نِعِمَّا رِجالٌ عرفتهم (23 ): المحاسب القانوني “صالح عبد الله النعيم” رحمه الله

الزيارات: 1782
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6631915
نِعِمَّا رِجالٌ عرفتهم (23 ): المحاسب القانوني “صالح عبد الله النعيم” رحمه الله
محمد إياد العكاري

 

​هكذا الدُّنيا ،متاعٌ قليل، وظلٌ زائلٌ، وأمَلٌ مُنقطع ،تأخُذُ الأحباب ، وتُفَرِّقُ الأصحاب ، لاتُبقي على أحدٍ ، ولايدومُ لها حال، هي السَّرابُ ولاعين له ،ولانستطيع أن نراه ،نلهث وراءها،وحين نظنُّ أنَّنا وصلنا لانجد شيئاً!!ونجدُ أنَّها لاشيء..أجل هي السَّراب
وهذا عنوان قصيدةٍ لي نُشرت في مجلة النور الكويتية قبل ثلاثين عاماً ،في العدد83محرم صفر 1411هـ قلت في مطلعها:

جمِّل فؤادَكَ فالحياةُ مشاقُ = وأطِبْ مَعَادَكَ فالمآلُ فِرَاقُ
واصْبِرْبِدُنيا واصطَبِرْ لِمُصابِها =  فالكُلُّ في ركبِ الحَيَاةِ رِفاقُِ
والكُلُّ ماضٍ في الدُّروبِ لغايةٍ =  والكُلُّ في دُنيا العَناءِ يُعاقُ
بُعْدُ الأحبَّةِ والنَّوى وفِراقُهُم = قَدَرٌ علينا والرِّضا إشراقُ
وقضاؤهُ خيرٌ لنا فتصبُّراً = ويقينُنا ماقَدَّرَ الخَلَّاقُ
فهو المُهَذِّبُ للقلوبِ مُشَذِّبٌ = وهوَ والمُضَمِّدُ للفؤادِ صِفاقُ

لكأنِّي فيما كتبتُ أجَسِّدُ حالة نفسي بعدما سمعتُ خبراً كان وقعهُ كالصَّاعقة من فجأته عندما أُخبرتُ بُعيد عصر يوم الأحد 28/10/1441هـ الموافق 21/6/2020م بوفاة الأخ الكريم والصديق العزيز المحاسب القانوني صالح عبد الله النُّعيم رحمه الله والذي يُعتبر من أحد أشهر المحاسبين القانونيين على مستوى المملكة أجل كان وقع الخبر شديداً عليَّ واغرورقت عيناي بالدموع،وكنت متواصلاً مع أبنائه وكان آخر اتصال مع ابنه البكر الدكتور عبد الله صالح النعيم فيه طمأنني بأن عسى أن يكون والده قد اجتاز الحالة الحرجة فحمدت الله ودعونا له ، وكنت لسنواتٍ طويلة على تواصلٍ دائمٍ معه،ولاننقطع عن بعضنا يومياً بالواتس آب حتى أثناء فترة الحظراتصلت به وتواعدنا في مكتبه وحين قابلته قال لي بأنَّك اليوم تذكرتك قبل اتصالك وجُلت في خاطري فقلتُ له: سبحان الله تلك الحاسة السَّادسة التي تقرِّبُ الأرواح لترسل رسائلها،رحمه الله وماأطيب ذكراه هكذا هو الأجلُ والقدر ولانقول إلا مايُرضي ربَّنا رحمه الله وغفر له .

كنتُ قد تعرَّفت عليه في عيادتي عندما جاءني للعلاج قبل أكثر من عقدٍ ونصف من الزَّمان في عيادتي الخاصة حينها وكنت طبيب أسنان العائلة حفظهم الله جميعاً وأحسن عزاءهم وعزاءنا فيه وقد كان بيني وبينه علاقةٌ وود، وصحبةٌ وعهد، وماأطيب جلساته وذكرياته، وأرقى دعواته وسهراته وكنت والله أحبُّه من الأعماق وأشعر أنَّهُ يُكِنُّ لي ماأُكِنُّ له فالأرواح جنودٌ مجنَّدة ماتعارف منها ائتلف وكان ذاك رحمه الله.

كان صفيَّ الودِّ زكيَّ اتلنَّفس، راقي الطَّبع، محبَّاً للخير، ساعياً للبر، واصلاً للرَّحم ، يعرف أقدار النَّاس ، ويُجِلُّ علماءهم ،وقد ابتنى لوالده مسجداً في حي السَّلام سمَّاه باسمه وفيه حلقات تحفيظٍ للقرآن كأنَّها خلايا النَّحل رحمه الله وكذلك ابتنى لوالدته مسجداً كذلك في حيِّ الرَّبوة وسمَّاه باسمها ،وكذلك ابتنى لزوجته مسجداً في أبها له أوقافٌ تخدمه رحمه الله وجعلها في موازين أعماله وماأروع البربالوالدي وصلة الأرحام يؤتي أُكُلَهُ في الدنيا والآخرة .

