“المرتاحين” في الجنة

الزيارات: 1336
تعليقات 3
https://www.hasanews.com/?p=6640263
“المرتاحين” في الجنة
علي حسن المسلمي

العنوان ليس بحكمة أو مثل شعبي .. إنما هو نتيجة يصرح بها أصحاب التجارب والتأمل في أحداث الدنيا وأحوال الناس . . إن المتأمل لآيات الله سبحانه سوف يستنتج في صفات هذه الدنيا مسلمات ثلاث : هي دار العمل ، ودار الفناء ، ودار البلاء .. وإنما اقترن البلاء بالدنيا لأن النفس والروح والعقل ليس ينفك عنهم العناء والتوتر الذي يحدثه التساؤلان الدائمان : ماذا عملت في دنياني ( لكل البشرية ) ؟! ماذا عملت في دنياي ولآخرتي ( للمؤمنين بالآخرة ) ؟! وكم بقي لي من أيام حتى أحقق ما أطمح لعمله قبل الرحيل ؟!

وما بين هذا وذاك .. مجموعة متوقعة وغير متوقعة من الأحداث والظروف والتغيرات التي تزيد الحمل ثقلا والعناء نصبا !!

وأنا هنا .. لست في مقام المؤكد أو المفند .. فالفكرة قد تكون شبه مجمع عليها .. لأن حتى غير المعتقد وغير المكترث بإنتاج بشريته في هذه الحياة ، لن يخلو جزما من مشاعر اللاراحة وإن قلّت ، ومشاعر فقد الراحة وإن زادت !!

أما كون الراحة في الجنة .. فالمؤمن بكلام الله تكفيه آياته الكريمة التي يصف فيها جنته والفطن يعلم أنه سبحانه ليس فقط يصف جنته إنما هو في عرض تمييزه لها .. قال تعالى: (( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) )) وشاهدنا في هذه الآيات الكريمة (( لا يمسهم فيها نصب ))

أما عن حياة البرزخ .. فهذا بحث آخر .. قد يصدق عليه نصب الدنيا وقد يصدق عليه راحة الجنة وقد يكون لا ذا ولا ذاك ..

فإذا توافق القارئ مع الكاتب ألا راحة في هذه الدنيا فلما الاستطراد في المقال ؟!

سؤال وجيه .. والجواب : أريد أن آخذكم معي في رحلة ذهنية لإعادة النظر في زاوية الرؤية لبعض الأمثلة التي سأوردها لكم  .. هذه الأمثلة ، ستكون لها على الأقل زاويتان للرؤية ، نعم ستكون الرؤية هذه المرة من زاويتي التي تحتمل الخطأ والصواب .. لذا فالهدف ليس إثبات صوابية زاوية رؤيتي ، إنما لإثبات صوابية تعدد زوايا الرؤية !!

وبالتالي .. فلا أحد يملك أحقية تقييم التعب الذي ناله من هذه الدنيا ومن ثم مقارنته مع الآخرين .. فيطلق تصاريحه المتهكمة في كل مكان : 

” أنا ما عمري ارتحت في هالدنيا ” .. 

” أنا ما حد تعب في هالدنيا كثري ” .. 

” فلان وعلان مرتاحين ، الله منعم عليهم بالصحة والمال ” .. 

” اش عليك يا فلان ، انولدت وفي فمك ملعقة من ذهب ” .. 

” أبو فلان عمره 60 سنة .. لا ضغط ولا سكري .. اش عليه مرتاح ”  

هذا التخبط الذهني أمر مؤسف .. ولا يخلو غالبا من الدخول في دهاليز الإثم والمعصية ، من الاعتراض على أقدار الله تارة ، ومن جحود النعم الأخرى تارة أخرى .. 

كما أنه مفتاح لأبواب الأمراض والكآبة وحرمان السعادة .. 

ما شأنك أنت حتى تقيم مقدار العناء والراحة للآخرين ؟!

