املأ الكوبَ لبنًا

الزيارات: 642
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6632437
املأ الكوبَ لبنًا
فؤاد السليمان

يُحكى أن قريةً صغيرة قابعةً في أقصى الأرض ، في زمنٍ لم تفصح عنه كتب التاريخ ، انتهبها الجوع حتى نصب الموت حولها فخاخه ، ففقدت العشرات من خيرة أبنائها.

ما دعى والي القرية إلى عقد جلسة طارئة مع مستشاريه لبحث حلولٍ تحفظ أرواح سكانها من الخطر الداهم والخطب المدلهم، فأعداد الذين يتضاغون جوعًا تزداد يومًا عن الآخر ، ورائحة الموت تزكم أنوف الباحثين عن كسرة أمل تبقيهم على قيد الحياة، فلاهم قادرين على لجم صرخات بطونهم ، ولا صدِّ هجمات الأسى التي تباغتهم وهم يسمعون بكاء أطفالهم وتوجع نسائهم.

فأمر الوالي بوضع قدرٍ كبير وسط القرية أو كما يقال “الداون تاون” حيث يلتئم السكانُ أصيلَ كل جمعة يعرضون بضاعتهم في سوق أشبه ما يكون باحتفال أسبوعي يفد إليه الناس من مختلف الأعمار والفئات .

فطلب من كل واحدٍ من أهل القرية أن يسكب في القدر كأسًا من اللبن دون أن يراه أحد ، يقتطعه من قوته ليطعم العاجزين من باقي سكان القرية ، الذين لا حول لهم ولا قوة أمام سطوة الجوع ، فتدافعوا خلسة يدسون كؤوسهم في القدر الكبير وكل منهم يتوارى عن الأنظار بالقدر الذي يستطيع.

لكن حالهم كان كما قال المتنبي :

ِلهوى النفوسِ سريرةٌ  لا تعلم :: عرضًا نظرتُ وخلتُ أني أسلمُ

وفي صبيحة اليوم التالي حضر الوالي والناس حوله مستبشرين تنز عن وجوههم ملامح الثقة والاطمئنان ، فأمر حراسه أن يكشفوا عن القدر الغطاء، ويستبدلوا الفرح باللأواء ابتهاجًا بتكاتفهم وانتصارهم على وحش الجوع المستعر بين أجنابهم.

فإذا بالجميع يفاجأ بأن القدر الذي أرادوا ملأه باللبن أصبح مملوءاً عن بكرة أبيه بالماء ، ونظر الوالي مشدوهًا في وجوه سكان القرية ، فاحتارت أعينهم في محاجرها كأنها تجيب سؤاله المتلوم ( مولاي ): وفي النفوس حاجاتٌ وفيك فطانةٌ

وعاد سكان القرية إلى بيوتهم منكسي الرؤوس وبدلاً من أن يحتفلوا بسد جوعة آخر مواطن ضرسه القحط والجدب، إذا بهم يترقبون تقريراً جديدًا عن أعداد الموجوعين ، ومنادي الموت يهتف فيهم أن ترحموا على فلان ابن فلان فقد صلى عليه أهله ودفنوه اليوم و نظرًا للظروف الراهنة لن يقام العزاء لتحفظوا ما بقي من قوَّتكم ولا تهدروا طاقتكم.

هذه القصة الرمزية تعكس واقعنا اليوم، فالذين خرجوا بكؤوس الماء هم الذين خرقوا الاحترازات الصحية ضد جائحة كورونا، ظنًا منهم أن كأسًا واحدً لن يغير طعم قدر اللبن، وأن مخالفة التعليمات من شخص واحد لن يخرق سفينة المجتمع ، لكن الكؤوس توالت، وإذا بهم ينقلون الداء إلى أعز الناس وأحب الأقرباء.

بقي أن أقول:

نحن في معركة مع هذا الوباء وليس من المنطق أن نخوضها دون استعداد وبلا مبالاة ، وعدونا يرانا في أسفل الجبل مكشوفين يصيب منا بقدر تهاوننا، وليس معنا بعد الله سوى درع الحذر نتمترس خلفه اتقاء سهامه.

ودمتم سالمين

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>