كان بيننا زياراتٌ وسهرات ودعواتٌ وجلساتُ سمركنت أحبه ومجلسه وكان يأنس بي ويحبُّ مجالستي وصحبتي وقد شرفت وسعدتُ بزيارته لي في بيتي في القادسية ، وكنت أتردَّدُ على على مجلسه مساء السبت بين العشاءين ، وقد دعاني وثلَّةُ من الأطباء الفضلاء قبيل الحظر مباشرةً إلى مزرعته الجديدة بالقرب من نادي الأحساء الأدبي وقد طلب مني ليلتها قصيدة فلاهجرٌ بهجر بل وصال فألقيتها في تلك السهرة الرائقة، رحمه الله وكأنَّ مطلعها والأبيات الأولى منها التي تصف أهل الأحساء وصفاتهم تصف حاله أيضاً، وتتحدث عن صفاته وتنطق بخلاله حيث قلتُ فيها:

كِرَامُ النَّاسِ مِسْعاها الكَمَالُ = ومرآها السَّماحَةُ والجَمَالُ

مُحَيَّاها الوضَاءَةُ أيُّ بِشْرٍ ؟!= كَأَنَّ البَدْرَ صورَتُها أَخَالُ!!

وَذي الأخلاقُ تَحْلِيَةٌ لِقَوْمٍ = لَهُمْ فيها تراتيلٌ وحالُ

تُتَرْجِمُها المُروءةُ مَكْرُماتٍ = وتَحْكيها المَحَامِدُ والخِصَالُ

لِتَعْكِسَ مابِِأَفْئِدَةٍ تلالا = كِنُورِ الشَّمْسِ تَجْلُوهُ الفِعالُ

وياللقَلْبِ سَكْبٌ من جِنانٍ= وجَنَّاتٌ بِها يحلو المَقالُ

وأنْداءٌٌ بها الأعماق نُعْمى = وأروِقَـــةٌ بِسَـلْسَـلِها زُلالُ

وآفاقٌ تَهيجُ كَقَطْرِ غَيْثٍ = وفيها الحُبُّ يَهْمي والظِّلالُ

ولِلْخُلُقِ القَويمِ شُمُوسُ حُسْنٍ = تُجَلِّيهِا الأصَالَـةُ والخِـلال

 

رحمه الله وكان قد أقام لي وللدكتور يوسف الجبر رئيس النادي الأدبي حينذاك حفلاً تكريمياً قبل عشر سنواتٍ في بيته تقديراً لنا على جهودنا في خدمة الفكر والأدب والثقافة حضره حشدٌ كبيرٌ من المثقفين والأدباء والوجهاء مع مجموعةٍ من الأطباء الفضلاء ذاك الحفل لاأنساه رحمه الله كتبت عنه جريدة الوطن

كان رحمه الله سليم الصَّدر ،سخيَّ النَّفس ،من الذََين يألفون ويؤلفون، ناصحاً محبَّاً وإلى هذا يقول ابن رجب الحنبلي عن بعض السَّلف

أفضل الأعمال سلامة الصُّدور، وسخاوة النُّفوس والنَّصيحةُ للأمَّة وبهذه الخصال يبلغ المرء مالايبلغه بصلاته وصيامه وأعماله وفعاله فأعمالُ القلوب أبهى وأجلّوعليها المُعَوَّلُ بل هي الأسُّفإنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات صلاحها وكمالها وقبولها وجمالها

وماأجمل ماقال شاعرنا البهيُّ الدكتور العشماوي في ذلك

بسلامة الصَّدر الحياةُ تطيبُ = ويفيضُ بالحبِّ الكبير قُلُوبُ

كالشَّمسِ يعصفُ بالظَّلامِ شروقه = وتُعَتِّمُ الآفاقُ حين تغيبُ

في القلبِ ميزانُ العبادِ فإن صفا = فالعيشُ صافٍ والبعيدُ قريبُ

 

رحمه الله وكان هو كذلك وتعتِّمُ الآفاقُ حين يغيبُ ولئن غاب عنا بجسده ومظهره فحسُّه وطيبه وذكره بالخير لايزال معنا وقلوبنا تلهج بالدعاء له وأن يتقبله في الصَّالحين وقد أرسلت لأبنائه وإخوانه وأسرة آل النًُُّعيم برسالة تعزيةٍ فيه قلت فيها

​خبرٌ كان وقعه كالصَّاعقة بعد أن تلقَّيته، فهو أخٌ عزيز ، وصديقٌ وفيٌ،وصاحبُ ودٍ،ولانقول إلا مايُرضي ربَّناإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، رحمه الله وغفر له وأحسن مثواه وتقبَّله في علِّيين ونشهد لهذا الرَّجل أنَّهُ كان كمُسمَّاه ،طيِّب القلب زكيَّ النَّفس مُحِبَّاً للخير ساعياً للبِرِّهذا مانشهد به ولانُزكِّي عل الله أحداً.

كان نِعِمَّا الأخُ والصَّاحبُ والخِلُّ والصَّديق أي والله مواقفه لاتُنسى ، وتكريمه لي لاأنساه جعله الله في موازين أعمالهوهو كريمٌ قدم على أكرم الأكرمين ، ولطيفٌ قدم على اللطيف الودود، والله لطيفٌ بعباده وهو أرحم الرَّاحمين رحمه الله وطيَّب ثراه وأحسن مثواه وختم لنا وله بالحُسنى وتقبَّله في علييين اللهم آمين والحمد لله ربِّ العالمين

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    رحم الله صالح النعيم ابا عبدالله بواسع رحمته عرفناه رجلا خلوقا

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>