حياة في كنف الشاشة – تهديدات ومخاطر

الزيارات: 1127
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6594580
حياة في كنف الشاشة – تهديدات ومخاطر
خالد المحيفيظ

الجزء الأول – الصورة الكلية 

بعد مرور مايقارب العشر سنوات منذ بداية الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية، [ الهواتف المحمولة، الشبكة العنكبوتية، ماكينات البحث، وسائل التواصل الاجتماعية والألعاب الالكترونية ] ، بدأت تظهر مؤشرات و دلائل على القدرة التغييرية التي تتركها على المجتمع والأفراد.

ايضآ بدأت في الظهور أصوات في الدول الغربية ليس فقط من الباحثين بل من أطباء نفس، علماء أعصاب وعلماء مستقبليات بل حتى من هم مرتبطون بقطاع التقنيات الرقمية وذلك للتعبير عن مخاوفهم للتأثيرات السلبية التي يمكن أن يتركها الإفراط ومن ثم الإدمان في استخدام التقنيات الرقمية.

* مقدمة أساسية

منذ العقود الأولى للثورة الصناعية، وذلك منذ حوالي ٢٥٠ عامآ، لم تقتصر دراسة الآلات على الجانب التقني فقط بل تحولت الآلات إلى موضوع دراسة في حقول عديدة، الاقتصاد، السياسة وعلم الاجتماع ..

 تعد مساهمة المفكرون والفلاسفة في دور وتأثير الآلات وخاصة ألات وتقنيات الإنتاج جديرة بالتأمل لأنها تنظر إلى الآلات و التقنية ليس من الجانب الذي ينظر إليه المنظرون الاقتصاديون من حيث تركيزهم على النواحي الاقتصادية والسياسات الحكومية …الخ بل ينظرون إلى الجوانب المجتمعية والإنسانية، أي الإنسان وتفاعله مع الآلة و التقنية.

تتعدد المذاهب الفلسفية والخاصة بالتطورات التقنية وتفاعل البيئة الاجتماعية/الثقافية معها.

فهناك مذهب الحتمية مقابل الحيادية/الاختيارية.

القائلين بالحتميّة التقنية والذين بنوا مذهبهم على مقولة ” المكائن أصبحت سادة العالم ” يقولون أن ” التقنية هي العامل الرئيسي في تشكيل أسلوب الحياة البشرية، القيم المؤسسات والعناصر الأخرى للمجتمع .” أي أن التقنية هي وكيل تغيير.

الجانب المضاد لمذهب الحتمية التقنية هو مذهب الحيادية /الاختيارية التقنية والقائل بأن التقنية ليست جيدة أو سيئة والمهم هو الطرق التي نستخدم فيها التقنية وأن ” التقنية تفتح الباب ولا تجبر احد على الدخول”.

هذا يعني أن التقنية مجرد فرصة واختيار، و ماذا يفعل بها هو مسؤوليتنا نحن!.

ظهر في أواخر القرن العشرين فلاسفة ومفكرون حذروا من الآلات والتقنية، كل حسب الزاوية التي نظر إليها والتي تم التعبير عنها بحركات نشطاء الدفاع عن البيئة و حماية المناخ.

في العصر الحاضر، بدأ في الظهور الشواهـد على صحة ما حذّر منه المفكرون والفلاسفة، وإن كان بعضها ظواهر ظهـرت في البيئة المحيطة للإنسان. أمثلة من مثل التغيرات المناخية, الاحتباس الحراري، الغابات المطيرة والأنهار الملوثة، الأغذية الملوثة، المواد المسرطنة، التلوث البيئي وغيرها كثير.

* القدرة التغييرية للآلات والتقنيات

تحتل الآلات والمكائن المرتبطة بالإنتاج مكانآ مركزيآ في تحول المصانع إلى مصدر للثروة في القرن العشرين وكذلك هي الحال مع التقنيات الرقمية والتي اتاحت فرصا عديدة أمام أفراد المجتمعات .

للتعبير عن القدرة التغييرية للآلات على الاقتصاد وذلك ضمن ماتعارف على تسميته بالثورة الصناعية صاغ جوزيف شومبيتر، المفكر الاقتصادي الألماني مقولة ” الهدم الخلاق “

وذلك في كتابه بعنوان ” الدورات الاقتصادية ” الذي صدرت نسخته الأولى عام ١٩١١م .

