الذرمان.. تكتُب: الميكافيلية داء أم ذكاء؟

الزيارات: 3541
تعليقات 10
https://www.hasanews.com/?p=6605431
الذرمان.. تكتُب: الميكافيلية داء أم ذكاء؟
ثريا الذرمان

الشخصية الميكافيلية ليست وليدة اليوم؛ بل تعود إلى مراحل ماضية من الحياة الإنسانية، وترجع إلى الفيلسوف والمؤرخ الإيطالي “نيكولو ميكيافيلي”.  يقوم مبدأ هذه الشخصية على أساس “الغاية تبرر الوسيلة”، مهما كانت الوسيلة شرعية أو غير شرعية وأن الشخص يستخدم الآخرين سلم يصعد عليه من أجل الوصول إلى مايريد دون الاعتبار إلى مشاعر الآخرين أو احتياجهم، ويركز على الخداع والمكر والتلاعب في العلاقات الشخصية مع الآخرين.

ومن الشائع أن الشخصية الميكافيلية توجد على صعيد الحكام والمجال السياسي، ولكن في الحقيقة نجدها أيضاً في العديد من مجالات الحياة، في العمل والمدرسة والقضايا الاقتصادية والإعلامية والصحية وحتى على المستوى الأسري.

الميكافيلي يتميز بسمات شخصية عديدة منها السلطة وحب البقاء فيها حيث يشاء مستخدماً كل الوسائل لتبقيه في سلطته فيمكن أن يلجأ إلى الغدر إذا وجد أن الأمان لا يعود عليه بالفائدة، يجمع بين خداع الثعلب ومكر الذئب وضراوة الأسد، لا يخجل من اختيار أي أسلوب مهما تدنى لتحقيق غاياته وطموحاته، ويتقن الكذب والمراوغة لتحقيق مآربه بأية وسيلة ملتوية، وأن يوظف الدين لخدمة بقائه في السلطة لا لخدمة الفضيلة والأخلاق، لديه شعور مبالغ بالغطرسة، شعور بالامتياز والاعجاب المفرط والمستمر بنفسه، يتوقع أن يتفوق على غيره دون إنجازات تبرر، ويعتقد أنه متفوق ووجود أشخاص ناجحين في محيطه تهديداً له، عدم القرب والتعرف على مشاعر الآخرين، سيطرة الشعور أنه الأفضل دائماً.

عندما نتأمل المجتمع يظهر الأب الميكافيلي أو الأم الميكافيلية اللذان اعتمدا الأسلوب التسلطي مبرران أن القسوة مطلب في تربية الأبناء لمسك زمام الأمور ويجب عليهما عدم التخلي عنها في عصر التقنية والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولا تخلو بيئة العمل من الشخصية الميكافيلية فتجد التزلف والتقرب والتودد للمسؤول وصاحب الكرسي بشتى الوسائل وفي حقيقة الأمر  بمجرد وجود فرصة لطعنه في ظهره يكون أول الغدارين.

وقد يتفاقم الأمر من هشاشة العلاقات الاجتماعية إلى التزوير في الحقائق والتقارير  إذا كانت لا تتوافق مع غاياته وكل ذلك تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة.

ظهر في الآونة الأخيرة الإعلامي الميكافيلي الذي يظهر في الساحة الإعلامية وقد يمارس ذلك بوعي أو من غير وعي.

فبعض الإعلاميين وخاصة في الإعلام الجديد لا يحرص على ما سيقدم وما هو المحتوى؛ بل جُل تركيزه مُنصب على المهم الذي سيُحقق غايته وأحلامه  ..أن يكون عمله الإعلامي أخذ شهرة  وضربة إعلامية بغض النظر عن المحتوى والمضمون والرسالة المحققة منه.

كما نشاهد أيضاً الإعلام الميكافيلي في بعض القنوات الإعلامية الرسمية التي تصرح بتصريحات مزيفة ضد دولة مجاورة وكيف وظفت القوة الناعمة في تدليس وإخفاء الحقيقة لغايات تريد الوصول إليها بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة التي تخالف أخلاقيات المهنة الإعلامية.

ومن أغرب المشاهدات المكيافيلية التي يمارسها المعلم الميكافيلي أن يسمح لطلابه بالغش أو كتابة الإجابات على السبورة ليضمن نجاح الطلاب واجتيازهم الاختبار  بإتقان وغيرها من الممارسات الميكافيلية التي تجرد الطلاب من القيم والسلوكيات  الإيجابية شيئاً فشيئاً.

هل تعتبر الميكافيلية ذكاء اجتماعي  وأن الشخص يستغل الفرصة لتحقيق غاياته؟

في الواقع إذا استغل الفرص وجند الوسائل لتحقيقها دون ظلم أو مساس حقوق الآخرين، أو عدم التكتم في معلومات تفيده وتفيد غيره، ويتعاون مع كل من حوله بصدق وشفافية وعدالة يُسمى ذكاء اجتماعي.

متى يتحول من ذكاء اجتماعي إلى داء ميكافيلي؟

إذا انتهج الانتهازية الوصولية المقيتة، والنفاق والكذب والخداع  واستغلال الآخرين والصعود على أكتافهم للوصول إلى مبتغاه.

 

ليس عيباً أن تكون مصلحتك أقصى ما تطمح إليه، ولكن من المخزي أن تفقد انسانيتك وتسبب أذى لغيرك وتقدح فيه وتقلل من إنجازاته وشأنه  فهذا هو داء وليس بذكاء.

مجتمعنا مجتمع إسلامي قائم على  الصدق والأمانة والإخلاص “وحب لأخيك ماتحب لنفسك”.