نمط حياة جديدة وتدعيم مسار

الثورة المعلوماتية ومنهجية التعليم

الزيارات: 2906
1 تعليق
الثورة المعلوماتية ومنهجية التعليم
https://www.hasanews.com/?p=6643673
الثورة المعلوماتية ومنهجية التعليم
بقلم/ مسلم السناوي

نعيش هذه السنوات الأخيرة ظاهرة الانفتاح والانفجار المعلوماتي ، والتي لعبت التقنية الحديثة والتكنولوجيا دوراَ بارزا في تنظيمها ونشرها بشكل واسع على مختلف الأصعدة ، علماً بأن هذا الكم الهائل من المعلومات التي تُنشر من هنا وهُناك ليست بالضرورة بأن تكون معلومات صحيحة وموثوقاً بها ، وهنا يكمن التحدي لدى القراء عامة ومنهم الدارسين والباحثين ؛ حيث ينبغي علينا البحث والتقصي عن المعلومة الصحيحة التي يُؤخذ بها أو يُعتمد عليها في جميع المجالات المعرفية وبالخصوص مجالات البحث والدراسة .

عالم الإنترنت من العوالم التكنولوجية المفتوحة المصدر ، بمعنى أن كُل شخصٍ منا أياً كان مستوى تعليمه وتعلمه ، وثقافته ومعرفته ، واطلاعه وخبرته ، صاحب تخصص أو غير ذلك يستطيع الكتابة والنشر على الكثير من التطبيقات التي توفرها الأجهزة الذكية على شبكة الإنترنت ، ومن هذا المنطلق يتوجب علينا التعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات بطرق احترافية وواعية للحصول على ما هو موثوق منها ، سواء كانت هذه المعلومات منشورة على شبكة الإنترنت أو حتى كونها مطبوعة في الكتب أو الدوريات أو أي مصدر من المصادر التقليدية ، وذلك من خلال التقصي والبحث عن مصدر المعلومة بالدرجة الأولى ، عن صاحبها الذي أدلى بها ، وعن الجهة التي قامت بنشرها ، سواء كان فرداً أو مجموعة أفراد أو جهة رسمية (حكومية) أو خاصة (أهلية) أو منظمة (إقليمية) أو (عالمية) وما إلى ذلك .

لا يخفى على الجميع في الوقت الراهن وفي ضل تداعيات انتشار فيروس كورونا ( كوفيد – 19 ) حمانا الله وإياكم من هذا الوباء العضال ، جعل من أجهزة مملكتنا الحبيبة وبدعم لا محدود من قبل قيادتنا الرشيدة حفظها الله ، أن تسابق الزمن بالمضي قدما للوصول إلى ساعة الصفر والانطلاق بكل ثقة وثبات وإطلاق مجموعة من البرامج والحزم التي من شأنها التخفيف من وطأة هذا الفيروس في جميع المجالات التي لها علاقة مباشرة بالإنسان والمحافظة عليه ، خصوصاً في مجالات الصحة العامة والتعليم ؛ حيث لاقت هذه البرامج والحزم التصحيحية والمعززة النجاح والتقدم حتى على مستوى دول العالم .

