلين يدور حول مستويات ثلاثة ؛ (الزماني ، والمكاني ، والدلالي ) مما يحمل الليل بُعداً موضوعياً فيجسد معاني الرهبة والخوف من الظلام ، ولعل امرأ القيس أول شعراء الجاهلية في وصف الليل : وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي – فقلتُ له لما تمطى بصلبه وأردف أعجاز ا وناء بكلكل – ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل .
يتصور امرؤ القيس الليل كموج البحر وقد أسدل الستور وعمّ الكون ، لكن ليل شاعرنا مليء بالهموم والمواجع ، لذا نراه يخاطبه مخاطبة العاقل ، وقد استقى من البيئة البدوية أدوات تشبيهه ، فالصلب والكلكل والأعجاز ماهي إلا سمات الناقة التي طالما صحبته في حله وترحاله .

وانظر إلى لفظ ( تمطى ) تدل على كآبة الشاعر وحزنه اللامنتهي ، وهي تعني امتداد الليل وطوله ، ونحن لا نشعر بالزمن إلا من خلال عواطفنا وخلجات نفوسنا ، فالليل من حيث الطول والقصر لا يتغير ، إنما هو يتغير بتغير أحاسيسنا فيه ، فكم من الأوقات تمضي سريعا مع من نُحب ، وكم من الأوقات تسمّر فيها الزمن ونحن بانتظار أمر ما !!! ننتظر نتيجة امتحان ، أوتحليل ، أو سفر ، أو نكون بصحبة أناس قد بعدوا عن هشاشة النفس ، وأريحية التعامل .

وتبلغ بامريءالقيس الهموم مبلغها ، فلا يستطيع شروق الصبح تغييرها ، ويطول الليل كأن نجومه شدت بأسباب وأمراس ( الحبال ) من الجنادل والجبال ، فهي لاتتحرك ولا تزول ، كأنما سمّرت في مكانها ، وقد أخذ منه كثير من الشعراء هذا المعنى : فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل – كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتان إلى صم جندل .

واسمعْ النابغة الذبياني حين قرن بين ممدوحه والليل ، وكيف صوّر سطوة الليل عليه ، فهو يرى في الليل قدرا مبتلى به لا يستطيع الهرب منه حين يقول : فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسع .

ويلتفت بشار إلى اللّيل التفاتة مميزة ، فلا يدّعي بأن ليله طويل ، بل يقدم لنا تعليلا يوازي عقلية الشاعر الجديدة في العصر العباسي الذي تأثر بثقافات المجتمع الحضاري الجديد المتنوعة ، بسطت يد الامتزاج بها فرصة للتأثر والتأثير : لم يطل ليلي ولكن لم أنم ونفى عني الكرى طيفٌ ألَم .

ويرى المتنبي الليل رمزا للرعب والبيداء ، وقد قرن الليل بالخيل ، لأن الخيل رمز للقوة والعزيمة : الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم .

في حين يرى أبو فراس الحمداني أن الليل هو فرصة للاختلاء بالنفس والتفكير بهموم الحياة ، وانهمار الدموع لتفريج الألم وتخفيفه : إذا الليل أضواني بسطتُ يد الهوى وأذللتُ دمعا من خلائقه الكبر .
كان الليل ولم يزل بما يحتويه من مظاهر كونية مصدرا غنيا للشعراء يستمدون منه المعاني ، ويستوحون الصور ، بل ويتخذونه ملاذا يفرون إليه من متاعبهم .

ولا يختلف ليل فدوى طوقان عن رؤية العرب لليل وامتداده ، لكنها تربط بين الليل والقلب في قصيدة ( ليل وقلب ) : هو الليل ياقلب فانشر شراعك واعبر خضم الظلام العميق – وجّدف بأوهامك الراعشات في زورق ماله من رفيق .
وتشبه فدوى القلب بالليل معتمدة المقارنة بينهما : وكالليل أنت حويت وجودا من العاطفات كبيرا جسيم – ففيك السماء وفيك الخضم وفيك الجديد وفيك القديم – وتنتظم الكون في خفقة وأنت هنا بجنبي لا تريم .

ما أدق تعبيرها وما أجمله ( تنتظم الكون في خفقة وأنت هنا بجنبي لا تريم ) إنها واعية لأدوات الفن التعبيري ، واعية بتجربتها الخاصة إزاء الليل الذي يستأهل دراسات جديدة تكشف عن طريقة الشعراء والمبدعين في تناولهم ، وترسم لنا صورا رائعة من خيالاتهم الرحبة .

و يتحول الليل عند أبي القاسم الشابي لإنسان يخاطبه ، فهو رمز البؤس و الهول وعذاب الجحيم:
أيها الليل يا أبا البؤس و الأهوال يا هيكل الحياة الرهيب – فيكَ تجثو ‏عرائس الأمل العذب ‏تصلي بصوتها المحبوب .
و يكشف عن أهمية الليل :
أيها الليل انت نغمٌ شجي في شفاه الدهور ‏بين النحيب – تسمع النفس في هدوء الأماني رنة الحق والجمال الخلوب – فتصوغ القلوب منها أغاريدا تهز الحياة هز الخطوب .

و يرسم صورة جديدة للكون حين يرتمي بصدر الليل : يهجع الكون في طمأنينة العصفور طفلاً بصدرك الغريب – و بأحضانك الرحيمة يستيقظ في نضرة الضحوك الطروب .

بل أصبح الليل مرتاداً لأحلام كل قلب :

إن في قلبك الكئيب مرتاداً لأحلام كل قلب كئيب – و بقيثارة السكينة في كفيك تنهل رنة المكروب – فيك تنمو زنابق الحلم العذب وتذوي لدى لهيب الخطوب .

وتمتزج الطبيعة بالمرأة في فكر الرومانتيكيين وشعرهم ، فهذا إيليا يقول : إذا أطل البدر من خدره فإنما يطلع كي تنظريه – وإن شدا البلبل في وكره فإنما يشدو لكي تسمعيه – وإن يفح عطر زهور الربى فإنما يعبق كي تنشقيه .

وتذوق معي هذا التمني الجميل :

ياليتني البدر الذي تنظرين ياليتني البلبل الذي تسمعين – ياليتني العطر الذي تنشقين أواه لو تصدقين ياليتني .

ولعلي بهذه الوقفة القصيرة عن الليل قد كشفت عن بعض خصائصه ، واستثير الباحثين في المضي قدما لاستجلائها ، فأدبنا العربي بشقيه ( الشعر والنثر ) زاخر ، يحتاج جهد المخلص والعاشق فقط.

التعليقات (٥) اضف تعليق

  1. ٥
    Intesar Alaboud

    ذهبت هواجسنا في الليل وكيف يحظن احزاننا في صمت ابدعت دكتور منى كعادتك .،

  2. ٤
    جمانه

    لم ارى اكثر منك اخلاصا وعشقا واهتماما بأدبنا العربي بارك الله فيك يادكتورة ورفع من شأنك

  3. ٣
    زائر

    صور جميلة ملتقطه منك يادكتوره منى للشعراء في وصف كل منهم لليل بتنوعهم 👍🏼
    أهنيك عالأضافه الجميلة

  4. ١
    ابو لتين

    صور جميلة ملتقطه منك يادكتوره منى للشعراء في وصف كل منهم لليل بتنوعهم بالليل 👍🏼
    أهنيك عالأضافه الجميلة

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>