موروث قبلي …

الزيارات: 1362
تعليقات 7
https://www.hasanews.com/?p=6660773
موروث قبلي …
د. نافل بن غازي النفيعي

أثار عرض مسلسل”رشاش” والذي ينتمي إلى إحدى القبائل العربية الكبيرة جدالًا واسعًا بين عددًا كبيرًا من الكتاب والمثقفين ورواد وسائل التواصل الاجتماعي مابين مؤيدًا لعرضه، ومابين معارضًا لعرض المسلسل حفاظًا على مشاعر اسرته وأبناء قبيلته، وخشيةً من أن يؤدي ذلك إلى مزيدًا من الضغائن والأحقاد التي قد يخلفها بين أفراد المجتمع والتي قد تتسبب في زعزعة اللحمة الوطنية فمن حكم العرب: الفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله.. والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها.

فالقبيلة هي جماعة من الناس تنتمي في الغالب إلى نسب واحد يرجع إلى جد أعلى أو اسم حلف قبلي يعدّ بمثابة جد، وتتكون من عدة بطون وعشائر. غالبًا ما يسكن أفراد القبيلة إقليما مشتركًا يعدونه وطنًا لهم، ويتحدثون لهجة مميزة، ولهم ثقافة متجانسة أو تضامن مشترك (أي عصبية) ضد العناصر الخارجية على الأقل.

ففي مقال الكاتب العراقي علي القاسمي بعنوان.. مفهوم السرقة في العقل العربي يقول: في أواخر عام 2002 أصدر الأديب العراقي فيصل عبد الحسن مجموعته القصصية ” أعمامي اللصوص” وتفضّل بإهداء نسخة منها إليَّ، قرأتها، فجذب انتباهي أنه يتحدَّث عن أعمامه السبعة الذين على الرغم من عملهم اليومي المعتاد، فقد كانوا يقومون كل ليلة بغزوتهم على المعدان، لنهب ماشيتهم أو سرقة ما خف حمله وغلا ثمنه من بيوتهم. إضافة إلى ذلك فالمجموعة القصصية تحفل بأنواع متنوعة من السرقة بأسلوب تهكمي ساخر يبعث على الضحك.
والسرقة لا تقتصر على أمَّة من الأمم أو شعب من الشعوب، بل هي ظاهرة إنسانية، فهي كالموت عامٌّ خاصٌّ عام من حيث وجودها لدى جميع الأمم، وخاص لأن كل أمَّة تسرق بطريقتها الخاصة.

يشير مصطلح ” أيام العرب” إلى المعارك والوقائع التي كانت تحصل باستمرار بين القبائل العربية قبل الإسلام. والسبب الرئيس لهذه المعارك هو غزو بعض العشائر لبعضها الآخر بقصد النهب والسلب.

فقد كانت كثير من القبائل العربية تعيش على النهب والسلب وقطع الطرق ولم يكن هذا الغزو مقتصرًا على عصر من العصور بل عمَّ جميع العصور من الجاهلية حتى العصر الحديث.

ويخبرنا تاريخ العرب قبل الإسلام أن العِير (أي القوافل التجارية والميرة) كانت تُبِذْرَق (أي تُحرَس وتُخفَر) من منطقة إلى أخرى طبقاً للقبائل التي تعيش في كلِّ منطقة، وإلا فهي معرَّضة لقطاع الطرق والسلب والنهب من قِبل تلك القبائل.

ويخبرنا أيضًا توماس أدورد لورنس (1888 ـ 1935) في كتابه ” أعمدة الحكمة السبعة ” الذي يتحدَّث فيه عن حياته وعمله جاسوسًا بريطاني شارك في خديعة العرب وحملهم على مناصرة بريطانيا في الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) ضد الدولة العثمانية، يخبرنا أنه كان يدفع مالًا أو صكوكًا لا رصيد لها للقبائل التي يمر بالقرب من مضاربها لمنعها من مهاجمة قوافله ونهبها، ولكي تقوم بدلًا من ذلك، بحراستها في تلك المنطقة.

ولقد عُرف في التاريخ الإسلامي ظاهرة الصعاليك ولهؤلاء الصعاليك أمثال..الشنفرى (قُتل سنة 70 ق.هـ.)، وعروة بن الورد (ت 15 ق. هـ.)، وتأبط شرًا (قُتل حوالي 530 م) والسليك بن السلكة، أشعار يفتخرون بها ذاكرين قوتهم وسطوتهم، وبعضهم يفتخر بمساعدته الضعفاء، كما فعل الشنفرى في قصيدته المسماة بلامية العرب التي تقارن بلامية العجم للطغرائي (ت 513 هـ) لأنهما يمثّلان قيمًا وأخلاقًا مختلفة.
وقد تصعلك بعضهم احتجاجًا على الظلم وانتفاء العدالة الاجتماعية وعدم تساوي الفرص أمام الأفراد، والشعور بذلك يؤدي إلى بغض المجتمع والنقمة عليه.

وقد ورد في شعر الأحيمر السعدي ( ت 170 هـ/ 787م) ومما يدل على ذلك:

عوى الذئب فاستأنست بالذئبِ إذ عوى.. وصوّتَ إنسان فكدتُ أطيرُ
يـــــــرى الله أني للأنيـــسِ لكــــارهٌ.. وتبغضهم لي مقلةٌ وضميرُ

وأنــــي لأستحـــيي من الله أن أُرى.. أجرِّر حبلاً ليس فيه بــعيرُ

وأنْ أســـألَ المرءَ اللئيمَ بـــعيرهُ.. وبعرانُ ربّي في البلادِ كثيرُ.

