نِعِمَّا رجالٌ عرفتهم “21” : الشيخ وليد سلمو صعب حفظه الله

الزيارات: 1310
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6630264
نِعِمَّا رجالٌ عرفتهم “21” : الشيخ وليد سلمو صعب حفظه الله
محمد إياد العكاري

 

ما أجلَّ مقامَ حفظة القرآن ،وما أعظمَ قدرهم ومَقامَهم في الدَّارين
أجل وكيف لا وهم أهل الله وخاصَّته ،وصفوة الخلق ونُخبته ،وأعظم النَّاس كرامةً وقدراً في الدُّنيا والآخرة
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّمَ قال: {إنَّ لله أهلين من النَّاس قالوا:من هم يارسول الله؟!قال :أهل القرآن هم أهل الله وخاصَّته }صحيح الجامع 2165

وكيفَ بهم إذا كانوا ممَّن يتدارسونه ويتعلَّمونه ويتفقَّهون به ويُعلِّمونه ؟!
أليس الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلَّم يقول كما روى عنه الصَّحابيُّ الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه:{خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه }أخرجه البخاري

وهنا يُخبِر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أَفضلَ المُسلمينِ وأَرفَعَهم ذِكرًا وأَعلاهُم عِندَ اللهِ دَرجةً مَن تَعلَّمَ القُرآنَ؛ تِلاوةً وحِفظًا وتَرتيلًا، وتَعلَّمَه فِقهًا وتَفسيرًا، فأصبَح عالِمًا بمَعانيه، فَقيهًا في أحكامِه،وعلَّم غيرَه ما عِندَه مِن عُلومِ القُرآنِ مَع عَملِه به، وإلَّا كانَ القُرآنُ حُجَّةً علَيه،فخَيرُ النَّاسِ مَن جَمَعَ بينَ هَذينِ الوَصْفين تعلَّمِ القُرآنَِ وتعليمه لغيره.

وفي هذا بَيانُ شَرفِ القُرآنِ وفَضلِ تعلُّمِه وتعليمِه، وفَضلِ حامِله ومُعلِّمِه، وأنَّه خيرُ المُؤمنينَ؛ لأنَّه أعظَمُهم نَفعًا وإفادةً.
{يقول المولى سبحانه ثمَّ أورثنا الكتاب الَّذين اصطفيْنا من عبادنا}.

وأهل القرآن في مقدَّمتهم فهم الأصفياء والصَّفوة من الخَلْق،فعن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فسمعته يقول :{إنَّ القرآنَ يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقُّ عنه قبرُه كالرَّجلِ الشَّاحب فيقول:هل تعرفني؟! فيقولُ:ماأعرفك، فيقولُ له:أنا صاحبك القرآن أظمأتُ نهارك،وأسهرتُ ليلَك،وإنَّ كُلَّ تاجرٍ من وراء تجارته،وإنَّك اليوم من وراء كلِّ تجارة، فيُعطى المُلكَ بيمينه،والخُلدَ بشماله،ويوضع على رأسه تاجُ الَوقار ويُكسى والديه حُلَّتين لايقوم لهما أهلُ الدُّنيا،فيقولان بم كسينا هذه؟! فيُقالُ لهما بأخذ ولدكما القُرآن ثم يُقالُ:اقرأْ واصْعدْ في درج الجنَّة وغُرَفَها فهو في صُعودٍ مادام يقرأهادَّاً كان أم ترتيلاً}رواه الإمام أحمد وحسَّنه الحافظ

ما أعظمها من درجات ، وما أعلاها من مقامات،وماأجلَّها من كرامات،أجل وحافظ القرآن مع السَّفرة الكرام البررة،وهو مقدَّمٌ على النَّاس في الدُّنيا والآخرة ،ويوقى حامل القرآن من النَّارولاتحرقه كما جاء عند الدارمي في سننه قال :سمعت عقبة بن عامر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو جعل القرآن في إهاب ثم أُلقي في النار ما احترق . سنن الدارمي ج2/ص522
وقد اختار بعض المحققين أن المراد بذلك هو حافظ القرآن ولعله الأقرب والله أعلم ويرجى لمن القرآن محفوظٌ في قلبه أن لاتمسه النَّار كما روي عن أبي أمامة قال رحمه الله: (احفظوا القرآن فإنَّ الله لا يُعذِّبُ بالنَّار قلباً وعى القرآن)

