المعيارية في التصويت للمشاركات الشعرية

الزيارات: 747
تعليقات 6
https://www.hasanews.com/?p=6651206
المعيارية في التصويت للمشاركات الشعرية
بكر العبدالمحسن

ظاهرة طلب الدعم والمؤازرة في التصويت للمشاركين في البرامج الشعرية والفنية تزداد يوما بعد آخر بعد أن كانت هذه الأداة حِكرا على الانتخابات السياسية وسلاحا قويا في فوز المُترشحين لمناصبها ،واليوم أصبح التصويت من أهم أدوات الفرز في المسابقات الشعرية والمتسابق فيها لا يعول فقط على نفاذ قريحته وبديع سحره في قلوب المصوتين بل بمقدار استنهاض عاطفتهم ومناصرتهم ضد منافسيه على مسرح العرض والتقديم.

والراعي والمنفذ لمثل هذه البرامج يُدرك أن اشعال لهيب الحماس لدى الجمهور لا يتأتى إلا بتحريك أصوات الجماهير الراكدة ،والتي تدر أرباحا مالية من خلال استغلال عاطفتهم كوقود في دعم ومناصرة الانتماء للمشارك ،وتحريك قاعدتهم الشعبية نحو قيم الفوز وتجريدهم من النزاهة أمام المتنافسين حتى في الاستمتاع بسحر الكلمات والألوان والإيقاعات ،ولو قمنا بنظرة سريعة حول الفائزين وحصولهم على الألقاب لوجدنا أن الشاعر أو الفنان كما السياسي تقف وراءه مجموعة من الداعمين والمناصرين ،والذين سوف يحركون الوسط الشعبي نحو دعم المرشح للفوز ؛فإن كان الحِراك يستدعي الطائفية أبرزوها وإن استدعى الوطنية وظفوها وإن احتاجوا للقبيلة شيموها ضد الآخر.

لقد سَلَبَ المنتفعون من هذه البرامج حقنا في حُسن الاختيار حتى في نظرتنا للجمال وسحر البيان وتدخلوا في توجيهنا نحو ما يرغبون حتى في الفنون ،وإن نحن لم نستجب لهم نعتونا بالخذلان والتجرد من الإحساس والتخلي عن الدعم في أحلك الأوقات ،واعتبروا أن عدم الفوز يقف وراءها مجتمع لا يناصر ابن جماعته وطائفته ومنطقته ووطنه ،والقضية ليس لها مما صوروه أي منطق أو صواب ؛فأصحاب هذا التصور والفكر هم يكشفون عن حقيقة تأزمهم ومرضهم وانغلاقهم وعصبيتهم التي يغلفونها في كل قضية ،وأن فوز شاعر أو فنان في مسابقة يعني لهم فوزهم وتواجدهم على الساحة ،وأنه يرفع أسهم مذهبه الديني ويُعلي من قبيلته ويُشهر منطقته.

لقد قرر القرآن الكريم حقيقةً لطالما غابت عن أفهامنا وانتصرت فيها عواطفنا وجهلنا على وعينا وإدراكها( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ ٌ (13)الحجرات ،فالتعارف يعني الانفتاح على كل ما حولنا من انتاج فني وإبداع معرفي وتطور حضاري ،وأن الحكم عليه وتقييمه والتصويت له يحتاج إلى التجرد والوعي وحسن الإدراك الذي يمقت العصبية والمذهبية والطائفية والمناطقية والذكورية ،وينظر إلى ما قِيل لا مَن قال وإلى ما وقع في القلب وله سُحر التأثير ،وإلى دوره في التغيير وحسن أدائه وجودة عطائه لا إلى مكانته ؛فنحن أمام اختبار صعب للغاية وأمام تحديات كبرى وعلينا أن ندرك أن التصويت هو ثقافة وعلم ودين وأمانة ،فإن أعطيتها للشخصنة والمذهبة والمنطقة فإنك قد خسرت إنسانيتك وكسبت عصبيتك ؛فالمعيارية في التصويت هي النزاهة في توظيف الصوت وتوجيه نحو أفضل الأداء وإعطائه من يستحقه ،وخلاف ذلك فإن التصويت أشبه بلعبة شطرنج والمصوتين أحجار يتم تحريكها وفق حاجة منظمي تلك البرامج ماديا وتوجيهيا ،وحاجة المنتفعين منها مُجتمعيا ومصلحيا والضحايا هم المصوتون الذين لا قيمة لهم إلا في أصواتهم.

التعليقات (٦) اضف تعليق

  1. ٦
    محمد العيسى

    أحسنت أستاذ بكر على هذا المقال الرائع، والذي يتناول موضوعاً معاصراً في غاية الأهمية. التصويت آلة للديموقراطية، وآلات تحقيق الديموقراطية تكون عديمة الجدوى في المجتمعات التي تنعدم فيها الفردانية وتطغى فيها العصبيات وتفكير القطيع، فالفرد لا يكون حر الإرادة في اختياراته، وبالتالي سيكون تصويته مدفوعاً بتلك العصبيات ليكون صوته من صالحها. وهنا تتحوّل عملية التصويت إلى عملية عديمة الجدوى ولا تعكس أبداً رأي الأفراد الحر أو رغبتهم المستقلة.

    دام قلمك ناطقاً بالحكمة..

    • ٥
      زائر

      سلامي اليك
      لا شك ان طرحك الراقي فيما ذهبت اليه حول معيارية التصويت مهم جدا ، لكن مسببات التصويت و هي حالة انسانية في مقام فيه تصويت و اختيار و لا يتوقف هنا على المسابقات الشعرية لم و لن يكون موضوعياً بالتمام و الكمال بمعنى ماهية البحث في الكفاءة العليا للمصوت له بل تلعب ضروف موضوعبة بمعنى دخول اشكال التماي تلك التي ترتبط بالعاطفة و العلاقات الخاصة البينية و المصالح المشتركة ، الأصل هو هذا اامصوَّت له يحمل كفاءة في مجاله ام لا بصرف النظر عن مقارنته مع الآخرين .
      هنا نتفق في اصل النظرية التي سقتها استاذي الكربم و هي مثالية غير قابلة واقعياً للنطبيق . و هنا وقفة تستخق التقدير ان شروط المنافسة المرتبطة بالتصويت لا يجب ان تكون مدعاة لعدم المشاركة بل العكس في اصل الحضور و الأخذ بأسباب التصويت التي تتاح للجميع بكون الجهات القائمة على مشروع مثلا المسابقات الشعرية جهات ناهضة .
      لا تنسى ان تصوت للشاعرة الفديرة حوراء الهميلي في مسابقة أمير الشعراء فهي من ظهرانينا ، تحياتي

  2. ٤
    زائر

    النزاهة
    اجدت يا سيد الاختيار والطرح

    • ٣
      زائر

      بارك الله فيك استاذ بكر على هذا الطرح الأكثر من رائع حيث يهدف إلى ايقاظ ضمير من يدلي بصوته بدافع الإنجراف مع الناس

  3. ٢
    يوسف النجار

    بارك الله فيك استاذ بكر على هذا الطرح الأكثر من رائع حيث يهدف إلى ايقاظ ضمير من يدلي بصوته بدافع الإنجراف مع الناس

  4. ١
    يوسف النجار

    التعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>