الفيروس وهـشاشة العالم

الزيارات: 628
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6629069
الفيروس وهـشاشة العالم
خالد المحيفيظ

يمكن الافتراض أن العالم لم يمر بمرحلة تاريخية شبيهة بما تمر به البشرية هذه الأيام، لا من ناحية الانتشار الواسع لوباء ، ولا من ناحية التداعيات الاجتماعية والاقتصادية و ربما السياسية التي سببها الإغلاق التام والشلل الاقتصادي المصاحب .

فالتداعيات التي تركتها وتتركها كارثة فيروس كورونا اكدت للبشر انهم يعيشون حقيقة وليس مجازآ في قرية صغيرة اسمها الارض.

فمع التشابك المعولم ، لم تعد حرية الحركة للبشر و الأشياء مثل الأموال والبضائع بل اصبح للأشياء الغير مادية والغير مرئية مثل الفيروسات شديدة الانتشار .

مثل كل حدث، انقسم الناس بين أصحاب نظرية المؤامرة ، المصدر الإلهي أو ان مصدر الفيروس طبيعي مثله مثل الأوبئة التي فتكت بالبشر في الماضي مثل الطاعون ، الانفلونزا الأسبانية ، الجدري ، الكوليرا ، أنفلونزا الطيور ، سارس ….الخ .

لعل نظرية المؤامرة هي أكثرها بروزآ وهـيمنة على الناس كونها متعددة المحاور وهي الأقرب الى فكر الكثير من الناس وذلك بسبب السياق العام للعلاقات الدولية و بنية النظام العالمي الحالي .

بغض النظر عما تؤول اليه الأمور في الأسابيع و الشهور القادمة الا ان ما حدث ويحدث هو اكبر دليل على هـشاشة العالم ، كما يوضح ان سيادة الانسان على الارض به الكثير من المبالغة .

مرت قرون على تطور الفكر لدى البشر من كون الإنسان عضو فاعل من ضمن كائنات اخرى تعيش على الارض من نبات وحيوان ، الى ان وصل الى مرحلة لا يعطي لمحل إقامته اَي اهتمام مع تجذر اعتقاده انه سيد الارض بل سيد الكون . وهو بسبب هذا الاعتقاد أعطى أهمية الى المنافع الاقتصادية على غيرها من المنافع وترك الفقر ، الجهل والفساد تعيث فسادًا وقام بتوجيه الأموال الى استثمار مفرط في الشؤون العسكرية .

*تهديد مشترك

تختلف كارثة كورونا في انها ، وبسبب انتشار الوباء في معظم المناطق المأهـولة ، جعلت سكان الارض يشعرون بتهديد مشترك، وبدأ اعتقاد الإنسان انه يتحكم بكل شئ يتداعى .

اذا صدقت الرواية الصينية عن مصدر الفيروس فهذه الجائحة هي بمثابة ذروة موضوع قديم جديد يتعلق بما فعله ويفعله الانسان في تعامله مع البيئة والطبيعة . كما يمكن ان ينظر الى هـذه الكارثة على أنها جرس إنذار تذكر الانسان بأن البيئة

التي يعيش في وسطها تحتاج الى مزيد من الانتباه .

فالإنسان منذ ما يقارب قرنين بدأ رحلة سيادة الارض يفعل بها ما يشاء ، مما ادى الى نتائج وخيمة لعل اهـمها الاحتباس الحراري ، تلوث مياه الأنهار ، تهديد الغابات المطيرة و تهديدات المنشآت النووية.

سيادة الإنسان ترجمها السياسيون والاقتصاديون الى اطماع في الموارد والأراضي .

اصبح لدى السياسين سباق محموم على الموارد الأولية من ذهب اسود و ذهـب أصفر وموارد أولية اخرى وحتى صراع على مجاري المياه والأنهار مما ادى الى حروب في جهات الارض الأربع باستخدام قنابل نووية وأسلحة معتمدة على أخر ما توصل اليه البشر من تقنيات .

