يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا

الزيارات: 3626
تعليقان 2
https://www.hasanews.com/?p=6661966
يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا
علي حسن المسلمي

الهمس عنوان المشهد ، فالهدوء يعم الأرجاء .. والعيون شاخصة .. رغم أن قاعة المحكمة كبيرة وتعج بالحضور ، فالقضية المنظورة محل ترقب وترصد ..

عشرة رجال ناهزوا الأربعين عاما .. في قفص الاتهام لذات التهمة ، قد أوكلوا محاميا حاذقا ماهرا وخبيرا .. وفي الزاوية الأخرى مدعٍ شرس كشر عن أنيابه ، وكأنه جاء إلى المحكمة صباحا وترك قلبه وعواطفه في المنزل ..

المشهد لا يعدو أن يكون تهامس بين المتهمين ومحاميهم وكأنهم يلقمون بعضهم الآخر خططا مبطنة لكسب القضية .. بينما يتصفح المدعي سجله الذي يبدو وكأنه مسودة خربشات من كثرة الهوامش والأسهم والدوائر ..

ولكن ما هذا الحضور المتنوع في كل شي ؟ رجال ، نساء ، عجزة ، تنوع وظائف ، اختلاف في مستوى أناقة الملابس ، ذوي احتياجات خاصة ، رجال دين ، أطفال .. لحظة .. هل يسمحون للأطفال بدخول المحكمة ؟! أمر غريب ..

ثم ما قصة هذه السيدة التي تحدق في كراسي القضاة الثلاثة الخالية ، فهم لم يحضروا بعد ، وعيناها مغروقتان بالدمع !! القضية لم تبدأ بعد !! لكن من الواضح أن الأجواء مليئة بالتوتر والتحفز ولا توجد مشاعر مشتركة .. يبدو أن هناك قسم يتعاطف مع المتهمين .. والقسم الآخر يميل مع المدعي العام..

تقدم المنادي للأمام بعد أن كان متسمرا في جدار المحكمة وصرخ كاسرا هدوء القاعة: محكمة !!

وقف الجميع وكأنهم فرقة عسكرية مدربة لتأدية فروض الاحترام لدخول القضاة الثلاثة ، دخل القضاة الثلاثة متشحين بالأوشحة السوداء وعلى سيماهم أثر السنين الغنية برصيد خبرة التجارب في شتى القضايا ..

جلس القضاة فجلس الجميع .. ( ما هذه التفاصيل المملة عزيزي الكاتب ؟ أستميحكم عذرا أحبتي القراء ولكن الرسالة لن تصل – برأيي – إلا من خلال هذا الإطار )

ضرب القاضي إسماعيل الومضي بمطرقته على طاولة القضاء ليجلب كامل الانتباه من الجميع ثم قال : بسم الله الرحمن الرحيم .. قال تعالى: ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ” أسأل الله لي ولكم السداد لما يحب يرضى.

إننا اليوم أمام القضية المدنية رقم 266 على ج ن 15 ، والتي تتهم عشرة أشخاص وأسرهم بالتعدي على حقوق سكان القرية الريفية : أم الفسايل .. وقد تقدم سكان القرية للنيابة العامة برفع بلاغ للنيابة العامة في تاريخ 19 فبراير من هذه السنة يطالبون برفض عودة هذه الأسر للسكن مجددا في قريتهم بعد هجرهم لها لمدة عشر سنوات.

ممثل الادعاء .. النائب العام .. السيد حافظ السيفي فليتفضل ..

النائب: سيدي القاضي .. حضرات المستشارين .. السادة الحضور .. إن الحياة في الأرياف ، ومنذ القدم في تاريخ البشرية ، كحياة أشجارهم ونخيلهم ، تلتف أغضانها ببعضها فوق السماء ، وتتشابك جذورها تحت الأرض ، إنهم يا سيدي بحق مترابطون كما السلاسل ، حلقةً حلقة ، يجمعهم رباط الدم والنسب والجيرة ، والأخوة والانتماء إلى أرضهم وتربتهم الريفية الزاكية ، حيث منها تكونت أمشاجهم المتشبعة بعناصر القيم والمبادئ والعادات الاجتماعية الرفيعة..

