إيفر جيفن الجَانِحةُ في وريد الدورة الدموية

الزيارات: 1374
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6652158
إيفر جيفن الجَانِحةُ في وريد الدورة الدموية
بكر العبدالمحسن

من أبرز الذين تولوا رئاسة الحكومة البريطانية من وزراء الخارجية أنطوني إيدن ،والذي عبر عن أهمية قناة السويس في خطاباته بقوله “القناة هي وريد الدورة الدموية للبترول في العالم” إبان أزمة تأميم قناة السويس عام 1956 ،وها هي السفينة إيفر جيفن الجانحة في قناة السويس منذ بضعة أيام تعود بالذاكرة عودا على بدء حول أهمية القناة والأزمة التي شغلت العالم وأرهقت اقتصاده وعطلت إمدادات البضائع والنفط لعدة أيام وأعادت إلى الواجهة أهميتها من جديد كأبرز ممر مائي في العالم.

لقد لفت انتباهي في موضوع أزمة السفينة إيفر جيفن هو وصفها بالجَانِحة ،وهو وصف دقيق للغاية وأن هذا الجُنوح تقف وراءه أسباب مجهولة إلى الآن ،ولجان التحقيق المشتركة بين مالكي شركة الشحن اليابانية وهيئة قناة السويس في عمل دؤوب لمعرفة الأسباب الحقيقة وراء هذا الجنوح بعد إعادة تعويمها وفتح القناة للعبور بعد تكدس السفن من جراء الانتظار.

فالجميع يُلاحظ في نفسه أو في غيره جُنوحا في موضوعات متعددة وقد يكون هذا الجُنوح سلبا أو إيجابا ،ولكن المُلفت للانتباه أننا نستطيع وصف مُخرجات سُلوك الجَانح ولكننا أبعد ما نكون عن تحديد الأسباب والدوافع الماورائية التي أدت إلى هذا الجُنوح ،وأثرت في صاحبه وقادته إلى هذه النتيجة التي وصل إليها ،كالجريمة والطلاق والخداع والفشل أو في الكفة الأخرة النجاح والسلام والعطاء والتفوق ،ففي كلا الطرفين ميل إلى اتجاه وكل اتجاه أدى إلى نتيجة وكل نتيجة جاءت من وراء مسببات دفعت صاحبها نحو هذا الجُنوح.

فالجَانحُ في طريق الخطأ يعمد على تبرير فرض الظروف عليه قصرا وعدم قدرته على التعامل معها وإدارتها ،وأن النتائج التي وصل إليها خارجة عن إرادته والعوامل الخارجية أقوى من قدرته على التحكم فيها ،والجَانح في طريق السلام يميل إلى استغلال الفرص وتحدي الظروف ومقاومتها وعدم الاستسلام لها ،والنتائج النهائية في الكفتين هي حصيلة أسباب تدفع الجَانح إلى اختيار أي اتجاه.

فكل فرد أو مجتمع يُمثل في حقيقته سفينة شحن عملاقة تحمل على متنها آلاف الأطنان من الأفكار والعادات والتقاليد والمعتقدات والثقافة التي تم تخزينها في الغالب بلا وعي أو إدراك ،وقد تكون زائدة وعبء على مَنْ يحملها ولا يُدرك تأثير تفاعلاتها في مواجهة تحديات الحياة أمام نفسه والآخرين ،وحين تَجْنح هذه السفينة في أي موقف أو مشكلة فإنها غير قادرة على مُعالجة جُنوحها بشكل ذاتي نتيجة زيادة حمولتها وصعوبة حركتها والخوف من اختلال توازنها ،والخيارات في مُعالجة تصحيح حركتها من جديد صعبة للغالية ،فإما أن تُفرغ محتوياتها التي خزنتها عبر زمن طويل وتستبعد منها الغث والسمين ،أو تلجأ إلى المساعدة الخارجية من الآخرين في تحريكها وتحافظ على مخزونها وأيدولوجيتها  وتماسك محتوياتها ؛حتى لو تعطلت في الجُنُوح عدة سنين وتجاوزتها السفن الأخرة بمسافة طويلة ووصلت إلى وجهتها وفرغت حمولتها وأعادت تموضعها من جديد ،فسفينة الشحن إيفر جيفن هي انعكاس صورتنا على سطح ماء إعادة تموضعنا.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>