نِعِمَّا رِجالٌ عرفتُهُم(17): الأستاذ محمد إبراهيم السويلم

الزيارات: 1205
تعليقان 2
https://www.hasanews.com/?p=6625317
نِعِمَّا رِجالٌ عرفتُهُم(17): الأستاذ محمد إبراهيم السويلم
محمد إياد العكاري

يقول الصَّحابيُّ الجليل علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهَه: “من عاملَ النَّاسَ فلم يظلمهُم، وحدَّثهم فلم يكذبهُم، ووعدهم فلم يُخلِفْهُم،كان ممَّن كَمُلتْ مروءَتُه، وظَهَرَتْ عَدَالَتُه،ووَجَبَتْ أُخُوَّتُه”.

الأخلاق الفاضلة والتعاملات الرَّاقية هي ثمرات وقُطُوفُ المروءة ،والعلاقات السامية هي جمالُ ورفعة العلاقات الإنسانية،وهي التي تُمَيِّزُ كرام النَّاس ،وتُظهرُ أهل الفضل منهم، بل وتكشفُ معادنهم ،وتُريك جوهرَهُم ونفائسَهم، أجل ويانِعِمَّا مكارمَ الأخلاق وأثرها في حياة النَّاس وفِعلها في المجتمعات ولذلك قال الحبيب المصطفى عليه الصَّلاة والسَّلام:
(“إنَّ أحبَّكُم إليَّ أحاسِنُكُم أخلاقا،الموطئُون أكنافا،الَّذين يألَفونَ ويُؤلَفون،وإنَّ أبغضَكُم إليَّ المشَّاؤون بالنَّميمة، المُفرِّقونَ بين الأحبَّة،المُتَلّمِّسون للبرآءِ العَنَت”) رواه الطَّبراني في الأوسط.

إنَّ حُسنَ الخُلُق هوجوهر الدِّين ،وهو الكَنْزُ الحقيقيُّ للمرء، مفترشاً فيه المودَّةَ والأُلفة،باسطاً لين الجانب للنَّاس،مُظهراً البِشرَ وطلاقةَ الوجه ليتلألأمَحيَّاه ويسَّاقط النُّورُ كالدُّرِّ من معالم وجهه.

وأَحسَبُني بفضل الله لاقيتُ العديد منهم ،ولانُزكِّي على الله أحداً ،لكنَّنا نشهدُ بما علمنا ، وألسنةُ الخلقِ أقلامُ الحقِّ،والنَّاسُ شهودُ الله في أرضه.

وكان من هؤلاء ولانزكي على الله أحداً الأستاذ الفاضل محمد إبراهيم السُّويلم حفظه الله حيث كان لي شرف التَّعرف عليه مع بداية عملي كأول طبيب أسنان للحرس الوطني في الأحساء في منتصف عام 1402هـ وقد تنقلت في عدة أماكن فيها إلى أن استقرَّ بي المقام في مستوصف إسكان الحرس الوطني في المدينة السَّكنية بالأحساء بعد افتتاحها وكان مستوصفاً نموذجياً متكاملاً، يقع في وسط المدينة السكنية الجميلة، التي تضمُّ الحدائق،والخدمات،والمرافق، والمدارس بجميع مراحلها للجنسين .
كانت أياماً جميلةً لاتُنسى،وذكرياتٍ عَبَرتْ وكأنَّها حُلُمٌ جميلٍ مرَّ وكان كأنَّه ماكان.
كان الأستاذ الفاضل محمد إبراهيم السويلم يشغل حينها مدير عام الإدارة بوكالة الحرس الوطني في المنطقة الشرقية ،كانَ بحقٍ أخاً كبيراً ، ومسؤولاً راقياً ،وودَّاً كريماً ، وصديقاً نصوحاً،وخلَّاً وفيَّاً،وقف معي مُذ قابلتُه عام1402هـ مع مباشرتي العمل وحتَّى آخر يومٍ لي فيه عام1413هـ.

ومعرفتي به بدأت حين تقدَّمتُ بطلبٍ لاستقدام أمي وأبي للإقامة معي في المملكة حيث أبدى اهتمامه وحرصه وعمل على مُتابعتها في الرِّياض ،وأوصى عليها أخاه الذي كان يعمل في المكتب الخاص في الرياض فكان أن جاءت الموافقة ولله الحمد والمنة بسرعة البرق على جناح البُراقِ فجزاهُ وجزاهم الله عني كل خير .