هذا الإرث الاجتماعي العظيم – سيدي القاضي – يضع حمل المسؤولية على أعناق هذا الجيل كي يواصلوا ذات الاتجاه في مسيرتهم ، مما يحفظ لهم مجتمعهم الشامخ بوشائج الدم وأواصر المحبة وعميق العلقة..

القاضي مقاطعا بأدب وهيبة : أراك قد أسهبت أيها النائب !! هلّا شرعت في ادعائك ؟!

النائب: سيدي القاضي ، أمامنا اليوم في هذا القفص عشرة أرباب أسر ، رجالٌ تمادوا في تخليهم عن مسؤولية الجيل للحفاظ على هذا الإرث العظيم ، وتمردوا كثيرا منذ أيام مراهقتهم ، وما إن سنحت لهم الفرصة حتى هربوا من هدوء الريف إلى صخب المدينة ، منبهرين بأضوائها وتفاصيل معيشتها ..

واليوم .. وبعد مرور عشرة أعوام عادوا إلى الريف راغبين بنهم للإقامة في أحضان قريتهم الريفية مجددا ..

وهذا يا سيدي أجج الغضب وأثار حفيظة وانفعال سكان القرية .. هؤلاء ، عن عمد أو من غير عمد ، هم سرطان يتمدد في جسد هذا المجتمع والقرية الصغيرة في مساحتها التي لا تتسع للكثير ، وهؤلاء إن عادوا فسيشغلون مساحات وفرص غيرهم ممن يبذلون قصارى جهودهم في تقديم كل ما يستطيعوا للحفاظ على هوية مجتمعهم الريفي ..

سيدي القاضي .. حضرات المستشارين .. وفق الأدلة والمعطيات ، أطالب عدالتكم بمنع هؤلاء المتمردين من الإقامة مجددا في قرية هؤلاء الريفين الطيبين ، منعا لا رجعة فيه ولا رأفة ..

القاضي: المحامي عن المتهمين .. الدكتور راضي العدلي .. فليتفضل ليقدم دفوعاته ..

المحامي بعد أن يسير نحو المكان المخصص للدفاع حاملا معه مجموعة من الأوراق : السادة القضاة .. إنني أقف بين عدالتكم ، حاملا في يدي أدلتي التي لا تكتفي ببراءة موكليني الكرام ، بل إنها تطالب عدالتكم بالحكم بفرض التعويض المادي والمعنوي لرد الاعتبار .. كما أطالبكم أيضا بتوقيع كبار أهالي القرية على تعهد لعدم التعرض بأي شكل من الأشكال للأشخاص والممتلكات التابعة لموكليني

يقاطعه القاضي بابتسامة صفراء : لم تتغير كثيرا يا راضي !! لا زلت كما أنت .. تتكلم بلغة الواثق الذي يقدم هدايا النجاح قبل خوض الامتحان .. على رسلك .. واشرع في أدلتك ..

المحامي : سيدي القاضي .. إن المتهمين العشرة يمتلكون بيوتهم بحكم وراثتهم الشرعية لآبائهم الذي رحلوا وخلفوا لهم تلك البيوت إرثا شرعيا مصدقا من المحكمة ، وآباؤهم – رحمهم الله – كانوا يقطنون هذه القرية أبا عن جد.. فأي قضية هذه ؟ وأي تهمة يسعى هؤلاء البسطاء الجاهلون بالقوانين بفرضها على أبناء قريتهم ؟ هل هذا هو قانون الغاب ؟ هل يودون أن يخرجوهم من ديارهم ويغتصبوها بحكم وضع اليد ؟

يقاطعه المدعي: كلا يا راضي .. لا تحاول ميل القضية عن مسارها .. أنت تعلم وموكلوك يعلمون .. أن أهل القرية سيشترون منهم بيوتهم بأي مبلغ يرتضيه الدين والعقل ..