كان العالم الألماني يقصد من تعبير الهدم الخلاق بأن الآلات التي تستخدم في التصنيع لها قدرة تغييرية على الاقتصاد تتمثل في طرح منتجات جديدة، تأثير على سلوك الشركات فيما يخص التنافس، تغيير بنية الصناعات و تؤثر بشكل قوي في الأسواق.

في عصر الثورة التقنية الرقمية، تم استدعاء تعبير ” الهدم الخلاق ” من قبل الباحثين وذلك للتعبير عن القدرة التغييرية الذي تتركه التقنيات الرقمية ليس على الاقتصاد فقط، وعلى المنظمات، الشركات والمؤسسات والهيئات الحكومية بل على المجتمع [ الروابط الاجتماعية …] والأفراد.

يعزو علماء البيئة والمناخ التغيرات المناخية إلى المصانع، كما يعزو الباحثين و الأطباء إلى التقنيات الرقمية لكونها تستخدم من قبل الإنسان بشكل مفرط إلى التغير الذي يحدث على مستوى المجتمعات والأفراد.

* تغير العقل على غرار تغير المناخ 

بدأت في الآونة الاخير تظهر كتب، دراسات وابحاث تعبر عن جانب أخر لتأثيرات بعض التقنيات الرقمية والتي اتفق معظم الباحثين على اعتبارها تهديدات و مخاطر على البشر.

تركز الأبحاث على التأثيرات على العقل [ التفكير والمشاعر ] والتي لخصتها دكتورة الأعصاب سوزان غرينفيلد بتعبير ” تغير العقل ” وذلك في كتابها المعنون: تغير العقل ، كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا *١.

في إشارة إلى التأثير الذي يمكن للتقنيات الرقمية أن تتركه على العقل تقول الدكتورة سوزان غرينفيلد” لو أنك تعتقد أن العقل هـو ما يضفي الطابع الشخصي على المخ، وأن تنظيم الشبكات العصبية يتم عبر التجارب المختلفة، فبالتالي سيكون ذلك المخ شديد الضعف أمام تكنولوجيا القرن الواحد والعشرين ” .

و في إشارة أخرى إلى ظاهرة البدايات الأولى لحركة الدفاع عن البيئة والتي بدأت منذ أكثر من ٣٥ عامآ وربطها بظاهرة تغير العقل التي يتخوف من تأثيرها النشطاء من العلماء، تقول الدكتورة سوزان غرينفيلد ” قبل ٣٥ عامآ في حين كنت أعمل في باريس، أراني زميل في الصفحة الأولى من صحيفة أظهرت رجل ذا لحية كثة ويرتدي سترة غريبة، قال زميلي ساخرآ على صاحب الصورة باعتباره غريب الأطوار ……….كان تعبير تغير المناخ غريبآ علي. اما الآن  فهذا المفهوم يؤثر في نمط الحياة الفردية والمجتمعات ويمس كثيرآ من السياسات العامة “.

تلخص الدكتورة وجهة نظرها بالقول ” لقد أطلقت

تغير العقل على كتابي لأنني افترض وجود شبه مماثل لتغير المناخ ….فكلاهما عالمي، مثير للجدل، غير مسبوق ومتعدد الاوجه “.

*بعض مظاهر الثقافة الرقمية

لايختلف اثنان على أن الاستخدام الواسع للتقنيات الرقمية من قبل الأفراد يؤسس لظهور ما يطلق عليه ” ثقافة الشاشة “، ” ثقافة الإنترنت ” او ” الثقافة الرقمية “.

هذه الثقافة هي نتاج ما تطلق عليه الدكتورة سوزان غرينفيلد البصمة والتي تتركها التقنيات الرقمية على الدماغ والذي تعيد تشكيلة عن طريق التأثير في القيم القناعات ومن ثم التأثير في التفكير والمشاعر.

كثيرة هي مظاهر و خصائص الثقافة الرقمية. التالي بعض من تلك السمات والتي يمكن للملاحظ من بيننا أن يجدها فيمن حوله:

الإتصال والتواصل الكثيف – عقلية الإشباع الفوري – مشاهير من دون استحقاق – التفاهة و الغوغائية الرقمية – ضحالة و سطحية التفكير – عدم التركيز و قلة الانتباه – التشتت – تدني أهـمية الخصوصية الشخصية – الانفعالية والعدوانية – القلق – النرجسية – ضياع الحقيقة في دهاليز الإشاعة – سيادة العالم الافتراضي على العالم الحقيقي – سرقة الوقت الثمين للصغار ، المراهـقين والكبار على السواء- ضياع المعرفة في شباك كميات هـائلة من المعلومات – الافراط وسيادة الترفيه – سرعة إيقاع تلقي الأخبار – تعدد النشاطات [ قيادة السيارة + كتابة نص في الهاتف المحمول + تلقي مكالمات اثناء القيادة …الخ ] – فترة انتباه قصيرة لدى الأفراد عندما يكونون مشغولين بالأجهزة الرقمية – توفر معلومات تزيد عن الحاجة.