نعم .. لقد سبب لنا هذا الوباء تغيرات كثيرة في أنماط حياتنا اليومية في شتى مجالاتها ، الاجتماعية منها والاقتصادية والصحية وحتى التعليمية . إن التنبؤ المسبق بخطر الفيروس وأخذ التدابير اللازمة وحمل الموضوع على محمل الجد ساعد في الحد من تداعيات هذا الوباء القاتل وفتَح مداركنا إلى أشياء كثيرة ، أكثر مما كنا نتصوره من خلال توقعاتنا السابقة لما سيصبح عليه الوضع لو طبقت مجموعة من الأنظمة المستحدثة على مجتمعاتنا وما مدى تقبلهم لهذا التغيير وسبل التعايش معه ، لم يكن في الحسبان مدى سرعة وتجاوب المجتمع وتعايشه خصوصاً في عملية تحويل وتطوير العملية التعليمية بجعلها عن بعد ، باعتباره الخيار الأمثل لسلامة أبنائنا وبناتنا ، وذلك من خلال الجهود الجبارة التي قامت بها وزارة التعليم بالمملكة العربية السعودية وبدعمٍ لا محدود من ولاة الأمر حفظهم الله ، فما بين ليلة وضحاها تغير أسلوب ونمط الحياة بشكل عام ، خصوصا في العملية التعليمية لطلبة التعليم العام والخاص والتعليم العالي بطرق احترافية وسلسة جداً ، وذلك بالانتقال من التعليم الحضوري بالمدارس والجامعات والكليات والمعاهد إلى التعليم عن بعد ، والتي امتهنت ذات الطريقة مسبقاً بعض الجامعات لدينا كجامعة الملك فيصل بالأحساء ، واستحداث جامعات أخرى تقدم خدماتها التعليمية عن بعد منذ تأسيسها كالجامعة السعودية الإلكترونية ؛ حيث لاقت هذه الجامعات نجاحاً كبيراً على مستوى التحصيل الدراسي والعلمي للطلاب والطالبات المنتسبين إليها . وهنا أنا لا أدعو بالتخلي عن التعليم المنتظم حضورياً أو أُثبت عدم جودته وجدارته ، بل أقف موقف المعزز للعمليتين التعليميتين ، ولكل طريقة منهما مزاياها وعيوبها إذا ما قسناها على مستوى الاختلافات الفردية من المستفيدين منها والممارسين لها ، وإنما أُشيد بجهودٍ تلمسنا نتائجها على أرض الواقع ، والتي قامت بها مشكورة بعض أجهزتنا الحكومية خصوصاً وزارتي الصحة والتعليم بأخذ إجراءات احترازية مؤقتة أثبتت جدارتها حتى على المدى البعيد ، وأصبحت من الخيارات المطروحة والمُجدية في عملية الدعم والتطوير لهذين الجهازين الحيويين ( الصحة والتعليم ) ، ولكن وللأسف الشديد خريجي وخريجات هذه المسارات التعليمية ( التعليم عن بعد ) حُرموا من أبسط حقوقهم ، وذلك بعدم مساواتهم بطلبة تعليم الانتظام في المنافسة على الوظائف التعليمية والإدارية للكثير من الجهات التي تشترط في قبولها أو حتى الدخول في المنافسة عليها حصول المتقدم على المؤهل العلمي عن طريق الانتظام في الدراسة ، ولو نظرنا بعين المنطق بأن طلبة الانتساب والتعليم عن بعد يبذلون جهدا أكثر من غيرهم في الدراسة والبحث عن المعلومة ، وهذه الجهود بحد ذاتها تشكل وتبني بداخلهم قاعدة متينة يُعتمد عليها في طرق البحث والتقصي عن المعلومة الصحيحة من بين هذا الكم الهائل من المعلومات المنتشرة كما ذكرنا في صدر المقال ، معتمدين بذلك على أنفسهم في دراستهم وتحصيلهم العلمي والمعرفي ، فمهارة البحث بحد ذاتها مطلب أساسي لطلاب وطالبات التعليم العالي وهذا ما جنيناه حتى على مستوى التعليم العام بجميع مراحله بعدما خضنا تجربة التعليم عن بعد في هذه الفترة العصيبة ، بخلاف من تتوفر لديه المعلومة جاهزة تحت يديه أو من خلال توجيهات مباشرة لمصدر المعلومة الصحيحة دون عناء البحث عنها في أكثر من مصدر أو مقارنتها بما هو موجود على الساحة العلمية والمعرفية ، نعم هناك من الطلبة والطالبات من ينتابهم الفضول في التوسع بالبحث عن المعلومات بطرق مختلفة ومن مصادر متنوعة ولكن الأغلب الأعم يعتمدون على ما يوجه إليه من قبل أساتذته بشكل مباشر .