المحامي : وهل البيع إلا عقد ؟ وهل العقد إلا إيجاب وقبول ؟!

المدعي: أيها المحامي الحاذق .. لا بد أن تعلم أن هناك قاعدة أشمل من التملك الشخصي اسمها ” لا ضرر ولا ضرار ”

يبتسم المحامي ابتسامة صفراء ثم يسأل : وهل اعتزال الناس وكف الأذى عنهم يضر بأحد ؟

يقف المدعي ويصرخ: أجل .. في مثل هذا النسيج القروي المترابط ، تصرفات وسلوك هؤلاء يضر بهم ، بل وإنه قد يفسد الجيل القادم بأسره !!

المحامي : ما هذه المبالغة يا حافظ ؟ ماذا فعلوا حتى تتحامل عليهم هكذا ؟!

يجول المدعي في الرواق الذي يفصل القضاة عن الحضور : مبالغة !! مبالغة !! لعلك يا راضي قد فوت أمرا في عقيدتك ؟! ألا ترى أن الله يعاقب على التقاعس عن العمل الواجب ، عينا كما يعاقب على القيام بالعمل المحرم

يقاطعه المحامي: ها أنت قلتها ؟ العمل الواجب .. قلي : ما الواجب الذي تقاعسوا عنه ؟

يقاطعه المدعي: قلي أنت ؟ ما الواجب الذي قاموا به ؟

المحامي بعد أن يتلعثم قليلا : يا سيد حافظ .. إن مثل هذه الواجبات عقاب تركها يعود لله ، وعاقبتها تعود عليهم ، وإن سمحت لي ، لا شأن لك أنت ولا للمحكمة ولا لهؤلاء من أبناء القرية أي شأن .. ولا شيء يخولهم ويعطيهم الصلاحية لطرد أصحاب البيوت .. أو حتى ليجبرهم على البيع .. أليس كذلك ؟!

يقترب المدعي من المحامي ويحدق في عينيه : أتعلم يا راضي ؟ في هذه القضية يبدو أننا تبادلنا الأدوار ، فقد أصبحت أنت المدعي وأنا المحامي ، قلي بالله عليك ، ماذا يعرف هؤلاء عن حقوق الجيرة ؟ وماذا يفهم هؤلاء من خطورة ما يفعلوه ؟!!

المحامي : يا حافظ .. من خولك لتسن سنة مبتدعة لم يقدم عليها من هو خير منك في حق من هم شر من هؤلاء ؟! هذا إذا أثبت لنا أنهم أشرار !! غير أنهم لم يقترفوا سوى تقصير تبرره طباعهم وظروفهم وانشغالاتهم ..

يصرخ المدعي : تقصير !! هل ينوي موكلوك للسكن في ملاجئ عسكرية ليس لهم منها نصيب إلا الدخول والخروج ؟! ( تأخذه قدماه إلى حيث القفص حيث المتهمين وفي يديه ملف القضية يتصفحه) عبدالله بن توفيق ، احترق منزل جاره وأطفاله نائمين وعندما شعر بكثافة الدخان سجل موقفه البطولي الخالد حيث قام بتشغيل مروحة الشفط حتى لا تؤذيه رائحة الدخان ، أما إسماعيل ابن حسن فقد اشتكى جاره لأنه في ليلة زفاف ابنته ركن الضيوف سيارتهم بجانب باب منزله وقد كانت سيارة الشرطة هي من أخذت والدها إلى قسم الشرطة في الوقت الذي كان ينبغي أن يأخذه عياله إلى قسم بناته في المنزل ليهنئ ابنته العروس ..