أيها السَّادة الأفاضل حديثي عن رجلٍ فاضلٍ كريم أعجزُ عن إيفائه حقَّه ، كلُّ ماسُكبَ قبل من بُروده وحُلله ،ومن سماته وصفاته فهو علمٌ من أعلام القرَّاء ،ومعلٍّم الأجيال القرآن على مدار أربعة عقودٍ في الأحساء،بدرٌ منير في ليالي الإيمان وشمسٌ مضيئةٌ في أيام القرآن تأنس إليه ، وتسعد برؤيته لمايسكبه محيَّاه من راحةٍ واطمئنان، البشاشة تسكن مُحيَّاه ،والابتسامة لاتفارق وجهه،تستشعر بالأنس حين تلقاه ، وتشعر بالطمأنينة بمجالسته ، ليُعرِّش الياسمين الفوَّاح نقاءً وصفاءً بلقائه ،ويفوح حديثه عبقاً وطيباً بكلماته حيث يكون ،وينداح الأنس لطفاً ووداداً بلطائفه وطرائفه وحكمته وظرائفه هكذا كان مُذ عرفته منذ أربعة عقودِ ومجيئي إلى هذه البلدة الطيبة الأحساء.

وقد تشرفت بالتعرف عليه منذ قدومي للأحساء ،وكان بيننا إخاءٌ وود، وصحبةٌ وعهد،وزياراتٌ وزيارات،ولقاءاتٌ وذكريات، حتى أنَّه كانت لنا لسنواتٍ عدَّة داريةٌ شعريةٌ ثقافيةٌ ماأجمل ذكرياتها ، وأجمل مافيها من شعرٍ، ونثر، وقصص ،ولطائف ،وحِكَمٍ، وظرائف من عيون الأدب والشعر والبيان،كانت هذه الدارية تضم مع شيخنا الشيخ وليد سلمو صعب حفظه الله اأستاذنا وشاعرنا القدير بحتريَّ الأحساء الأستاذ يوسف عبد اللطيف بوسعد رحمه الله وكانت بينهما علاقةٌ خاصة وزمالة عمل في ثانوية القارة حيث كان الأخير مديراً والشيخ مدرساً تلك التي سطرت فيها مع بعضهما أجمل القصص والطرائف ، وكانا قبل في ثانوية الملك خالد بالأحساء عام ١٤٠٦ه وقد اجتمعا فيها مدرِّسين لسنوات عديدة في الهفوف ولربما اجتمعا في فصلٍ واحد كما حصل عام ١٤٠٦ه وقد انتفع بهما الطلبة انتفاعاً عظيماًوكذلك كان في داريتناأستاذ الأدب والنقد في جامعة الإمام محمد بن سعود د.عبد الرزاق حسين حفظه الله، وكذلك د. بشار العابد حفظه الله وكذلك الأستاذ القدير في إدارة التعليم محمد السلطان رحمه الله، وكانت تنشط الدارية بقدوم والدي الشاعر والأديب والصحفي الأستاذ صلاح الدين العكاري رحمه الله وكنت أسعد بهذه اللقاءات الأدبية والثقافية وبما ينهلُّ ويتقاطر منها من درر البيان ،وجواهر الآداب ،ولطيف القصص، وقطوف الحكم.