ثم ما أدراك أنت عن خبايا وأسرار المعاناة التي تثقل كاهلهم ؟

ثم كيف تعيش حالة القنوط واليأس والموت حيا ورب العالمين قد أوضح لك المعادلة لتعيش قنوعا سعيدا راضيا محتسبا في مجمل آياته الكريمة ؟

” وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها “

” لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ” 

” أَهُمْ يَقْسِمُونَ رحمةَ ربِّكَ نحن قَسمْنَا بينَهُمْ معيشَتَهُمْ في الحياةِ الدُّنيا “

” لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ “

ثم لماذا نخلط الأوراق ؟ من قال أن الراحة مقترنة بالسعادة وأن التعب مقترن بالتعاسة ؟!

العدّاء الذي فاز في سباق الجري يكاد أن يموت من تسارع نبضات قلبه والعرق يغسل كل خلية من جلده ولا يكاد قادرا على التقاط أنفاسه من التعب والإعياء ، أليس هذا الرجل وفي هذه اللحظات في أوج سعادنه وفرحه ؟ 

هذا العدّاء هو مثال بسيط يمكن القياس به على آلاف الأمثلة التي تثبت أن الكثير من المتاعب تعقبها السعادة .. والعكس بالعكس .. فقد نكون عاقبة الركون للراحة والرخاء في كثير من الأمثلة وخيمة وتعيسة ..

ها نحن بعد أن ناقشنا استحالة اقتران الدنيا بالراحة الدائمة .. وعدم اقتران السعادة بها في كل حال .. حان الوقت لانطلاق رحلتنا إلى أربع محطات لنناقش فيها تعدد زوايا الرؤية لعامل الراحة والتعب ومقارنتهما في تلك الأمثلة .. 

المحطة الأولى : 

أيهما أشد عناءً .. الحياة ذات المشاكل والمصاعب والعراقيل المتعاقبة أم الحياة المثالية الروتينية الخالية من المشاكل ؟!

زاوية الرؤية في الوهلة الأولى : تقول أن حياة المشاكل وبشكل بديهي أشد عناءً وتعبا ..

زاوية الرؤية الأخرى : الحياة الصعبة ذات المشاكل والعراقيل تستهلك الكثير من الوقت والجهد للبحث عن الحلول أو التخطي أو حتى التجاهل .. لكنها في ذات الوقت تعطي صاحبها الكثير من المبررات في تقصيره اتجاه الأمور الأخرى .. لأن انشغاله بتلك المشاكل يجعله في حلٍ من واجبات اجتماعية وأسرية بل ودينية أحيانا .. ناهيك عن راحة الضمير التي تأتي نتيجة الابتعاد عما لا يرضي الله ، قد يكون لا لزهد وورع ، إنما لعدم توفر الوقت والتوجه أساسا .. كما أن المكاسب قد تكون نوعية من خلال صقل الشخصية بتجارب الحياة وزيادة رصيد العلاقات .. في الجانب الآخر ، صاحب الحياة المثالية التي قد تعتبر مملة .. قد تكون على صاحبها ثقيلة ومرهقة في إيجاد ما يقدمه من إنتاجية لهذه الحياة ، وكذلك من محاسبة اجتماعية وأسرية ودينية عند التقصير في القيام بالواجبات سواء من الأشخاص أو من الضمير .. هذا وقد يداهم الشخص ذاته خطر الفراغ الذي قد يأخذه لدرب الأخطاء والأمور التافهة التي غالبا ما تضيع الوقت والعمر ، وهذا الوقت سيكون على طاولة المساءلة يوم الدين .. هذه الأمور حقيقة مرهقة جدا وقد تجعل من الشخص يتمنى حصوله على مشكلة في حياته لينشغل بحلها انشغالا يؤجر عليه ويزيد رصيده في التجارب والعلاقات ويوجد له المبرر عن التقصير في الكثير من الواجبات ..

هل هذه دعوة لنبذ المثالية والبحث عن المشاكل ؟ جزما لا ..

هل هاتان الرؤيتان هما الرؤيتان المتوقعتان فقط في هذه المحطة ؟ جزما لا .. فصاحب المشاكل قد يفشل في التعامل مع المشاكل وقد يزيدها حملا .. وصاحب المثالية قد يستغل الحياة المستقرة فيما يعود عليه وعلى من حوله بل حتى وعلى الإنسانية بالنفع والخير ..

الفكرة فقط .. تعدد زوايا الرؤية وأن نترك الحكم على الآخرين ..