وإذا كان دافعهم إلى قطع الطرق هو الفقر والجوع أو الانتقام من المجتمع الذي لم ينصفهم، فإن ذلك قد يخفِّف من الحكم عليهم، ولكن لا يغير من حقيقة كونهم مجرمين يعتدون على أناس أبرياء، ويستحوذون على أموالهم بالقوة دون وجه حق.. علي القاسمي.

ومن هنا يتضح ان تلك الجرائم التي كانت تقع في الجاهلية وصدر الإسلام وحتى عصرنا هذا لم تكن تقتصر على فئة دون غيرها، بل من الغباء والحُمق نسبها إلى جماعة معينة.

ولفت نظري عند مشاهدة إحدى حلقات مسلسل”رشاش” هو قيامه بصفع إحدى النساء وبكل شراسة وهي مسكينةً مغلوبةً على أمرها.. فلم تكن تلك السمه من شيم العرب؛ حتى قطاع الطرق منهم كالصعاليك مثلًا، والتي تُعد منقصةً وعارًا على من يُقدم عليها. فهل الهدف هو جعل الأنسان العربي، وبالأخص قبائل السعودية وأهلها بلا مروءةً وقيم وهم يعتدون على النساء بصورة وحشية وتشويه صورة المجتمع السعودي كما ظهر في المسلسل؟.

وأشير هنا إلى قصة شهيرة حدثت في العهد الأموي على الشاعر”الكميت” وهو من قبيلة بني أسد المعروفه، والذي شايع اهل آل بيت وناصب بني أمية العداء وأخذ يهجو بني أمية في اشعاره.. حتى القي القبض عليه في عهد الوالي خالد بن عبدالله القسري أحد ولاة بني أمية ايام الخليفة هشام بن عبدالملك. فذهبت زوجة الكميت الى ابان ابن الوليد، وكان إحدى ولاة بني امية على إحدى مدن خراسان.. وكان غاية في الحيلة والدهاء ومن أشراف قبيلة بجيله في العراق، وطلبت منه مساعدتها في اخراج زوجها من سجن الأمير خالد القسري.. فأخبرها بأنها هي من تستطيع إخراجه، فقالت له كيف وأنا أمرأة ضعيفة، فقال لها اطلبي زيارته، وإذا دخلتي عليه دعيه يلبس ثيابك ويخرج بها.. فقريبًا من السجن في الموضع الذي حدده لها كي تخبره راحلةً مجهزه لن يستطيع أحدًا اللحاق بها.. فإذا اكتُشف أمرك؛ فإن الأمير خالد القسري لن يؤذيك.. كونها ستكون مسبه وعارًا عليه عند العرب وعندما دخل رئيس الجند ليرى الكميت، وجد بدلًا منه امرأة.. فأخبر الأمير خالد بذلك؛ فكره ان يُقدم عليها مخافة العار عند العرب، وأمر بتجهيزها مع عدد من النساء والجند واعادها إلى قومها.

وبقي العرب على تلك الحال في الجزيرة العربية وغيرها من بلاد العرب بقطع الطريق والنهب.. إلى ان قيض الله للجزيرة العربية المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود رحمه الله، والذي استطاع بدهائه وحسن سياسته وقوته أن يقضي على تلك العادة السيئة والتي يُحرمها الإسلام، وذلك من خلال تطبيق الحدود الشرعية بحق مرتكبيها، وبذل العطايا عن طريق مايُسمى” بالمناخ”، وهو عبارة عن هبةً سنوية لكل رب عائلة تُغنية عن السرقة والسلب.. وهي فكرة تنم عن عبقرية المؤسس يرحمه الله، وكلنا يعلم ان المال هو فتنة امة محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن النساء فتنة بني إسرائيل.

وبذلك شهدت المملكة العربية السعودية في عهد المؤسس ومن خلفه من أبناءه البررة أمن البلاد والعباد والحجيج.. بشكلٍ لم يسبق له مثيل من قبل حينما كان الخوف منتشرًا في الجزيرة العربية.

حفظ الله لنا ولاة أمرنا وبلادنا الغالية.

 

د. نافل بن غازي النفيعي
-خبير استراتيجي ومختص في العلاقات التاريخية بين الدول-

التعليقات (٧) اضف تعليق

  1. ٧
    زائر

    الله يعطيك العافية دكتور نافل مقال رائع جدا

  2. ٦
    زائر

    مقاله مفيد جدا بارك الله فيك دكتور نافل

    • ٥
      زائر

      ربي يبارك فيك عزيزي

  3. ٤
    زائر

    كلام جميل وروعه ودقه في المعنى والمقصد والثقافه ماقصرت يادكتور نافل يعطيك العافيه ومنك نستفيد
    تقبل مروري اخوك
    طلال بن عبدالله العتيبي

    • ٣
      زائر

      سلمت يداك يا دكتور وأتمنى لكم التوفيق والسداد دوماً
      وكل عام وانتم بخير وصحة وسلامة

  4. ٢
    زائر

    يعطيك العافية دكتور نافل ما قصرت كتابات جيده

  5. ١
    ناقد صريح

    ياوجه الله ينتمي لاحد القبائل العربية الكبيره وكأنك ماتعرفه رشاش سيف مبارك الشيباني العتيبي ينتمي لنفس القبيلة الي تنتمي لها انت قبيلتك عتيبة العزيزه على قلوبنا والي يتبراء من اصله مافيه خير وناخوك ورشاش راح لربه الله يرحمه هو وحده من يحاسبه على افعاله ويجب نسيانه ومحاسبة من نشر مسلسل بأسمه ومن يكتب عنه محاولا تمجيد افعاله اوتبريرها اومناقشة موضوعه تقبل تحياتي ياخبير

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>