نحن وفي هذا الزمن ، زمن الإنفتاح والانفجار المعلوماتي ، يتوجب علينا تخطي مرحلة المناهج المليئة بالنظريات والقواعد والمعادلات والمعلومات التي جُمعت من هُنا وهُناك وجعلها وسيلة مساعدة وليست غاية في التعليم والتعلم ، للتحليق أكثر وأبعد من ذلك في التحصيل الدراسي والمعرفي لأبنائنا وبناتنا ، بل نحن وفي هذا الوقت بالتحديد بحاجة إلى تعلم أساسيات التعليم ومهارة التعلم الذاتي بالبحث عن المعلومات الصحيحة والموثوقة بجهودٍ ذاتية ، نحن بحاجة إلى أسلوب تعليم وتعلم مفتوح المصدر إذا ما أردنا المُضي قدماً نحو خلق جيل جديد مُبدع بكل ما تحويه الكلمة من معنى ، الإبداع بحد ذاته يحتاج إلى جهود ذاتيه في التعلم لا إلى التلقين المجحف في حق أبنائنا وبناتنا بتضييق دائرة الحصول على المعلومة التي توجد في المنهج الدراسي أو التي يوجه إليها بشكل مباشر من مصادر معينة تحت ضل قناعة شخصية من المعلم الفلاني في المادة الفلانية أو الدكتور الفلاني في الجامعة الفلانية ؛ هذا بحد ذاته يجعلنا نَدُور في إطار ذات الحلقة التي رُسِمَت من عشراتِ السنين دون التوسع فيها أو الخروج منها بأشياءٍ جديدة ، ونعني بالجديدةِ هُنا الإبداع وطرح بواكر أفكارنا والتي تفتح للطالب أو الطالبة آفاق واسعة من البحث والتفكير والإنتاج العلمي والمعرفي ، ليكُن دورنا رسم الطريق ووضع الخطوط العريضة لمساعدتهم على النهوض بأنفسهم لتحصيل مادتهم العلمية والمعرفية عن طريق الإبداع والبحث الذاتي دون تقييد منا نحو مصدر معين . كم هو جميل حينما نرى الطلاب والطالبات يبحثون عن معلومة صحيحة للإجابة عن أسئلة ما ، أو تناول نظرية من النظريات بالإثبات أو النفي والتي طرحت عليهم في المنهج الدراسي من خلال مصدر آخر أو مجموعة مصادر خارج المنهج ، وذلك لقياس مهارة الطالب أو الطالبة في تقصي المعلومة بالبحث عنها والتحقق من موثوقيتها وعرضها بأسلوبهم الخاص والإبداع في تنميتها وتدعيمها بالإيضاحات والأمثلة الحية التي يعيشونها في واقعهم ، فالفارق هنا طريقة البحث الصحيحة عن الإجابة الصحيحة وليست حفظها ونقلها دون إدراك بما تحتويها المعلومة من معنى ، فبالطريقة الأولى تمكن الطالب أو الطالبة استيعاب الدرس بأكمله بجميع حيثياته ؛ أي بمعنى تعويدهم على استخراج المعلومة المطلوبة من بين الكم الكبير من المعلومات الموجودة في المنهج الدراسي وغيره من المصادر الأخرى التي يرى بأنه سيتحصل على ضالته منها ، وهذه القاعدة التي نتطلع أن يُستعان بها في تعليمنا بشكل عام حتى من خارج المناهج الدراسية التي أعدتها وزارة التعليم للتوسع والبحث وتفحص المعلومة بنقدها وتنميتها والإبداع في خلقِ فكرٍ جديد لإكمال مسيرة التعليم والتعلم بالشكل المطلوب ، ولمواكبة كل ما هو جديد على الساحة العلمية والمعرفية بإضافة الطابع الشخصي للطالب أو الطالبة لجعلهم خلاقين ومبتكرين ومساهمين في تكوين المعلومة لا مستهلكين لها فحسب .

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    مقال جميل اخي ابوعبدالله
    ابدعت فابهرت

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>