عرفت الشيخ وليد أخاً عزيزاً ،ومُربِّياً فاضلاً ، وشيخاً مُقرئاً ، ومُعلِّماً قديراً، عرفته أستاذاً في الذَّوق، أديباً وشاعراً ، حافظاً وقاصاً ، صاحب لفتات سحرية ، وطرائف أدبية ، وقصصٍ نادرة، وروائع شعرية، قدرهُ كم يُجلُّ ، وحديثهُ لايُملُّ، وأنسُهُ يعمُرُ المحلَّ، ثقافته عالية ، وذخيرته اللغوية بحار تكتنز الدرر واللآلئ، تحوي جعبته الكنوز والجواهر من كل فنٍ من فنون البيان كأنَّها خزائن للآداب .كنت ألقاه دائماً عند الشيخ علي الألمعي حفظه الله في مزرعته ولعهدٍ قريب وكان بينهما ودٌ وتحابٌ ، وإخاءٌ وتقدير لتتحول فيما بعد إلى مصاهرة ونَسَب ووشائج وقربى أدام الله الود ،كلٌ يُجلُّ ويذكر الآخر بكلِّ فخرٍ وتقدير وإخاءٍ وثناء.
أما حديثي عن الشيخ وحلقاته ودروسه وجلساته فَأَكِلُها إلى أحد طلَّابه النُّجباء الَّذي فاز بالمسابقة الدولية لتحفيظ القرآن لتقرأوا إلماعته عن الشيخ بخطِّ يده فهي أبلغ من أيِّ مقالٍ ومقال وإليكموها وهي للشيخ الفاضل والأخ الكريم والحافظ النحرير الشيخ ابراهيم التنم حفظه الله وأمثاله حيث كاتبته في شيخه فأرسل لي مشكوراً: إلى سعادة الأخ الكريم المفضال الأثير د.محمد إياد العكاري وفقه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه إلماعة يسيرة عن حياة شيخي وأستاذي الوالد الكريم وليد سلمو صعب الحلبي حفظه الله وأمتعنا بحياته.
كان حفظه الله دمث الأخلاق, طلق المحيا, تعلوه ابتسامة دائمة, أحبه أهله وجيرانه وأصدقاؤه وزملاؤه, بل وطلابه وتلاميذه.
طيب القلب, محباً للخير, ناثراً للفائدة, عظيم الصبر على التعليم والإقراء, يتمتع بأدب ولين معشر وسهولة في التعامل.
ينصح ويوجه ويربي برقة ولطف ومداراة.

كان أول يوم التقيته في حلقته العامرة في جامع أبي بكر الصديق رضي الله عنه عام 1403ه, يشرح درس تجويد, وكان في باب هاء الكناية, فوقعت عينه عليَّ فطلب مني القيام وإعادة تعريف هاء الكناية, فأعدتها فحفزني وشجعني ودعا لي, وفي آخر الدرس اقترب مني وقال: غداً تأتينا لكي تبدأ معنا حفظ القرآن.
كان يقتنص أي فرصة ليدعو أي شخص لحفظ القرآن الكريم والالتحاق بالحلقة, فذكرني بموقف مصعب بن عمير رضي الله عنه وقوله: إن يجلس أكلمه.

كان حفظه الله عظيم الصبر والمصابرة على التعليم وترتيب الحلقة والحرص على الاستفادة من كل دقيقة وقت المغرب, فأقر الله تعالى عينه بحفظ العشرات بل المئات من الطلاب على يديه.
قسَّم حلقة القرآن قسمين: للصغار والكبار.

والكبار أقسامٌ, حلقةٌ تلقينية لجزء عم وتكراره وحفظه, ثم ينتقل الطالب بعدها للقسم الثاني إلى جزء الأحقاف ثم إلى العنكبوت, ثم إلى الكهف ثم إلى التوبة ثم النساء ثم ينتقل الطالب في المستوى السابع لدى الشيخ لختم القرآن على يديه.
من حسن عنايته بضبط الطلاب للقرآن الكريم, أنه لا يقبل بحفظ المقطع عن ظهر قلب حتى يتم عرض المقطع نظراً على من هو سابق للطالب في الحفظ.

وكان عادة يتمثل بهذه الأبيات:

يَظُنُّ الْغُمْرَ أَنَّ الْكُتْبَ تَهْدِي** أَخَا فَهْمٍ لإدراكِ الْعُلُومِ
وَمَا يَدْرِي الْجَهُولُ بأنَّ فِيْها **غوامضَ حَيَّرَتْ عَقْل الْفَهِيْمِ
إذَا رُمْتَ الْعُلْومَ بِغَيْرِ شَيْخٍ ** ضَلَلْتَ عَنِ الْصِّراطِ الْمُسْتَقِيْمِ
وَتَلْتَبِسُ الأمورُ عَلَيْكَ حَتَّى ** تَكونَ أَضَّلَ مِنْ تُوْمَا الْحَكِيْمِ

وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم، جعل يوم السبت وقتاً للمراجعة- عندما كانت الإجازة يوم الخميس والجمعة- فمن كان لديه خمسة أجزاء يأتي يوم السبت بجزأين, ومن لديه عشرة يأتي بثلاثة أجزاء, ومن لديه خمسة عشر جزءاً يأتي بأربعة أجزاء, ومن لدية فوق ذلك يأتي بخمسة أجزاء, فارتقت عناية الطلاب بالحفظ والضبط والمراجعة.
كان مغرب الثلاثاء من كل أسبوع درساً نظرياً في التجويد.

