احدث الأخبار

صورة من الواقع

الزيارات: 688
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6602220
صورة من الواقع
كميل السلطان

تتلاشى أشعة الشمس تدريجيا وتركن محمرةللغروب، تنخفض معها حرارة الطقس، تخفحركة المارة إلا من بعض السيارات المسرعة،صوت الرياح يدوي الشوارع ويحرك مخلفاتالناس وأوراق الشجر، تضيء أنوار الشوارع قليلا،تتراكم القمامات وتتناثر على قارعة الطريق،تجتمع حولها القطط و تتعالى أصواتها وتتعاركفيما بينها، فجأة تتخافت أصوات القطط وتبتعدعن القمامة ببطء، ليقف على أنقاضها رجل فيالخمسين من عمره، يرتدي ملابس رثة، لحيتهمتناثرة على وجهه، ورائحته النتنة تنفر الناسمن حوله، وجهه الشاحب يوحي بالكثير منالبؤس، وشعره الكثيف تعانقت فيه الشعراتالسوداء والبيضاء، يداه المتسختان تحملانالحرمان وأما أظافره الطويلة فقد اصطبغتباللون الأسود، يقف على القمامة حاملا علىظهره كيسا أسود، يفتش في أوساخ الناس،يبحث عن شيء ما يقتنيه، وشيء ما يلبسه،وآخر يبيعه، يقضي كل وقته بين القمامات، وهويجر وراءه غنائم صولاته وجولاته.

كانت سعادته لاتوصف وهو يجد معطفا باليا،انتشل المعطف من ركام الأوساخ ثم ارتداه،فوجده قصير جدا، لكنه لم يبال بقصره بل بدتالسعادة على محياه فالمعطف البالي سيقيه منالبرد القارس، هذا ما كان يجول في نفسه، نفضعنه ما يمكن نفضه من الأوساخ العالقة به منالقمامة ومضى.

مضى في هدوء يحمل كيسه على ظهره تارةويجره تارة أخرى وصوت سحل الكيس علىالأرض يزعج المارة، يمر على حديقة في الطريقفيقف هناك على ماء وضع للسبيل فيرويضمأه، ملأ كأسه بالماء وأخذ يشرب وصوترشفاته تتعالى وأنفاسه تتسارع والماء يتدفقبين يديه التي ترتجفان دوما،  في الأثناء حضررجل أنيق المظهر يحمل معه آلة تصوير، فوجدذلك البائس يشرب الماء، وقف ينظر إليهبصمت، رفع آلة التصوير ليصور بعض المناظرالجميلة في الحديقة فوجد أن البائس يظهر فيالصور ، اشتاط المصور غضبا من ذلك البائسفنهره وأمره ليبتعد وهو يقول: هؤلاء الدجالونيسرقون جيوب الناس بدعوى الفقر، خافالبائس فهرول إلى مكان ما في الحديقةوأغراضه تتبعثر من حوله، فالتقط المصور صورةللبائس وهو بتلك الحالة ونشرها فورا تحتعنوان : من يمد يد العون لهؤلاء البائسين،فأحدثت ضجة كبيرا وتعاطفا غير مسبوق فيوسائل التواصل الاجتماعي

وأما البائس فلملم أغراضه في خوف، ومضىلينأى بنفسه بعيدا ويقف على الرصيف وهويلهث، في الأثناء توقفت سيارة تقل أربعة شبانفارعي الطول ملابسهم حديثة وهو يرددونبعض الأهازيج فرحا، اقتربوا منه فازداد قلقه،مد أحدهم يده نحوه، فأغمض البائس عينيهوغطى وجهه، اقترب شاب آخر نحوه أكثر ومسحعلى رأسه واقترب آخر وربت كتفه، فقالوا له:انهض أيها الرجل ولا تخف، فتح البائس عينيهليجد أولئك الشبان يحملون له بعض الطعاممما كان معهم وبعض المال، قائلين له: خذ هذهوامضي إلى بيتك، وإن احتجت لشيء فعد إلىهذا المكان، فنحن نعمل بالقرب من هنا،وسنقوم بخدمتك.

مضى المصور في سعادة غامرة لما حققتهصورة البائس، ومضى الشبان في سيارتهم، ثممضى البائس في طريقه وصدى صورته تنتشرأكثر وأكثر في كل برامج التواصل الاجتماعي غيرأنه مضى يلهج بالدعاء لأولئك الشبان الذينساعدوه ومضوا بهدوء.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>