فلنتخيَّرْ مابَيْنَ ضَنْكٍ وشَقَاءٍ .. أو هِدَايةٍ وسعادة

الزيارات: 797
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6630583
فلنتخيَّرْ مابَيْنَ ضَنْكٍ وشَقَاءٍ .. أو هِدَايةٍ وسعادة
محمد إياد العكاري

عنوانٌ مثيرٌ ما بين حالين !؟،وتضادٌ رهيبٌ بين موقفين!؟، ,وجلاءٌ عجيبٌ بين  صورتين!؟وهذا يدفع المرء الَّذي يريد الخير لنفسه ، والنَّجاةَ بها، والسَّعادة لها واستشرافَ مستقبلها ، بأن يتبصَّرَ في الحياة، ويتدبَّر فيها ،ليكونَ في يَقَظَةٍ واسْتِنْفَار،وتنبُّهٍ وادِّكار،أجل ……فالضَّنك ؟! وماأدراكَ ماالضَّنْك؟؟إنَّهُ الضِّيقُ…. وحسُّ الاختناقُ ….لمن تنكَّبَ عن الصِّراط المستقيم ، وجافى الطَّريق القويم ،فأعرض عن ربِّه ويالخسارته لأن من لم يكن مع الله فماذا وجد!؟ ليفقدَ بجريرة عمله طعم الراحة في حياته ،وتنعدمَ فيها الطُّمأنينة ،وتفقدَ روحُهُ  السَّكينة،ويتذوَّقَ طعم الشَّقاء بكلِّ مذاقاته في دُنياه  ولوكان يعيش بلذائذَ ظاهرة، وموائِدَ ممدودة،ولو أنَّهُ يسكن ببروجٍ عاجيَّة.. وعوالمهُ زمُرُّدية و حياتِهِ مخمليَّة…فلايَغرَّنَّك الظَّاهر المُزركش فالباطنُ أدهى وأمرُّليعيش حياةً قد لاتبدو لناظرها يبطِّنُها الشَقاء، ويسكنها البلاء ،الضِّيقُ جوُّها ،والتَّعاسة حِسُّها ،والنَّكَدُ مرآها  ، والهمُّ مركبُها مصداقاً لقوله سبحانه {  ومن أعرض عن ذكري فإنَّ لهُ معيشةً ضنكى} طه 124

وهذا حالُهُ المُعجَّلُ في دُنياه.. فكيف بأُخراه  والعياذُ بالله؟!.
وأمَّا من اتَّبع الهُدى ،وسلك سبيلَهُ ،واستوطَّنَ الإيمانُ قلبَه،وعَمَرَت آيات الرَّحمن لُبَّهُ، ليمضي في مسيرة حياته على هدىً وبصيرة بنورالله فهو في راحةٍ  وطُمأنينة، وسعادةٍ وسكينة ،وأمنٍ وأمان، لأنه من كان مع الله فماذا فقد؟! أبداً ،حتى لكأنَّهُ ولو كان فقيراً مُعدماً يعيشُ في جِنانٍ في دُنياه مما يعمر قلبه من إيمان وإحسان يقول الحقُّ سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}الأنعام

أجل حياتُهُ نورٌ وهداية ،ونبضه سعادةٌ وطُمأنينة ،وحِسُّهُ جمالٌ ورِضى وياحسنَ مايلقاهُ بعدُ في آخرته.
فشتَّانَ شتَّانَ مابين هذا وذاك ..مابين ضَنْكٍ وشقاء !!!… وهدايةٍ وسعادة .

فما نزرعُهُ نلقاهُ ..ومانكتُبُهُ نقرأُه، ومانَبزُرُهُ نجنيه،فإن انتبهنا وحرثنا، واعتنينا ورويْنا،واجتهدنا وسقيْنا،لنما الزَّرعُ وربا  ليزهر ويُثمر بكل ماهو جميلٌ وينفع النَّاس وإلَّا إن أهملنا زرعنا وأرضنا وحرثنا فلن نحصد شيئاً ولاثمرة نجنيها لتضيع حياتنا سُدىً بل نجني عليها خسارةً وبواراً.