فاعتنى حفظه الله بالقرآن إقراء وحفظاً ومراجعة وتجويداً.
ولذا من المفاخر التي تعد في وقته أن الأحساء كانت تتربع على المنطقة الشرقية بلا مدافع في تخريج حفظة كتاب الله تعالى.
ولذا فاز ثلاثة من طلابه في المسابقة الدولية, الشيخ عبدالله بن حواس الحواس, والشيخ سعيد بن عبدالله الدهموش, ومحدثكم عفا الله عنه.

من جميل تلك الأيام الخوالي أنه جعل صباح يوم الخميس لقاء بالطلاب لقراءة ما تيسر من القرآن ثم الاجتماع على مأدبة إفطار, كان يحصل فيها من الأنس والبهجة وزيادة المحبة وحسن الفائدة الشيء الكثير.

زرع في قلوب تلاميذه محبته بحسن تعامله وحرصه عليهم والوقوف معهم والسؤال عنهم, كما أنه كان عظيم الصلة بأولياء أمور الطلاب, يسأل عنهم ويحملنا السلام لهم. حتى إذا توثقت هذه العلاقة بذل الطلاب نفيس أوقاتهم للقرآن وحفظه ومراجعته.
كان دائما يردد: من أراد الكرامة فعليه بالاستقامة. استطاع أن يجمع أثناء تعليمه رباعية النجاح التي رددها الأولون:
شيخ فتاح
وطالب لماح
وكتب صحاح
ومداومة وإلحاح.

من كلماته التي طالما سمعناها منه وهو يربي فينا خلق الإسلام, يقول: من نعمة الله على الواحد منا أن جعله خادماً معلماً لكتاب الله, ليس لأحد منكم فضل على من جاء ليتعلم منكم القرآن بعد أن حملتموه, فهذا واجب عليكم أن تعلموه وإلا أثمتم.
هذه نبذة سريعة كتبتها في دقائق معدودة نزولاً عند رغبتكم..
وللحديث بقية عن جوانب كثيرة في حياة شيخنا المبجل.
شكرا لكم حبيبنا الكريم, وفقكم الله وسدد خطاكم.
وهذه بعضٌ مما في جعبته جعبة الشيخ الفاضل إبراهيم التَّنم حفظه الله تجاه شيخنا القدير وعلمنا الأثير أطال الله بعمره ونفع به وتوجه بالصحة والعافية والذي تولى بعد عودته حلقات تحفيظ للقرآن في مدينته الأصيلة مدينة العلم والعلماء ،والمسمَّأة بحلبَ الشهباء إحدى قلاع الدين في الشام ، وقد ذُكر لي أنه لما أتى الأحساء كان فيها ثلاث حلقاتٍ لتحفيظ القرآن وغادرها وفيها بفضل الله ثلاثمائة حلقة مشرفاً عليها وموضوعي في ذكرمآثرالشيخ وليد سلمو صعب ومناقبه لاينتهي ولكن حسبي من القلادة ماأحاط بالعنق لأقول على لسان شاعرناالمجيد أحمد تيسير كعيد
خيرُ مَنْ في الأرضِ عبدٌ=قد أطاعَ اللهَ ربَّهْ
خاشعٌ، بَرٌ،رحيمٌ = يعمُرُ الإيمانُ قلبَهْ
في كتابِ الله يحيا=قد أضاء اللهُ درْبَهْ
قلبُهُ بدرٌ مٌنيرٌ= يملأ الدُّنيا محبَّة
هكذا أحيا رسول الله بالإسلام صحْبَهْ
وكأني به من هؤلاء ولانُزكِّي على الله أحداً

أسأل الله أن يجزيه عنا كل خير، ويبارك له في عمره وصِحَّته، وعمله وأثره ،وذرِّيته وعقبه، ويجمعنا به تحت ظلِّ عرشه فإني أحِبُّه ، والحمد لله رب العالمين

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>