يحاول المحامي المقاطعة فيمنعه المدعي بإشارة اليد: لا تقلق يا راضي ، لن أقرأ ال 142 صفحة في هذا الملف ، لأني على ثقة أن حضرة القاضي سيقرأه كاملا .. لكني يا راضي في غاية الذهول من موكلك المدعو أحمد بن محمود ، لقد عبَّد هذا المدعو طريقا في فرع زراعي يوصله إلى منزله ومنزل جاره ، وفي حين أن جاره لم يكن قادرا على دفع التكاليف منعه من استخدام الطريق بالسيارة وقال له : ليس لك الحق إلا الذهاب إلى منزلك مشيا .. ماذا يفعل هذا الجار بجدته المسنة وبولده المقعد ؟! أي جيرة هذه ؟!

يقاطعه المحامي : يا حافظ .. نحن في محكمة .. لا ترمي التهم تباعا .. دع المتهمين يدافعوا عن أنفسهم ..

يقترب المدعي كثيرا للمحامي : سنسمع بعض الشهود ، ثم ادلو بدلوك ..

يلتفت القاضي للمنادي ويطلب منه دعوة : ناد على الشهود

يحضر أربعة من الشهود ويطلب منهم القاضي أن يقسموا على قول الحق

فيتقدم الشاهد الأول فيطلب منه القاضي أن يعرف بنفسه ويدلي بشهادته ..

الشاهد الأول: أنا أيوب بن طاهر .. أنا من المقرئين .. نحن في قريتنا يا سيدي ، عندما يموت لدينا أحد وننصب له العزاء ، نجعل قسطا من المجلس لقراءة القرآن مرة أو مرتين في أيام العزاء ، وإني المقرئ الوحيد في القرية وإمام مسجدها وأشهد الله أني لم أرى واحدا من هؤلاء المتهمين ولو لمرة في عزاء أحد من القرية ، حتى أقاربهم المقربين ، ناهيك عن أنهم – هداهم الله – لا يأتون للصلاة جماعة أبدا .. هذا شأنهم في فروض الله، ولكن مواساة الناس في أتراحهم هو حق للناس.

القاضي: ولكن يا أيوب .. وقت العزاء ليس كله في الساعة التي تقرأ فيها القرآن ، أليس كذلك ؟

الشاهد الأول : أجل .. ولكني لا أبرح المكان ، فأنا قد نذرت وقتي لهذا الشأن .. أكون مع أهل الفقيد منذ اللحظة الأولى في المقبرة إلى اللحظة الأخيرة في ساعات العزاء ..

القاضي : اجلس يا أيوب .. إني مصدقك .. وليتقدم الشاهد الثاني ..

يتقدم الشاهد الثاني كسابقه إلا أنه أقل جرأة في مشيه ..

الشاهد الثاني : أنا عمار بن علوان ، أنا يا سيدي مأذون القرية منذ ثلاثين عاما ، في الحقيقة أن كتاب الأنكحة وصكوكها ليس في سطورها سوى شاهدين اثنين .. إلا أني دأبت على تصفح وجوه الحضور في كل عقد قرانٍ أكتبه حتى يطمئن قلبي ، فلعل ذاكرتي تسعفني إن غيب الموت أحد الشاهدين واحتاج الأمر من قريب أو من بعيد لشاهد آخر .. وإني والله لم أشهد يوما حضور أحد هؤلاء العشرة في أي مناسبة حضرت إلا وليد ابن منصور فقد رأيته في عقد قران أخته الكبرى بين الحضور ..

يلتفت القاضي لمستشاريه .. ثم يقول : يا عمار .. هل تعارفتم في قريتكم على إجراء حفل الزفاف في ذات ليلة القران ؟

الشاهد الثاني: أجل يا سيدي .. ما عدا زيجات قبيلة المناحلة .. فإنهم لا يقيمون زفافهم إلا في ليالي العيد ..

القاضي: حسنا .. اجلس يا عمار وليتقدم الشاهد الثالث ..

يتقدم المدعي نحو القاضي ويهمس في أذنيه ..

القاضي: لا بأس .. أخبرني المدعي أن الشاهد الثالث هي سيدة من أهالي القرية .. فلتتقدم نحو منصة الشهادة ..

تتقدم سيدة خمسينية نحو المنصة في وقار وحشمة ..

