المحيفظ… يكتُب: الفساد وأنا 

الزيارات: 897
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6617203
المحيفظ… يكتُب: الفساد وأنا 
خالد المحيفيظ
كالعادة أحسست بالملل من أعمالي الروتينية وقررت أن أقطع الوقت بالذهاب إلى أحد المقاهي القريبة من البيت، بعد أن جلست وقمت بطلب كأس من الشاي فإذا بأحدهم يستأذن بالجلوس على نفس الطاولة، وبما أن المقهى ممتلئ لم أعر الموضوع انتباهاً وسمحت للشخص أن يجلس.
حقيقةً لم يكن الشخص مألوفاً لدي، حتى أني قد تيقنت أني لم أراه من قبل.
قال لي: صباح الخير، رددت عليه بالمثل من دون أن ارفع رأسي عن الكتاب الذي كنت أقرأه.
با استغراب وجدته يضع على الطاولة نفس الكتاب الذي كنت اتصفحه، انتهزتها فرصة فبدأت في تجاذب الحديث.
أنا: يظهر لي أنك غريب، هـذه أول مرة اراك فيها هـنا.
هـو: نعم ولا ، نعم لأنه تم طردي من هـذه الأرجاء في فترة سابقة، و لا، لأن الطرد لا يعني الأختفاء كلية!
أنا: لم أفهم قصدك “تم طردي”، هـل تقصد أن طردك تم من المقهى؟
ولكن ما هذه الصدفة الغريبة، التي تجمع شخصين يقرأون نفس الكتاب؟
هـو: شدني عنوان الكتاب، فاشتريته من المكتبة القريبة من المقهى.
أنا: ما الذي شدك إلى الكتاب؟
هـو: أنه يتكلم عن موضوع يخصني، فأردت أن أتعرف على ما يتداوله البشر عن ذلك الموضوع.
أنا: معذرة من أنت حتى يتكلم الكتاب عن موضوع يخصك؟ هـذا كتاب يتكلم عن محاربة ومكافحة الفساد.
هـو: أنا الفساد!
أنا: أصابني الذهول، لم أصدق؛ بل لم أحلم أن أجلس مع الفساد وجهاً لوجه، اعتدلت في الجلسة وأكملت الحوار معه.
أنا: أنت أصبحت مشهوراً، وبات اسمك يتكرر على كل لسان.
احتجاجات شعبية تدعو إلى طردك من بعض البلدان، سياسيون يحاكمون، رجال أعمال وتجار يُحاكمون.
لماذا الآن وليس من قبل؟
هل هـناك من وشى بك؟
الفساد: أقول لك الصراحة، أنا لم استغرب هـذا.
من هـم في جماعتي زادوا من الجرعة في هـذه النواحي، زادوا من عملياتهم، كما أن النتائج كانت كارثية… العالم تغير، لكن جماعتي لم يكن لديها بُعد نظر لتدرك ذلك.
أنا: متأكد أن الحالة مؤقتة، وستعود الأوضاع كما كانت، وربما أفضل!!!
أنا: أنت متعجرف ومتفائل أكثر من اللازم.
لكن لماذا برأيك أن أكثر من هـم في جماعتك هـم من لديهم المنصب والمال؟ ألا يكفيهم ما لديهم؟
الفساد: لا. أعتقد أن الربح السريع لايستطيع البعض مقاومته ولهذا أنا لست خائف.
أنا: من هم في جماعتك؟
الفساد: الكثير حتى من يضع على وجهه قناع التدين الزائف!
أنا: يظهر لي أن عدد من ينتسب إلى فريقك بدأ في الانخفاض.
الفساد: العالم هي منطقة نفوذ لي ومن ينتسب إلى جماعتي هـم مئات الآلاف، ربما الملايين حول العالم، وهم في ازدياد.
أنا: أشك في ذلك، لكن ألا تشبه جماعتك تنظيم الماسونية؟
الفساد: نعم في خاصية واحدة وهي أن جماعتي يعملون في الخفاء وبسرية تامة.
شعارهـم “استغلال المنصب في جني المكاسب المالية…. والمصلحة الشخصية فوق كل اعتبار حتى فوق المصلحة العامة”.
أنا: هـل لك بصمات تظهر في المجتمع؟
الفساد: الكثير.
