هَدِيَّةُ الْوَطَنِ مِنْ سِيَاحَتِي؟

الزيارات: 1182
تعليق 13
https://www.hasanews.com/?p=6596543
هَدِيَّةُ الْوَطَنِ مِنْ سِيَاحَتِي؟
بكر العبدالمحسن

عزمتُ على السفر مع أسرتي ، واخترتُ دولة تُناسب راحتنا من حيث أجوائها وطبيعة عمرانها والترفيه فيها وجميع سُبل الاستجمام التي تتمتع بها ، وكانت الاستعدادات قبل السفر على قدمٍ وساق وتجهيز مُسبق للتأشيرات وتذاكر الطيران وحجز الفنادق وعمل البرنامج السياحي وتأمين وسيلة النقل والبحث فيها عن أماكن الترفيه والمطاعم والأسواق والملاهي ، وأخذتُ جميع الاحتياطات لأصعب الظروف من حيث الحفاظ على جوازات السفر والبطاقات الائتمانية ووسائل الاتصال ولكنني في نهاية الرحلة وبعد عودتي اكتشفتُ أنني نسيتُ أهم شيء لم آخذه معي ولم انتبه لنقصه لا أنا ولا جميع أفراد أسرتي ولا عموم أهل وطني !

ذهبنا إلى المطار في فرحة واختيال وأشكالنا في قمة الجمال ، وحقائبنا مليئة بالملابس الأنيقة والخاصة بالسفر وأدواته ، وأخذنا مقاعدنا في الطائرة وحلقت بنا نحو وجهتنا ، فلا شيء يُمكن أن نفعله غير النوم أو الحديث المرتفع مع بعضنا أو المزاح أو النظر إلى شاشات أجهزتنا ، وعندما تم توزيع وجبات الطعام لم يكن لدينا حسن اللطافة مع طاقم الضيافة وكنا نتعامل معهم وكأننا نجلس في مطعم أو مقهى ، والاستجابة لتعليمات السلامة وربط الأحزمة ورفع المقاعد وغيرها تمرُ علينا بلا أهمية إلا بعد تكرار ، وازعاجنا لمن حولنا لا ينال أي اكتراث وكأننا في طائرة خاصة بنا ، ووصلنا إلى الفندق والسعادة تغمرنا واستلمنا غُرفنا وكل شيء يستهوي فضولنا ونعبث بالأشياء المتاحة فيها لمجرد أننا نريدُ تجربتها ونأخذ حقنا منها ، وفي الصباح يقوم عمال نظافة الغرف بإعادة ما تم الانتقام منه في كل زاوية من أركان تلك الغرف وفوضتها التي تدلُ على عدم مسؤوليتنا وقلة نظافتنا وذوقنا ونحن في أتم فرحتنا أن كل شيء سوف يعود كما كان.

ونذهب في كل صباح إلى بوفيه الإفطار ، وفيه ما لذ وطاب من أنواع الأطعمة والأشربة والتي تفوقُ الوصف في خياراتها وتنوعها وتُغري النفس بتناول كل شيء فيها ،  فشهيتنا تطالُ وتأخذُ من كل شيء نأكله أو لا نأكله وبكميات كبيرة ولا يهمنا شيء ، فكل ما علينا هو أن نضع في الأطباق ثم نطلب من النادل رفعها في حركة مستمرة ونهمٍ غيرَ مسبوقٍ وعين لا تشبع وتصرفات تقول أننا كُنا في مجاعة والآن علينا الانتقام ، وصوت ضجيج حديثنا وقرقعة أطباقنا وأطفالنا وعبثهم تُزين أرجاء المكان في حركة لامبالاة من الوالدين نحو حرية الاختيار وقضاء أحلى الأوقات.

ونخرجُ إلى الأماكن السياحية فيزعجنا انتظام الناس في أخذ دورهم لشراء تذكرة دخول ، ونحن في طابور الانتظار مُتذمرون ، وإذا دخلنا بعض المتاحف أو الأماكن التراثية فنحن عابري سبيل ؛ فلا يُغرينا شرح حول تاريخها ولا عين فاحصة حول الاستفادة منها ولا شيء يُحرك همتنا غير انزعاجنا من المكان وعدم الارتياح له وأن أهم شيء فيه أننا سجلنا توقيع الحضور والانصراف والتقطنا فيه بعض الصور كشاهد لم يُشاهد شيئا.