الشاهدة: السلام عليكم .. أنا كريمة العبادلة .. أنا يا سيدي القاضي .. أصبحت أرملة بعد العام الثالث من زواجي وفي حضني طفلان ، ولما أن قررت أن أسخر بقية حياتي في تربية فراخي ، دون الارتباط بزوج جديد ، ما صار عندي سوى خدمة نساء قريتي ليسليني ويصبرني على وحدة الحياة .. ومنذ ذلك اليوم ، أي قبل ثلاثين سنة ، وكل بيت من

بيوت القرية هي بيتي .. أحضر ولاداتهن وأعول مريضاتهن وأحيي مناسباتهن .. فلا تكاد تفوتني أي مناسبة خاصة كانت أو عامة .. بل وإني مستشارة لهن في مشاكلهن ، ومصلحة ذات البين ..

القاضي : حسنا يا كريمة .. هل كنتِ تسافرين عن القرية ؟

الشاهدة : أبدا يا سيدي .. لم أسافر إلا للحج قبل عامين .. وقد عزمت أكثر من نصف سيدات القرية للسفر للحج بسببي ، لله الحمد يا سيدي القاضي .. فأهل القرية يحبوني كثيرا ويحفوني بالمودة والاحترام ، رجالا ونساء ..

القاضي : ما نقدكِ إذن على هؤلاء العشرة الذين هم في قفص الاتهام يا كريمة ؟

أنزلت رأسها ثم تنهدت وقالت : لا أعلم يا سيدي ما خطب هؤلاء معنا ؟! لقد حاولت كثيرا أن أتودد وأتقرب إلى سيدات هؤلاء الرجال .. لكنني لم أفلح .. بل تلقيت منهم ما يجرح المشاعر ويشق على القلوب .. فمرة طردنني .. ومرة تعذرن برجالهن ومرة تعذرن بانشغالهن .. ومع ذلك لم أفقد الأمل .. وكنت من جهة أخرى .. أحاول دعوتهن مرارا وتكرارا لحضور مناسبات سيدات القرية اللاتي لم يرغبن بحضورهن إكراما لي .. ولكني كنت أتوسل إليهن ليتحملنهن إكراما لي ، ولكن .. تلك السيدات لم يرغبن بالحضور لأحد أو حضورهن لأحد ..

القاضي: وهل حاول غيرك لذلك ؟

الشاهدة : أجل يا سيدي .. عدد من نساء القرية .. ولا سيما جارتي العزيزة أم يونس فقد كانت تشاطرني ذات الهم

القاضي: حسنا يا كريمة .. عودي لمقعدك .. ( يلتفت القاضي للمدعي ) : حافظ .. هل تبقى لديك أي من الشهود ؟

المدعي : أجل يا سيدي .. تبقى شاهد واحد

القاضي: حسنا .. فليتقدم إلي ..

الشاهد الرابع يتقدم لمنصة الشهادة: أنا سليم بن خليفة ..

يقاطعه المحامي : سليم بن خليفة ؟!! ما هذا يا حافظ ؟! لما أحضرت ضابط قسم الشرطة ليكون شاهدا ؟! ما شأنه ؟ هو ليس من القرية أساسا ؟

يطرق القاضي بمطرقته وينهر المحامي: لم آذن لك بالحديث يا راضي .. أنا من يقرر السماح من عدمه للشهود لا أنت .. اجلس مكانك .. ( يلتفت للشاهد ) تفضل يا سليم .. قل ما عندك ..