المحطة الثانية .. 

أيهما أشد عناء وتعبا .. حياة الفقر أم حياة الثراء ؟

زاوية الرؤية في الوهلة الأولى : تقول أن حياة الفقر وبشكل بديهي أشد عناءً وتعبا ..

زاوية الرؤية الأخرى : الثري حقيقة وغالبا يعيش في دائرة متعددة الأقطار ذات مركز واحد وهو الثروة ، هذا المركز تمر به الأقطار ذات الأطراف المتضادة .. أحدها في طرفه آداء حقوق الله وفي طرفه الآخر تسويف ذلك إلى الورثة ، وفي قطر آخر بطرفه السخاء والبذل مع ما لهما من هواجس الرياء والعجب وبالطرف الآخر البخل والشح خوف نفاذها .. وفي القطر الثالث إظهار النعمة مع ما له من هواجس الإسراف والتبذير في طرف ،والتقتير والحرص بحجة التواضع في طرف آخر .. وفي قطر رابع يظهر في طرفه الخوف على الثروة وهواجس تأمينها بأنظمة وحراس وقد يكون الأمر بالكلاب أيضا ، وفي الطرف الآخر قد يكون التهاون والتراخي مما يجعل صاحب الثروة سفيها ساذجا .. ناهيك عن دوافع الشر المغرية التي تشجع الإنسان على نماء تلك الثروة والمحافظة عليها بطرق غير شرعية أو قانونية.. كما أن التوتر الذي يحدثه العقل في تخوين الأشخاص والدخول في نواياهم واتهامهم بمحاولة التنفع من مال صاحب الثروة أمر فظيع !! 

كما لا نستبعد كون أصحاب الثروات هم مرمى سهام الحساد ومنفلتي الألسن في الهمز واللمز .. 

هذه الأمور وهذه الدائرة والدوامة هي ترسانة من المتاعب والعناء على كاهل ذلك الثري .. بينما في الجانب الآخر ، يعيش الفقير خاليا من كل تلكم الهواجس والمتاعب ، فهو غالبا بالكاد يصل للمبلغ الذي يوصله للكفاف .. وهذا الأمر ينطبق أيضا على محدودي الدخل بل وعلى حتى ميسوري الحال الذين ليس لديهم ثروة فائضة ليبدأوا معها رحلة العناء في دوامتها المستمرة باستمرار تلك الثروة .. 

هل هذه دعوة لنبذ استزادة الرزق والبحث عن الثروة الحلال ؟ جزما لا .. فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف 

هل هذا تنظير بانتفاء متاعب الفقر وعناءه ؟ جزما لا .. فلو كان الفقر رجلا لقتلته  .. وما أقبح الفقر وما أجمل الفقراء ..

هل هاتان الرؤيتان هما الرؤيتان المتوقعتان فقط في هذه المحطة ؟ جزما لا .. فلرب غني خاف الله فأغدق على عباده وأرخى عليهم وجرت أرزاقهم على يده ، فلغني شاكر خير من فقير صابر .. ولعل عمق ثقته بالله وإعراضه عن تلك الهواجس تجعله أكثر راحة واستقرارا .. وفي الجانب الآخر .. قد يجعل الفقر من صاحبه مسخا يتعلل بفقره لارتكاب أفدح الجرائم فلا تطرق الراحة بابه أبدا .. 

مجددا .. الفكرة فقط .. تعدد زوايا الرؤية وأن نترك الحكم على الآخرين ..

المحطة الثالثة : 

أيهما أشد عناء وتعبا .. من فقد أبويه أم من ينعم بوجودهما ؟

زاوية الرؤية في الوهلة الأولى : تقول أن حياة الفاقد لأبويه وبشكل بديهي أشد عناءً وتعبا ..