والحقُّ أنَّه كان له الفضل بعد الله في استقدام والديَّ ريحانتي فؤادي ،وجنَّة دُنيايَ وآخرتي للإقامة معي في المملكة في الأحساء فله مني الشكر والتقدير والدُّعاء ماحييت حيث تمكنت بفضل الله في السنة الأولى من قدومي للمملكة من الحج مع والديَّ أمي وأبي وزوجتي ووالدتها وماكان ذلك ليتم لولاقدومهما وذاك التيسير الذي كان في المعاملة بفضل الله وسعي صاحب مقالتي هذه ،وقد نشأت بيني وبينه علاقةٌ طيبة ، وصداقةٌ حميمة وودٌ وتقدير كبير ،وكان إضافةً لعمله ومنصبه أديباً ذوَّاقاً،واسع المعرفة والاطلاع ،غزير الثَّقافة،عظيم الخبرة والتَّجربة في الحياة،أجل نشأت بيننا علاقة طيبة كانت تُروى بالتواصل والمودَّة، وتُسقى بالدُّعاء والوفاء وماتزال بفضل الله .

كانت أياماً جميلةً لاتُنسى وكنت أزوره بين الفينة والفينة كلما كانت لي مراجعة أو معاملة في الوكالة لترجع بي الذاكرة إلى يوم قدومي للرياض للفرز لمكان العمل قادماً من باريز من فرنسا فدخلت مع د. محمد الشهاب رحمه الله وهو من الأحساء وكان يشغل مدير عام الخدمات الطبية في الحرس الوطني فدخلنا إلى مكتب وكيل الحرس الوطني الأستاذ عبد العزيز العلي التويجري حفظه الله في الرياض ودار بيننا حديثٌ لطيف أبديت فيه رغبتي بأن أعمل في الحجاز حيث الحرمين الشريفين زادهما الله مقاماً وجلالا وكلي رغبةٌ وحماسٌ وشغفٌ وشوق إلى ذلك وإذ بالوكيل حفظه الله يبتسم ويقول دكتور إن في الحرم أكثر من مائة باب ولكن لن تدخل من أيٍ منها… للأسف فلا شواغر والمكانان الشاغران في حائل والأحساء فأشار عليَّ د. الشهاب رحمه الله أن عليك بالأحساء وهو كما ذكرت منها وقال ستُسرُّ فأومأتُ بالموافقة وكل خليةٍ من خلايا جسدي تعترض دون أن تنطق ببنت شفة رغبةً مني بالعمل بجوار الحرم ولم أكن في حياتي قد سمعت بهما أي الأحساء وحائل أو قرأت عنهما،ولم يذكرا لي من قبل البتة وقد خطر لي عندما ذكرا لي أني سأكون في مضارب بني عبس أو خيام بني غطفان أو أو…فدارت بي الدُّنيا لحظتها ولكني تمالكت نفسي واستعدت رباطة جأشي وكان ماكان فودعت الوكيل ود. محمد الشهاب وسلَّمت أمري لله مستسلماً لمراده متجهاً إلى هَجَر.
وبعد قدومي للأحساء تغيَّر حالي وسكنت نفسي وهدأت روحي واطمأنَّ فؤادي وأشرقت مشاعري في واحةٍ من أكبر واحات العالم حيث طيب العشرة ، وطلاقة الوجه ، وجمالُ الصُّحبة ، وأنس الجوار، وحسن التعامل ، وقد ألفتها وأهلها،وأنست بصحبتهم ، وسعدتُ بجوارهم ، تعرفت على رجالاتها ، وصحبت وجهاءها، وتعرفت على أدبائها وشعرائها، وأنست بمجالسها وداريَّاتها وقد طاب لي المقامُ بهجر والعيش فيها .

المهم أنَّ د. محمد الشهاب أتانا في زيارة تفقدية لمستوصف الإسكان في الحرس الوطني وزارني في المكتب في قسم الأسنان فيه ثمَّ مالبث أن بادرني بقوله مارأيك لو ننقلك من مكانك!؟ وهو يتبسَّم ….فقلت له الحمد لله ألفتها وألفتني وأنا مسرورٌ في الأحساءوأظنهم كذلك مسرورن مني.فابتسم ابتسامةً عريضة وكأنَّه يُذكِّرُني بنصيحته لي فيها. وقد توفي رحمه الله قبل حوالي سنتين تقبله الله في الصالحين . أمَّا أستاذنا الفاضل محمد إبراهيم السويلم حفظه الله وأطال في عمره فقد كان يزورني في بعض الأحيان أثناء زياراته لمواقع وإسكان الحرس الوطني وذات مرَّةٍ عرض عليَّ أن أنتقل إلى الخبر حيث الثقل والمركز والبحر و مرجعيتي في وكالة الحرس الوطني في الخبر وكان ظنُّه أنه سيُفرحني لكني أجبته ببيتٍ من للشِّعر للمتنبي قلتُ صدرهُ فقط ولم أُكملْهُ قُلتُ:
خُلِقتُ ألوفاً لو رجعتُ إلى الصِّبا
فقال لي مبتسماً( خَلِّك خلِّك) والبيت يقول:
خُـلِقتُ ألوفاٍ لو رجعتُ إلى الصِّبا … لفارقْتُ شيبي موجَعَ القلب باكيا