الشاهد الرابع: إن ما تفوه به المحامي هو الحقيقة .. أنا لا أمت بصلة للقرية .. غير أني شخص مسؤول عن كل القضايا المتعلقة بالقرية والتي تحال إلى قسم الشرطة الذي أعمل به .. أنا أعمل في هذا القسم منذ حوالي العشرين عاما .. وقد جئت اليوم أمام حضرتكم لأشهد بما يمليه علي ضميري .. إن هؤلاء العشرة وعبر قضايا متعددة لم ينقذهم فيها إلا إحدى اثنتين : إما وساطة أبناء القرية والتدخل المباشر أو الغير مباشر .. والثانية هي ادعاؤهم بالانتماء لهذه القرية الذي سهلت وحلت لهم الكثير من الأمور ، هذا الادعاء يا سيدي حسب اعتقادي ليس لهم منه نصيب سوى أوراق ملكية بيوتهم في تلك القرية .. وهذا الملف يا سيدي فيه جميع القضايا التي تحدثت عنها ( يتقدم الشاهد ويقدم الملف للقاضي الذي يعيد لبس نظارته ليتصفح الملف بين يديه ثم يلتفت للشاهد الذي عاد لمنصة الشهود )

القاضي : حسنا يا سليم .. هل لديك ما تضيفه ؟

الشاهد الرابع: كلا يا سيدي ..

القاضي وهو يشير بيده: بإمكانك الجلوس .. ( يلتفت للمدعي ) ماذا عنك يا حافظ .. هل لديك ما تضيفه ؟

المدعي : أجل يا سيدي .. أود من عدالتكم وبعد الاطلاع التام على أوراق القضية والاستماع لشهادة الشهود .. أن تأخذوا بعين الاعتبار أن هناك المزيد والمزيد مما يدين هؤلاء .. وإني حاولت أن أصطفي أكثر الأمور أثرا في أبعاد القضية .. وآمل أني وفقت لنصرة قضية أبناء القرية الطيبين ..

القاضي : حسنا .. لنستمع وللمرة الأخيرة لمحامي الدفاع قبل الإدلاء بالحكم ..

المحامي : سيدي القاضي .. آمل من عدالتكم .. أن ترجحوا نظر القانون في هذه القضية وألا تأخذكم كومة العواطف التي جمعها صديقي المدعي العام لتأليب رأيكم اتجاه القضية..

يقاطعه القاضي: اسمع يا راضي .. لست أنت من يملي على قضاة المحكمة سير عملهم وطريقة اتخاذهم للحكم .. دعك في شأنك وانطق بما يصب في صالح دفاعك عن موكليك ..

المحامي: على رسلك يا سيدي .. انظر إلى وجوه المتهمين الأبرياء ، كيف صنع التوتر بهم ؟! إن ساحة المحكمة قد غلب عليها جو التأليب والتحريض .. وأحببت أن أسمع منكم ما يطمئنهم بعدالة الحكم ..

معاون القاضي ( أحد المستشارين ) : راضي .. ألديك ما تقوله بما يخص القضية ؟

المحامي: أجل .. أود من عدالتكم بعد النطق بالحكم ، أن تتعهدوا لسلامة هؤلاء الأبرياء وأن تحفظوهم من أن يتعرض إليهم أحد هؤلاء الريفيين.

معاون القاضي الآخر : أراك قد تعجلت الأمر يا راضي وكأنك تعلم الغيب بحكم المحكمة

المحامي : أنا يا سيدي تشربت القانون في خلايا دمي ولا أجد أي فرصة لهؤلاء البسطاء لكسب القضية

القاضي : حسنا يا راضي .. إذا كان الحكم في صالح موكليك .. أنا أتعهد لك بذلك .. ألديك ما تضيفه ؟

المحامي : كلا يا سيدي ..

يغلق القاضي الملف الذي بين يديه ويطرق بمطرقته : ترفع الجلسة لحين النطق بالحكم ( ثم ينهض هو ومعاونيه متزامنا مع صرخة المنادي الذي يقول ” محكمة” فينهض جميع من في القاعة .. ثم يخرج القضاة من الباب الجانبي الصغير )