أنا: ماهي الأوجه أو الأقنعة التي تظهر بها؟
الفساد: كلامك عن الأقنعة يظهر أنك متأثر بشخصية فيلم الجوكر، الذي عرض مؤخراً.
أنا: أخرج مرتدي أقنعة متعددة مثل: الفساد المالي، الإداري، المحسوبية، الغش التجاري في الغذاء والدواء..إلخ.
و هـناك أنواع جديدة بدأت تظهر على شبكة الإنترنت.
أنا: ماالذي تفعله هـنا بعد أن طردت؟
الفساد: لا تصدق أني اختفيت كلية،سمعت أنه قد بدأت حرب شعواء على الغش التجاري في هـذا البلد وأردت أن أرى الأمور على الطبيعة.
أنا: اتذكر خبر عن عقد اجتماع منذ ما يقارب سنتين، كان بين مسؤول كبير في وزارة التجارة والتجار الكبار حول تفشي الغش التجاري في هـذا البلد، وكان بودي لو أن اجتمع معهم في الريتز  كارلتون؛ لكي يرسل لهم رسالة.
الفساد: بودي لو أزور الفندق فقد أصبحت له شهرة عالمية!!.
أنا: لم تفهم ما أعني.
على كلٍ، سمعت أن الثورة الرقمية لها دور في محاربتك؟
الفساد: هـذه معلومة جديدة. هـل هـذا في الكتاب؟
أنا: نعم. تطبيق الحكومة الإلكترونية في الدول يزيد من الشفافية في المشتريات الحكومية، كما يزيد من الكشف عن التلاعب بالعروض …..إلخ.
الفساد: أنت واهم. شبكة الإنترنت أصبحت ساحة ملاءمة لي، لا أريد أن اشرح، لأنك بالتأكيد تعلم عن ما يجري هـناك.
أنا: تقصد الإفساد في بعض المحتوى الرقمي وعمليات النصب والاحتيال؟
الفساد: هـناك أكثر.
أنا: هـل تعلم أن البشر وضعوا لك يوم أطلقوا عليه “اليوم العالمي لمكافحة الفساد”، في التاسع من ديسمبر من كل عام؟
الفساد: لا أعلم متى يتعلم البشر، كلما كرهـوا شيء أو أحبوه وضعوا له يوم في السنة، وكأنهم بهذا يحلوا مشاكل العالم.
لماذا لا يحددوا يوم باسم “يوم النزاهـة العالمي” على سبيل التغيير؟
أنا: هل تعتقد أن قانون مكافحة الفساد يمكن أن يكافحك أو يحاربك؟
الفساد: مهما فعل البشر أو كتبوا عني فأنا موجود مثل هـيدرا.
أنا: تقصد الثعبان الأسطوري في الأساطير اليونانية، التي لها تسعة رؤوس كلما قُطع رأس، ظهر رأس آخر بدلاً عنه؟
الفساد: نعم.
أنا: يبدو أن أهل هـذا البلد عازمون على محاربتك؟
الفساد: أريد أن أستأذنك.
أنا: لِما العجلة؟
الفساد: أعتقد أنني أعطيتك معلومات أكثر مما ينبغي.
بعد أن غادرني الشيطان الأخرس الذي اتسم بالعجرفة، عُدتُ إلى كتابي، الذي ركز على النقاط التالية:
•أن القضية ليست مكافحة أو حرب وليست قضية قوانين، وسياسات أو هياكل تنظيمية؛ بل هي قضية ثقافة مجتمعية تتبنى “النزاهة” على جميع المستويات كقيمة عليا في المجتمع، لا تكفي القوانين، والسياسات والإجراءات وحدها، لأن تنفيذها يحتاج إلى البشر، وهـي صناعة بشرية قد يشوبها الفساد.
•الفساد ونهضة الأمم لا يمكن أن يجتمعان في وطن واحد!
كما هـو الحال مع التدين والفساد لا يجتمعان في شخص واحد!
للفيلسوف الألماني كانت مقولة تُلخص موضوع الفساد يقول نصها: “من نسيج الإنسان الفاسد لم يُصنع أي شيء مستقيم أبداً”.
للكاتب: خالد عيسى المحيفيظ

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>