فحياتنا هي مانرسمه ونختارهُ لذواتنا ، وما نُسطِّرُهُ بفعالِنا بإرادتنا، ومانترك أثره بتصرُّفاتنا،كيفما نُريد بكامل حُرِّيَّتنا ومُطلقِ إرادتنا،لنوجِّه حياتنا حسب توجُّهاتنا وإيماننا ،ووفق معتقداتنا وتصوُّراتنا للحياة، وهُنا مناطُ التَّكليف ،ومسؤولية الاختيار،وساحة العمل ، وفضاء المحاسبة فحياتُنا وأوقاتُنا إمَّا لنا أو علينا وهي إمَّا ضنكٌ وشقاء أو هدايةٌ وسعادةٌ وهو ماقصدتُ في العنوان ومارُمتُهُ فيه.

والَّذي دفعني لكتابة مقالي هذا كلمةٌ في آيةٍ في سورة الإسراء ؟! إنَّها كلمةُ {لَأَحْتَنِكَنَّ} تلك التي وردت على لسان إبليس الَّلعين بعد استكباره وتعاليه عن السُّجود لأبينا آدمَ عليه السَّلام لتتجلَّى عداوته وحقده على آدَمَ وجميع ذرِّيَّته وعَقِبِهِ إلى يوم الدِّين بقوله : {أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} 62 الإسراء

وتلك التي جعلتني أتنبَّهُ لمعنىً عظيمٍ ومُرادٍ جليلٍ أرادهُ الله ليُنيّبهَ عقولَنا ويستنفرنا بكلِّيتنا ويُوقظنا من غفلتنا منتبهين  لواقع الحال والخطر المُحدق، لتتيقَّظ فينا روحُ المسؤولية في مواجهة الشَّيطانَ اللعين وجنوده ومعرفة عدوِّنا الحقيقي لجهادِه في حياتنا ،فمن تنبَّهَ واهتدى، سَعِدَ وارتقى، وسَلِمَ واغتنى، وَوُقي من نَفْثِهِ وشرِّه ،وكيْدِهِ ومَكْرِه، لأنَّه ركَنَ وأوى إلى الحصن الحصين ،والرُّكن المتين ،الواحدُ الأحد الفردُ الصَّمَد.

وأمَّا إنْ كان العكسُ والعياذ بالله وكانَ مِمَّن استغنى ، وكذَّبَ بالحُسنى،وطغى وتولَّى،وآثر الحياة الدُّنيا ،واتَّبع الشَّيطانَ وهواه، فحياته كما قلنا قبل هي ضنكٌ وشقاء ثم يلقى جزاءهُ هو ومن أضَلَّه وأغراه ،واحتنكه وأغواه حيث جهنَّمَ مثواهم جميعاً يقول المولى سبحانه {اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا} (63)الإسراء.

وهنا أقفُ على معنى {لَأَحْتَنِكَنَّ} حيث رجعتُ لتفاسير عدَّةٍ منها تفسير الشَّعراوي رحمه الله في إضاءاته وإشراقاته على المعاني الجليلة في كتاب الله حيث قال إنَّ لها معنيان أولاهما الاستئصال حيث تقول:احتنك الجرادُ الزَّرع أي أتى عليه كُلَّه فاستأصله، أو أنَّ الاحتناك المقصود فيه القهر على التَّصرُّف ومأخوذٌ من اللِّجام الَّذي يوضع في حنكِ الفرس ويُسمَّى بالحَنَكَة وبه يستطيع من يُمسكُ به من توجيه الدَّابةِ أو المركوب كيفما يُريد أجلَّكم الله ،فهوأي اللجام  أداةُ للتَّحكُّمِ والسَّيطرة قهراً وأتى المعنى في تفاسير أُخرى أنَّ الاحتناك معناها الاستيلاء أو الاحتواء وامتلاك الزِّمام والخُطام وكلُّها تدور في فلك السيطرة والاحتواء وامتلاك الناصية والزِّمام ليكون المركوب أجلَّكم الله كالدَّابة في قبضة من يحتنكهُ حيث يتصرَّفُ بأمره ويسوقه كالدَّابة ويمتطيه ويركبُهُ كالبهيمة وهذا حالُ الإنسيِّ الذي يتبع الشيطان فكأنَّه دابةٌ أو حمارٌ لايعقلُ يمتطيه… لأنَّهُ بجهله وحُمقه ذلَّ لهُ ،وأعطاهُ قيادهُ،وأطاعَ أمرَه،وعطَّل عقلَه وفِكرَه ،وسلَّم لهُ نفسَهُ وروحَه.