من جهتهم بدأ الاقتصاديين في تدمير الارض والبيئة ، الأنهار والغابات وحتى الانسان نفسه حيث انتشر الفقر ، الجهل واستغلال الإنسان باسم الرأسمالية المتوحشة !.

*ماذا يحتاج العالم

العالم مابعد الفيروس سيكون مختلف لما قبله ، فالأبعاد الاجتماعية ، الاقتصادية و السياسية ستتغير وسيعبر عن هذه المرحلة في كتب تاريخ المستقبل انها مرحلة فارقة .

يظهر بين وقت لآخر من يمدح دولة ما في انتصارها المبهر في حربها على الفيروس !.

بينما القضية ليس في انتصار بل نجاح في معركة من حرب طويلة الأمد مع عدو قديم / جديد شرس هي الفيروسات والأوبئة .هناك في كل أزمة جانب مضئ ولعل هذه الكارثة درس وعبرة للسياسيين والاقتصاديين بحيث يجعلون من الإنسان و البيئة في مركز الاهتمام وليس فقط محور اهتمام من اجل الربح والمنفعة .

تبدأ صيانة حياة الإنسان من الاهتمام بالبيئة والتي يحتاج السياسيون الى أخذ بعض القضايا اكثر جدية . فالأحتباس الحراري ، مخاطر حروب نووية و التلاعب والعبث بالجينوم البشري هـي قضايا دائمة الحضور في اجتماعات قادة الدول ، لكن يبدو ان اولويات الدول بعيدة عن تلك القضايا .

على عكس حقبة تفشي الفيروس والتي اتخذت كل دولة على عاتقها ادارة الازمة منفردة معتمدة على اسلوب التعلم والتجريب فالحقبقة ما بعد الأزمة تحتاج إلى عمل وتعاون مشترك من قبل جميع الدول وذلك ضمن منظمة الصحة الدولية.

على عكس العقود الماضية والتي كان المسرح العالمي للمنظمات الدولية تملؤه منظمة الامم المتحدة ، صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي و المحكمة الدولية ، فالمستقبل لابد ان يكون لمنظمة الصحة الدولية دور أكثر محورية.

كما يفترض أن يكون هـناك تعاون اكبر مما سبق وتوافق بين الدول ، بعيدآ عن المناكفات السياسية ، على مسائل هـي من صميم مصلحة البشر والبيئة.

المستقبل أيضا يحتاج الى تغيير نمط التفكير فيما يخص اولويات الصرف و توجيه الاستثمار ، كما هـناك حاجة الى اعادة تعريف لمصطلح التنمية يسمح بأعطاء اولوية لحل مشكلات الفقر و ايجاد حلول جذرية للمسببات التي تؤدي الى تهديد الصحة في المناطق التي يعيش فيها الانسان .

أمضى البشر وقت طويل وهم يتكلمون عن فيروسات الكومبيوتر ، فيروسات الشبكات الحاسوبية والحروب الالكترونية …لكن مع ما يستجد من احداث يبدو ان البشر سيمضون العقود التالية وهـم يبحثون عن حلول لما يستجد من أوبئة والقلق من الحروب البيولوجية .

بمجرد ان ينتهي وباء فيروس كورونا ، سيبدأ البشر في مرحلة جديدة من الوعي بالمخاطر التي يمكن أن تهدد وجودهم يشبه احساس ركاب الباخرة في المقطع التالي *١

“الناس على ظهر الباخرة في البحر ، يتكلمون ويضحكون بلا اكتراث ، و يتجاذبون أطراف الحديث كما على الأرض الصلبة ، ولكنه حالما تتوقف الباخرة للحظة ، و حالمًا تظهر أقل إشارة إلى شئ ما غير معتاد تلوح على جميع ألوجوه فورآ مسحة من القلق التي تدل على الاحساس الدائم بالخطر المستمر “.


*١ الكاتب الروسي أيفان تورجينيف

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>