أرواح مهشمة

الزيارات: 288
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6633080
أرواح مهشمة
أمل الحربي

من المفارقات الغريبة في الحياة، أن تجمعك بإنسان لا تعرفه في مكان لم تتفقا عليه، وفي ساعة لم تحددان موعدها، وفي توقيت قد يكون فارق لكما .

ورغم عدم وجود سابق معرفة بينكما، ولا علاقة عابرة حتى في أدنى مستوى تربطكما، إلا أنك تفاجأ بأنه يفتح لك صفحة مطمورة من حياته دون أن تسأله ، ويطلعك على ملامح مخفية دون أن تطلب منه .

ويبوح لك بأوجاعه وكأنك مرآة له ، ويفضي لك بأسراره وكأنك انعكاس لذاته .

ورغم ريبتك في آمره ، وحيرتك في حالة، إلا أنك تُصغي إليه بكل مشاعرك ، وتنفعل معه بكل حواسك ، وتندمج معه بقلبك ، وتشعر بصدقه من خلال مواقف يغص في نطقها ، ودموع يجاهد في منعها ، وذكريات بألم يتجرعها ،وكلماتك بصعوبة ينطقها.

فتشعر بقربة منك رغم الفترة القصيرة التي جمعتك به ، وراحته بالحديث معك رغم عدم وجود معرفة بينكما .

قد تجمعك الأقدار بذلك الإنسان والذي تصادف وجودك معه ، وأنتما في غرفة انتظار طويل في مستشفى ، أو في رحلة مملة في قطار ،أو في زاوية مهجورة في مقهى كئيب ،أو في مناسبة أشعرتهُ بوحدته ،أو في حفل أحس بأنهُ غريب فيه .

وتصادف و جودك معه على نفس تلك الرحلة ، أو في ذلك المقهى ، أو تلك المناسبة .

فأصبح يقطع الوقت بالحديث معك ، ويؤنس وحشة المكان بالبوح لك ، ويفض صمت الجدران بالشكوى إليك .

ورغم يقينك أنك لست الشخص المناسب الذي يفترض أن يتحدث معه ، وشعورك بالعجز عن مساعدته ، وجهلك بالكثير من تفاصيل حياته .

إلا أنك تُصغي إليه بشقف ، وتحتوي متاعبهُ بإحساس ، وتربت على كتفيه بحنان .

ليمضي الوقت و تتوقف الرحلة ، أو تنتهي المناسبة ، و يحين الموعد لتنتهي معها عمر علاقتك به ، وينتفي سبب اللقاء معه ، ويحين موعد وداعك له .

لتجده يعبر عن امتنانه لك على الوقت الذي منحته إياه ، والاهتمام الذي أحطته به ، والمشاعر التي شاركته إياها .

لا أعلم كم مره حصلت تلك المصادفة في حياة البعض !

ومتى جمعت الأقدار بينك وبين ذلك الشخص والذي وجد فيك مرفأ ليحط عليه أطنان متاعبه ، ومرسى تصل له جراحة ؟

– لاشك -أن ثمة تساؤلات ستقفز في ذهنك بعد هذا اللقاء الغريب! وذلك الشخص المجهول !

لما تحدث معي بكل هذه الدفء؟ وأنصتُ له بكل اهتمام !

رغم عدم معرفتك به !ولما خصك بكل تلك التفاصيل برغم عدم وجود علاقة معه ؟

بكل الأحوال حديثة معك لا يعني ثقته بك ، واطلاعك على بعض التفاصيل لا تعني رغبته في توطيد العلاقة معك ، أو جديتهُ في استمرار العلاقة بينكما.

أنها تفسر وضع نفسي يعانيه مهما كانت أسبابة : سواء صدمة مؤلمة ، صفعة غدر ، أو خيبة أمل .

كما تفسر رغبة بالحديث مع مجهول لا يعرف من حياته إلا بالقدر الذي يريد اطلاعك عليه ، وأن يكون بمنتهى الشفافية معه دون أن يشعر بالحرج من تفاصيل حياته ، ولا يخجل من حماقاته ، ولا يشعره باللوم ، ولا يكثر عليه التأنيب .

مجهول يتحدث إليه ثم ينتهي الآمر ، بلا صداقة قد تفتر مع الزمن ، أو علاقة قد تنتهي في أي وقت .

مجهول يكشف له أوراق أصفرت من حياته ، وصور أسودت في مخيلته ، وصفحات مهترئة من ذاكرته .

ذلك أن – نحن البشر – تختلف درجة تحملنا للحياة خاصة في ليالها الثقيلة ، و تضعف أرواحنا أمام صفعاتها الغادرة ،وتبهت ابتسامتنا إزاء أحداثها العابسة .

حينها قد يفقد البعض السيطرة على كيانه ، فينهار من داخلة ، وتتهشم ذاته، وينهار صموده حالة مكابدة الألم ، الذي تمكن من النفس ، وأفنى الجسد.

أجد أن الشاعر العراقي ( أحمد مطر) قد وفق في التعبير عنها في أبياته ،وأن كان موضوعة سياسي ،ولكنه قهر على أي حال حيث قال :

بكـى مِـن قَهْـريَ القَهـرُ وأشـفَقَ مِـن فَمـي المُـرُّ وَسـالَ الجَمْـرُ في نَفْسـي فأحـرَقَ نَفسَـهُ الجَمـر

أي ألم هذا ؟، وقد أفنى النفس فكان أحر من الجمر! .

فتكون ذلك الشخص الذي يلملم شتاته ، ويجمع أشلاءه ، ويستمد منه قوته ، بمجرد كلمات تمنحه له ، وبمشاعر تصغي إليه .

– ولا شك- أنه لم يكن يطمع بأكثر من تلك الكلمات ، وتلك المشاعر ، والكثير من الإصغاء .

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>