وفي الأسواق والأماكن السياحية نلهثُ وراء التصوير بأجهزتنا الذكية بفوضة عارمة ويختالنا الكبرياء والغرور في أنفسنا وأننا نفعلُ ما نشاء في حريتنا وحركتنا وسلوكنا وحوارنا مع الآخر وعدم اللامبالاة ؛ فنحن بالتأكيد سُياح ولنا الحريةُ في التصرف كيفما نشاءُ وأننا جئنا لكي نُمتع أنفسنا ونأخذُ راحتنا ونتفاعل مع أماكن اللهو والترفيه ونبتعدُ ما أمكن عن أماكن الثقافة والتاريخ والحضارة حتى أن أصحاب هذه الأماكن يعرفوننا مُسبقا وما نحتاج له وما يُؤنس نُفوسنا ويطرب الفؤاد.

أخيرا .. انتهت الرحلةُ وعُدنا إلى أرضِ الوطن بحمد الله ، وبدأتُ أفوقُ من سكرتي وأتذكرُ صور فِعالي وحركتي وسُلوكي في كل مكان وزاوية ومحطة في سفرتي ونسيتُ أني أعددتُ كل شيء قبل سفري إلا بعض قيمي وسلوكي السليم فقد تركتها في منزلي واكتشفتُ أنني لم أكن سفيرا مخلصا لنفسي و ديني و وطني ، ورسمتُ لوحةً خاطئة عن سلوك مجتمعي وأهل بلدي.. فهل هذه هدية الوطن من سياحتي؟

التعليقات (١٣) اضف تعليق

  1. ١٣
    زائر

    كلم جميل و صحيح
    ان شاء الله نكون الى الأفضل

  2. ١٢
    زائر. ابو مسلم

    كلم جميل و صحيح
    ان شاء الله نكون الى الأفضل

  3. ١١
    زائر. ابو مسلم

    التعليق

  4. ١٠
    زائر. ابو مسلم. كلم صحيح و جميل

    التعليق

  5. ٩
    زائر

    أحسنت بالوصف ودقة الموضوع. قبل أشهر رأيت مقطعا ليابانيين ينظفون شارعا في القاهرة من الاوساخ والقاذورات لأنهم يقطنون ذلك الشارع. فتذكرت كلمة لصديق لي أنتدب للعمل في اليابان قائلا إنهم يتقدمون علينا بمئتين سنة أو أكثر ثقافيا فمثلا في الممشى يتركون جانبا من الطريق للذي يريد ان يمشي مسرعا وإذا وقفت يقفون ورائك حتى تمشي ولا يتعدون على طريق المسرع ولا يزعجونك بمثل كلماتنا وخر أو جنب وهكذا الاحترام جدا متبادل بينهم.

  6. ٨
    زائر

    مقال جميل.. فعلا يجب ان يكون الفرد سفيرا عن وطنه ونموذجا عن افراد بلدته

  7. ٧
    زائر

    حتى في سفرتنا بتنشب لنا…. خل الناس تنبسط

  8. ٦
    باقر يزيد ابو شلوان

    لا هذي مب هدية، اصلا لية تسافر للخارج وكل الي في الخارج عندك كان بدال هالمصاريف والفلوس الي انصرفت في تركيا او اي بلد اخر رحته كان صرفتها هنا نفعت اهل البلد بيها.
    لكن الواحد مايقول الا ماقاله الامام عليه السلام “في سعة الاخلاق كنوز الارزاق”

  9. ٥
    زائر

    احسنت سيد بكر
    أجدت كثيرا في الوصف

  10. ٣
    زائر

    كلام جميل لكن من العدل ان تذكر ان في اناس خير سفير لدينهم ووطنهم في السيء والحسن يجب ان ننظر الى كفتي الميزان لنكون منصفين وعادلين امر آخر التربية الحسنة تمنع اي شخص من احداث الفوضى التي ذكرتها شكرا لك ولطرحك

  11. ٢
    ميثم البرتقالي

    سيد بكر هل في لك امسية ثقافية قريبة علمنيا ودي احضر واعرف ادق عود واقني بعد

    • ١
      زوار روادود

      بتحضر يوم الثلاثاء فهمناها لكن ادق عود وتغني هذي الي يبيلها شرح

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>