أجل كان أستاذي الفاضل محمد إبراهيم السويلم حفظه الله ورعاه معي في كل موقف طيلة عملي في الحرس الوطني حيث قضيت أحد عشر عاماً من أجمل سنيِّ عمري وما أجمل ذكرياتي فيه عساني تركت فيهم أجمل وأطيب الأثر.

وكنتُ على تواصل مع أستاذنا الفاضل قبل وبعد استقالتي من الحرس الوطني وعملي في القطاع الخاص وإن كان هناك بعض التقصير مني أطلبُ منه السَّماحَ والعُذر وكان لأستاذنا عادةٌ سنوية بجوار الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام والمقام في الروضة الشريفة فهنيئاً له هذا الجوار وهذا المقامُ هناك في طيبة الطَّيِّبة

وكنت كتبت قصيدةً أبثًُّ فيها شوقي لطيبة الطَّيِّبةَ قلتُ في مطلعها:

أشواق إلى طيبة
مــــا لــلـفُـؤَادِ ونَـبـضُـهُ حـــدُّ
… ووجــيــبُـهُ والــقـلـبُ يــنـقـدُّ
والنَّفسُ ولهى هاجَت الذِّكرى
… والـشَّـوقُ فـيها والـهوى وَقْـدُ
والــرُّوحُ تَـسـمو فــي تَـطَلُّعها
… نـحـو الـمـعالي هـزَّهـا الـوجدُ
وطُـيُـورُ عِـشْـقٍ تَـقـتفي أثَـراً
… يـــــا لـلـتَّـألُّـقِ فــيـضُـهُ مَــــدُّ
يـــا لـلـمَشاعرِ هُـيِّـجَتْ وبِـهـا
… روحٌ تـطـيـرُ وطَــائـرٌ يَــشـدو
* *  * … * *  *
فــي طـيبةَ الأطـيابُ نَـأنَسُها
… حـيـث الـنَّدى والـجُودُ والـودُّ
حـيثُ النُّبوةُ شَمسُهَا سَطَعت
… حـيث الـرِّسالة سَـطرُهَا مَجْدُ
فـتـألَّقَت مــن نُـورهـا الـدُّنـيا
… والأرضُ عـــرسٌ لـلـهدى وِرْدُ
يــاســيـرةً شـــعَّــت لآلــئــهـا
… مـشـكـاةُ نــور ٍزيـتـها الـحـمدُ
كُـــلُّ الـمـآثر فــي صـحـائفها
… والـحـقُّ فـيـها غـرسُـهُ الـجِـدُّ

وقد كان آخر عهدي به قبل سنوات عندما زرته في بيته الجديد في الدمام مع أخي الحبيب د. حسن حتاحت حفظه الله وكانت سهرةً أدبية ممتعة رائعة حدَّثنا فيها عن ذكرياته في الشام مع علمائها وأدبائها عندما كان في شبابه ويحمل لها كما تحمل له كل الحبِّ والتَّقدير والودِّوالإكبار.
وكنت زرته قبل مع أهلي في منزله الكائن في الجلوية وكم سعدنا باللقاء وسررنا بزيارتهم ومعرفتهم وكذلك كان شعوزُ أهلي مع أهله.
وقد وصلني في أحد الأيام رسالة مختومة منه ، كانت غايةًفي الأدب والمروءة شفت الأصالة ،وأبرزت العراقة ،تنضح بالصِّدق ، وتعمُرُ بالحقِّ، وتمتح الودَّ، نُصحاً وحُبَّاً ونقاءً وصفاءً فكان جوابي له بتاريخ ‪15/9‬/1409م الموافق20/4/1989
(بطاقة وفاء )عرفاناً بالجميل وتقديراً لأهل الفضل وإحياءً لذكرياتٍ تحكـي المروءة والشَّهامة ودعاءًمني لهذا الرجل الفاضل مع كل نبضٍ في فؤادي ووفائي له ماحييت

فإليه أهدي ..

