هل وَسْوَسْتَ ؟ قال: بل عَقَلْتُ!

الزيارات: 1291
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6651764
هل وَسْوَسْتَ ؟ قال: بل عَقَلْتُ!
بكر العبدالمحسن

كان يجلس بالقرب مني رجل تبدو على ملامحه الهيبة والوقار في العقد السادس من العمر أثناء الانتظار لأخذ الجرعة الثانية من لقاح كورونا ،وحينها حضر شخص من معارفه وبشكل مفاجئ مد يده ليصافحه فوقف احتراما له وصافح ذلك المتطفل على كراهية وامتعاض ،وعاتبه على التهاون في الالتزام بالاحترازات والإجراءات ،ومباشرة أخذ الرجل يده للمعقم وتناول منه عدة قطرات وعقم يديه من تلك المصافحة الغير مرغوبة فيها ،فبادره الآخر بكل استغراب بقوله هل وَسْوَسْتَ؟ وبسرعة البديهة التي تبدو لدى الرجل أجابه بكلمة واحدة بل عَقَلْتُ !

خرجتُ من المركز مذهولا وأنا طوال طريق العودة أفكر في ذلك المشهد البسيط في دلالاته والعميق في مضامينه في الفرق بين مصطلحي الْوَسْوَسَة والْعَقلَنَة بمعناهما الشعبي والاجتماعي وليس العلمي والطبي ! ولماذا يتم توظيفهما بشكل خاطئ في المواقف؟ وهل أنظمة الدفاعات النفسية للفرد تميل أكثر إلى استخدام سلاح الوسوسة أكثر من العقلنة؟ ولماذا منظومة نفي الْوَسْوَسَةِ تعطينا راحة وطمأنينة أكثر من الْعَقلَنَة في تفسير الأحداث؟ وهل القيم التربوية مجتمعيا قائمة على نفي الْوَسْوَسَةِ باستبعاد قيم الْعَقلَنَة في التفكير؟ وأيهما أكثر عيبا في الوصف أن يُطلق على الفرد صاحب وِسواس أو عقل؟ ولماذا نشعر بأن الوسواس قد أصابنا عندما نبحث عن الخيار والقرار الأفضل؟

إن العامل المشترك بين الْوَسْوَسَة والْعَقلَنَة هو في درجة التفكير والتساؤل والإلحاح في أي موضوع أو سلوك ما ،والفرق بينهما يكمن في الزيادة أو النقصان وغياب التوازن الطبيعي ،والمثير للانتباه أن هناك ردة فعل شعبية واجتماعية خلطت الوصف في درجة التفكير والتساؤل بين أن نأخذ بالأسباب التي وصل إليها العقل والتفكير ،وبين قِيم العادات والتقاليد التي تتعارض مع العلم والتفكير ،وأصبح الاستصحاب لمرض الوسواس هو الحل بوصف كل من يُفكر في موضوع مَا أنه أصابه الوسواس ؛لكي نضغط عليه بالتخلص من آفته لانتزاع المطلوب منه والمسايرة وتوجيهه حول ما نريد.

لقد بات الحكمُ بالْوَسْوَسَةِ على الآخر أو أنفسنا مَسَبَةً كبيرةً وعاراً لا يُمكن غسله ،وأن حذرنا الشديد من الوقوع فيه هو الذي أبعدنا عن التفكير في عواقب الأمور والنظر إليها من جميع الزوايا ،وأن أصحابَ هذا المنهج والمشككين في الآخر وِسْوَاسِيا أرادوا للآخر الانسحاب والاستسلام من استخدام أدوات الْعَقلَنَة والانصياع لسلوك الأهواء ،فمتى ما أردتَ إعمال التفكير في قرار تُريد أخذه وطلبتَ المزيد من الوقت والجهد والمعلومات حوله فأعلم أن الآخر لك بالمرصاد ؛لوصفك بالْوَسْوَسَةِ كأسلوب انتهاز ،وأن الفرصة سوف تضيع من يدك والآخرين لن ينتظروك كثيرا وأن الشيطان يمكن في التفاصيل.

ومع شديد الأسف فإن أغلبنا يضعف للآخر أمام مُصطلح نفي الْوَسْوَسَةِ عنه مُقابل حاجته للْعَقلَنَة ولا ينتبه للنتائج التي سوف يجنيها إلا بعد فوات الأوان ،وسوف يعود له ذلك الآخر المتطفل في صورة أخرى لائما له على تركه الْعَقلَنَة مُقابل نفي الْوَسْوَسَة التي أهملها وسوف ينطبق عليه (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)22الانفال.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>