زاوية الرؤية الأخرى : الفاقد لأبويه وخصوصا .. عندما يكون الفاقد كبيرا .. رجلا كان أو امرأة .. بحيث لا يعيش فترة اليتم الشرعي .. سيكون معفيا من اختبار إلهي مستمر في التعامل مع والديه وستتبقى عليه مسؤولية بسيطة في الدعاء لهما وقد تدفعه المحبة لهما في القيام بمشاريع خيرية اختيارية باسميهما ، هذا طبعا بعد آداء وصيتهما وتقسيم الورث الذي يمكن إنجازهخلال أيام معدودة .. أما من ينعم بوجودهما  أطال الله في أعمار آباءكم وأمهاتكم  فهو في اختبار إلهي مستمر في التعامل معهما .. أهون ما فيه أن يكونان مستغنيان عن حاجتهما لهاستغناء تاما ، فيتبقى عليه واجب الوصال والبر وإدخال السرور عليهما .. ويزداد امتحانا وصعوبة كلما اقترتب حاجتهما له ،فذلك الواجب يشده من طرف ، ومشاغل الحياة وملاهيها ، ودوافع الشر التي تحثه على العقوق والتقصير ، ومحاولة أسرته في الاستفراد بوقته وجهده تشده من طرف آخر .. 

وبين الشد والجذب يعيش هذا الإنسان مرحلة حياتية متعبة مضنية .. وبالخصوص عندما تكون الظروف تجلعه المتصدي الأكبر لذلك الواجب ، ويزيد الحمل حملا عندما تحيط به أصوات اللوم والعتب عند التقصير والجفاء ابتداء من ضميره الحي وانتهاء بصرخات الاستغاثة من أبويه  !!

هذا الامتحان مجهد حقا !! وإن الأخطاء فيه مؤثرة جدا وإن كانت أخطاء طفيفة في منظورنا .. فكلمة أف ، والامتعاض ، ورفع الصوت ، بل وحتى النظرة ، هي أدوات الرسوب والفشل الذي يجعل من الامتحان أشد صعوبة وعناء

هل هذه دعوة لتمني رحيل الوالدين ؟ جزما لا ..

هل هذا تنظير بانتفاء آلام الفقد لهما ؟ جزما لا ..

هل هل هذا تأكيد لحاجة الأبوين للولد عندما يكبران ؟ ليس بالضرورة إطلاقا .. فكم من أبوين كانا هما الداعمان والمعينان لأبنائهما حتى وبعد أن كبر الأبناء وصاروا أجدادا !! بل وإن بعض الأبناء قد تتغير أوضاعهم الصحية وهم ناضجون في العمر فيرعاهم آباؤهم .. 

هل هاتان الرؤيتان هما الرؤيتان المتوقعتان فقط في هذه المحطة ؟ جزما لا .. فهناك من الأبناء من مسح الله على قلوبهم  فغدوا يستمتعون سعداء بتقديم صنوف البر والخدمة لأبويهم خاضعين تحت أرجلهم يتمنون طوال أعمارهم لتزيد لديهم فرص الحصول على جوائز رب العالمين للبارين بوالديهم .. 

مجددا .. الفكرة فقط .. تعدد زوايا الرؤية وأن نترك الحكم على الآخرين ..

المحطة الرابعة :

أيهما أشد عناء وتعبا .. من هو مسؤول عن تربية طفل واحد أو المسؤول عن تربية مجموعة أطفال؟

هذه المحطة سأتركها هي وغيرها من المحطات لك عزيزي القارئ حتى تشحذ ذهنك لتجبره على تقبل تعدد زوايا الرؤية .. 

لأن الراحة والتعب موضوعان نسبيان .. لا يمكن أن نحشر أنوفنا ونقيم أحوال الناس فيهما .. ولا أن نقارن كذلك .. حتى ولو تحدث الناس عن عنائهم ومصاعبهم .. فلربما بينهم المبالغ والجزوع والصابر والقانع والكتوم .. نعم ، ينبغي ألا نفوت فرصة إغاثة الملهوف وبعث الأمل في النفوس وتقديم يد العون والإصغاء لأحزان المكروب وغيرها من فرص الإنسانية التي تصوغنا عظماء في هذه الحياة ، ولكن علينا أن نحذر أن ننصب أنفسنا ميزانا نقيم من خلاله معدل الراحة والتعب لدى الناس .. 

التعليقات (٣) اضف تعليق

  1. ٣
    زائر

    سوالف شياب العصاري

    • ٢
      زائر

      ايش الموضوع..؟

  2. ١
    زائر

    ممتاز يحكي الواقع سلمت يداك

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>