يسود المحكمة هدوء غريب .. بعض من أهالي القرية اتجهوا نحو المدعي وتحلقوا حوله وكأنهم يبحثون عن ما يطمئنهم حول كسب القضية ، في الجانب الآخر .. وجه المحامي أخذ يحمر ويصفر من الأسئلة والتعليقات الحمقاء من المتهمين الذين أخذوا يسألونه عن حقيقة انتماء بعض الموجودين للقرية .. وفي تعليق آخر وللمرة الأولى تطرق أسماعهم أسماء بعض العوائل ممن سمعوا بهم في قاعة المحكمة ، هل هم حقا من عوائل قريتهم ؟ .. هذا التخوف والتوتر والتساؤلات جعلت من المحامي في حالة خجل كبير من نفسه ، فقد تأكد له تماما حمق اختياره وأي خندق وضع نفسه فيه حتى وإن كسب القضية .. في جانب الحضور يتصاعد الهمس إلى أحاديث مناجاة ثم إلى أحاديث جانبية حتى تحولت القاعة إلى مدرج لمشجعي كرة القدم .. لعل هذه العفوية والبساطة من طباع الريفيين حقا !!

مضى حوالي الساعة ليعود القضاة لقاعة المحكمة .. صرخة المنادي مجددا ” محكمة ”

الصرخة أخرست الجميع وأوقفتهم على أقدامهم ..

جلس القضاة فجلس الجميع باستثناء المتهمين والمحامي والمدعي العام والمنادي الذي لا يجلس أبدا ..

حالة من الصمت والترقب الذي يصاحبه التوجس والخوف والاضطراب …

شخصت الأبصار للقاضي الذي سينطق بمصير القضية ..

تنفس القاضي بعمق .. فتح سجله .. وبعد أن نظر نظرات خاطفة اتجاه مستشاريه .. عض على شفتيه ، وشبك يديه ، ثم قال : إن لي خمسة عشر عاما في القضاء ، وهذه القضية الغريبة شكلا وموضوعا ، قد أشبعتني ذهولا واستغرابا ، فأنا حتى لم أسمع بمثلها من قبل .. فضلا عن الفصل فيها ..

( لحظات صمت أخرى ثم )

كم أتوق لتجديد الدساتير والقوانين بعد هذا اليوم ..

إن الدستور الذي بين يدي يجعلني مرغما على النطق بالحكم التالي:

حكمت المحكمة حضوريا في القضية المنظورة رقم 266 على ج ن 15 بأحقية المتهمين العشرة لممتلكاتهم العقارية وتتعهد المحكمة بإلزام عمدة القرية بتوقيع تعهد لحفظ ممتلكات وأمن وسلامة هؤلاء المتهمين العشرة المدونة أسماءهم في سجلات القضية .. ( حالة من المشاعر المتناقضة في أرجاء المحكمة ..فعند القفص حالة من نشوة الفرح والانتصار .. وعند الرواق الآخر حالة من الإحباط والهزيمة )

قاطع هذه المشاعر القاضي بكلمة حين قال : ولكن ..

( حالة أخرى من الصمت والتأهب )

يقف القاضي ويقف الجميع بحالة من التناسق والتوالي ..

يمشي القاضي نحو منتصف القاعة ، وأرضية القاعة الخشبية جعلت من خطوات القاضي أشبه بسمفونية الختام لهذا العرض القضائي ..

أين يتجه القاضي ؟

إنه يتجه نحو طفل بريء في سن السادسة .. كانا يحدقان ببعضهما منذ اللحظة الأولى من قيام القاضي من مقعده وكأن حبلا بين عينيهما يجر القاضي نحو ذلك الطفل الذي شد الجميع ببريق عينيه كلما اقترب إليه القاضي الذي كان يجر خطواته بوقار وسكينة .. عندما وصل إليه ، مد القاضي يده ليمسح على شعيراته المتسلسلة ويبتسم ابتسامة أمل ، ثم يلتفت هناك إلى الزاوية البعيدة حيث قفص المتهمين ليقول : لو كان الأمر بيدي لقلت لكم : يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ..

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    زائر

    مقال رائع يحكي عن تلك العينه التى لايهمها سوى نفسها وليس لها اي دور في مجتمعها وهم اشبه بالعاله عليهم فأفكارهم ونمط معيشتهم تتضارب مع عادات وتقليد قريتهم

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>