وقد نبَّهنا مولانا سبحانَهُ لخطره وكيده ،ونفثه ومكره وهمسه ووسوسته ،وأنَّه عدوُ لعين بقوله سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (6) فاطر.

وتشاءُ إرادة الله أن يطلق لإبليس اللعين يده لأنه حصَّن من لاذ به ،وأمَّن من يلوذ بجنابه وهم عباده ليقول المولى سبحانه: {اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا- وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } (63 -64) أجلَّ مارس عليهم كلَّ الحيل بالكيد ،والمكر ،والتزيين ،والتَّزييف ،والمخادعة ، والمخاتلة ،والتأميل ،والإيحاء, والاستفزاز ,وتجسيد وسائل الغواية ,بالأصوات ،والآلات ،والمغريات، والتَّلوين،والحركات والمعازف،والنساء ،والفتن بكل ألونها،والخدع بكل أشكالها، لتضحي السَّاحة ساحة حربٍ وإغواء وفتنةٍ وإغراء وكأنَّها معركة حقيقية  بالخيالة ،والرَّجَّالة ،بالتجهيزات المدرَّعة ،وسلاح المشاة، وكأنَّها ساحةٌ للقتال والمبارزات بكل وسائلها المتاحة لتنبيهنا لخطره وشرِّه ومكره ووسائله وحباله وعزمه على إضلالنا ثم ومشاركتنا في الأموال والأولاد، بالحرام والفجور ،والزِّنا ،والقتل ،والفواحش ،والآثام ،والخطايا والموبقات، بحيث يجعلهم لايُحلُّون حلالاً ،ولايُحرِّمون حراماَ ،ليضحي الأمر مع من يحتنكهم الشيطان وكأنها شركةٌ وشراكةٌ بينه وبين أتباعه ،لكلٍ منهم دور ،ولكلِّ واحدٍ منهم نصيب بالأموال الحرام ،وأولاد الفجور والزنا ،ليعدهم بالأموال والثراء والغنى ،ويمنيهم بالعفو والسلامة والإفلات من العقاب على جرائمهم ،وأنَّ الأمر هين ،ولاشيء عليهم، {يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا} 120النساء.

ولكن هناك من لا قدرة لك عليهم ،ولاسلطان لك أمامهم ولا سطوة لك عليهم ،إنهم عباد الرحمن فأنت أمامهم هباءٌ وخواء ، وأنت قبالتهم فراغٌ وهواء ،أولئك عبادي ،من اتصلت قلوبهم بي ،فهم محصَّنون حيث أشرق في قلوبهم نور الإيمان ،ولاذوا بربِّهم الدَّيَّان ،وكفى بربِّك وكيلاً عليهم يقول المولى سبحانه: “إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا” (65) الإسراء.

فهو يعصمُ ،وينصر ،ويهدي ،ويقي ،ويبطل كيد الشيطان ،ويُزيل كيده ومكره ،أجل والله إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفا
لأختتم بأولئك الذين اختاروا طريق الهداية وساروا في طريق النور من تكون لهم السعادة التامة في الدارين أولئك أولياء الله فهو مولاهم ووليهم وهو يحفظهم وينجيهم يقول المولى سبحانه: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }(64) يونُس
اللهم اهدنا لهداك ،واجعل عملنا في رضاك، وألهمنا شكرَكَ وتقواك، واختم لنا بالحسنى اللهم آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>