بطاقة وفاء
ألا أفـصـحـنْ يـاقـلبُ نـفـحةَ شـاعِـرِ
… بـنـبضٍ وفــيٍ مـن شَـغاف الـمشاعِرِ
بــدفـقٍ زكــيٍ مــن خـوافـق مـهـجةٍ
… وفـيـضٍ نــديٍ مــن ســريِّ الـسَّـرائرِ
لـــذاكَ الــذيـن أنـــدى الـفـؤادَجميلُهُ
… وأثـلـجَ صــدراً مــن مـعينِ الأواصِـرِ
لــذاكَ الَّــذي ذكــراهُ بـالـطِّيبِ ذائــعٌ
… عــلـى كـــل أفـــواهِ الـكـرامِ بـعـاطرِِ
لـــذاك الـــذي ألــقـى عــلـيَّ نـفـائساً
… وأســرج فــي يـيـمناهُ لـيلَ الـمجامِرِ
فـيـالهف نـفـسي كــم تُـكتِّمُ وَجْـدَها
… ويالهْفَ قلبي كم تموجُ خواطري؟؟ 
ويـالـيـت أعـمـاقي تـشـفُّ مـشـاعراً …
ويـالـيـت شــعـري كـــم أراهُ بِـعـاثـرِ
* *  * … * *  *
فـظـلٌ ظـلـيلٌ تـطـلبُ الـنَّـاسُ فـيـأهُ
… وتـأنـسُ مــن لُـقـياهُ بـيض الـضَّمائرِ
أراهُ صــفـاءً والأحـاسـيـس تـرتـقـي
… بـأصـلٍ عـريـقٍ مــن كـريـم الـمصادرِ
أراهُ مــعــيـنـاً لــلــمـكـارمِ والـــنَّــدى
… أراهُ فـــراتــاً سـلـسـبـيـل الـمـعـاصِـرِ
أراهُ صــدوقــاً بـالـغـيـابِ وبــالـرُّؤى
… أراهُ ودوداً مُــخــلــصـاً لــــلأواصـــرِ
وبـحـراً مــن الإيـمانِ يـزخرُ بـالهُدى
… وبـحـراً مــن الإحـسـان جــمَّ الـمـآثرِ
* *  * … * *  *
أيـــادٍ بــأنـدى الـبِـرِّ خُـضِّـب راحُـهـا
… ربــيـب الـمـعـالي لاأرانـــي بـحـاصرِ
إلـــى مـثـلـه تـهـفـو الـقـلوبُ بـحـبِّهِا
… لـتنسمَ فـوح الـمسك طـيب البشائرِ
فـــيــاربِّ لـلـجـنَّـاتِ أهــــل مــــودَّةٍ
… ويــاربِّ لـلـروضات هـتفُ الـحناجرِ
ويــــاربِّ لـلإحـسـان دومـــاً مــنـارَهُ
… ويـاربِّ لـلـفـردوسِ أهـــل الـبـصـائر
* *  * … * *  *
خـطـابـكم هــاج الـحـنايا وأضـلـعي
… فـجادت لأهـل الـفضل كـل المشاعِرِ
وزادت بـقـلـبـي ودَّ خــــلٍ عــرفـتُـهُ …
وصـدقُ شـعورٍ خـير مـرأى بـناظري
رسـالـتـكم أبــصـرتُ فـيـهـا مـعـالـماً
… لــروس صـفـاءٍ مــن عـيون الـمناظرِ
وأرهـفـتِ الإحـساس طُـرَّاً بـمهجتي
… ففاضت دموع القلب ملء المحاجرِ
فشكري لأهل الفضل تزجيه أضلعي
… وقـلـبـي دعـــاءٌ تـجـتـليه ســرائـري
وعــهـدي وفـــاءٌ لايــحـولُ ولايـنـي
… وحـــبِّــي وودِّي لــلــهـداة الأزاهــــر
* *  * … * *  *
فــيـاربِّ أشـــدد بـالـضـابط عـزائـماً
… عـلى نـهج خير الخلق شمس المنائرِ
 عـلى نـهج أهـل الـخير والبرِّ والتُّقى
… عـلى درب أهـل الـحق أهـل التناصر
 وصـلِّـي وسـلِّم يـاإلهي عـلى الـنبي …
رسـولِ الـهُدى أسـمى وهـامِ الـمنائرِ

فبارك الله بأستاذنا الفاضل الأستاذ القدير محمد إبراهيم السويلم حفظه الله وبأهل الفضل والمروءة حيثما كانوا وحلُّوا والحمد لله رب العالمين
د.محمد إياد العكاري

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    سور الكوت العظيم

    أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من اهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا

    • ١
      زائر

      سلامنا للفاضل الكريم أ. إبراهيم السويلم
      بارك الله فيه وفيكم وفي وفائكم أخانا الأحب…د. محمد إياد العكاري.

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>