لكل من التقنيات الرقمية دورها الخاص في تشكيل

السمات السابقة، ولا يحتاج احدنا الكثير من الدراية ليعين اَي من التقنيات الرقمية ترتبط بأي من السمات السابقة.

يبدو أن الذكاء البشري المسؤول عن الاختراعات هو الضحية الأبرز الذي في طريقه إلى التأثر وبشكل لارجعة فيها اذا ما استمر الوضع الحالي لدى الكثيرين من استخدام متسم بالإفراط والإدمان.

لاشك أنه لايوجد اختراع شبيه بشبكة الإنترنت و التقنيات الرقمية العاملة عليها في سرعة الانتشار والاستخدام كما يبدو أنها الوحيدة التي اصبح الإنسان أمامها خانع و عاجز عن المقاومة!!!.

إليك الاقتباس التالي لعالم المستقبليات ريتشارد واتسون من كتابه عقول المستقبل *٢ ” تعتبر الهواتف الخلوية مشكلة خبيثة ….هي مفيدة لكنها تستطيع أن تخترق وتغزو المساحة الشخصية الخاصة ويمكنها أن تحدث تأثيرآ عكسيآ على جودة تفكيرنا وعلى سلوكنا. هذه الأجهزة تدعونا بل تأمرنا بأن نستخدمها باستمرار. أنها تشبه علب السجائر التي تطلب منا ألا نتركها ابدآ بمفردها …

أننا نظن أن الهواتف المحمولة تصلنا بالآخرين لكنها في الواقع تحولنا إلى مجتمع من أفراد يتسمون بالوقاحة، نفاد الصبر، ضيق الأفق، التشدد العدوانية والانعزالية. أنها تسمح برد الفعل

بدلا من التفكير المتأني. يفعل كل من غوغل فيسبوك وتويتر الشيء نفسه إلى حد بعيد. تحولنا إلى ناس كسالى وغير متعاطفين ” ….” إذا كنا أذكياء حقآ …لماذا نبدو مصرين على التخلي عن عقولنا لمجموعة من الملهيات الرقمية..”

* الختام 

عملت في مجال تقنية المعلومات والإتصالات لما يقارب خمسة وعشرين عامآ و أحد أهم الدروس التي تعلمتها من عملي هو أن التقنيات الرقمية مثل الآلات وسيلة وليست غاية بحد ذاتها.

عن سر جاذبية التقنيات الرقمية تقول الدكتورة سوزان غرينفيلد بنبرة فيها تحسر ” ربما تتمثل الجاذبية هـنا في أخذ استراحة من واقع الحياة. أي حقيقة عدم الحاجة إلى بذل اَي جهد أو تقديم مدخلات بل ولا حتى مجرد التفكير. إذا كان الأمر كذلك فقد ابتعدنا كثيرآ عن كل من ربط الحقائق بالذاكرة والتعلم ” .

 أنا على يقين أن من اخترع هذه التقنيات لم يكن في باله إلا تعزيز العقل البشري و لم يتوقع أن تسيطر على العقل وأن تصبح غاية في حد ذاتها.

يتنبأ عالم المستقبليات رييتشارد واتسون بأنه في خلال سنوات قليلة ستظطر الحكومات إلى الاعتراف بأن إدمان الإنترنت هي مشكلة وطنية ومن ثم تبدأ في فتح عيادات لعلاج الإدمان.

قد يبدو للبعض أن هذا الموضوع مثير للجدل ولكن من المؤكد ان المستقبل سيكشف أكثر عن التأثيرات والتداعيات السلبية لنمط الحياة الرقمية.

*١ صدرت النسخة العربية من عالم المعرفة بتاريخ
    فبراير ٢٠١٧ م.
*٢ صدرت النسخة العربية من المركز القومي  
     للترجمة ٢٠١٦م.

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    باقر يزيد ابو شلوان

    شاشة سامسونج احسن من ابل صحيح انها تكون صاطعة مرات بس لاباس عليك

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>