الحرية حيث نختار..!!

الزيارات: 1019
تعليقان 2
https://www.hasanews.com/?p=6594117
الحرية حيث نختار..!!
بكر العبدالمحسن

في أرحام أمهاتنا نعيش المراحل التكوينية التي تجعلنا نتقدم نحو النمو والتكامل من أجل تلك اللحظات التي ينفتح فيها باب الرحمة ونخرج إلى عالم الدنيا، ذلك العالم الذي نسعى فيه جاهدين لنيل حريتنا في اختيار ما نرغب الوصول إليه من أهداف وغايات تحددها طبيعية تربيتنا الروحية والجسدية، وفي سعينا نحو ما نريد ومالا نريد تكون الصراعات الداخلية والخارجية على مستوى النفس والجسد والعلاقة بينهما، وهنا تكمن المشكلة!

فأول مشكلة تواجهنا منذ بداية الطفولة أننا نريد أن نتحرك في فضاء واسع ليس له حدود، وكل ما حولنا نستطيع أن نتعامل معه بلا قيود، وقدرتنا على تمييز النافع من الضار غير مكتملة لدينا، وأي منع لنا من كل ما نقترب منه أو نلعب به أو نتعامل معه أو نريد ملكيته هو سلب لحريتنا وإيذاء لنفسيتنا ومنع لرغباتنا واعتداء على حقوقنا ودليل على عدم حبنا، وأنه تجب علينا المقاومة والدفاع عن رغباتنا بالبكاء تارة والانعزال والحزن تارة أخرى، أو بإيذاء أنفسنا إن استطعنا بوسائل من شأنها أن تحقق لنا مطالبنا.

وهذه المرحلة من أخطر مراحل البناء النفسي والروحي عند الإنسان ، فأي خلل في بناء قاعدتها الأساسية من قبل الوالدين فإن الفرد سوف يفشل فشلا ذريعا في فهم طبيعة حركته نحو الغاية من خلقه ، وسوف يظل الطريق ويعاني من أزمات نفسيه وقيمية وأخلاقية واجتماعية ودينية بين ماله من حقوق وما عليه من واجبات ، وبين هذا وذاك تشتد أزمة الحرية في صراعها الداخلي في عمق جوهر الإنسان وهي تائهة بين حواجز المنع وعقبات القوانين وعجز القدرة ورغبات النفس وقلة الإمكانيات ، أو في المقابل غياب القوانين وتوفر الإمكانيات والقدرة على الاختراق ووجود الانفتاح .

فالحرية هي تلك الطاقة التي تُوجد في داخلنا وبها مخزون رغباتنا ، وتدفعنا نحو الاختيار ، واختياراتنا هي مجموعة متعددة من الوسائل والأدوات المتاحة في طريقنا ونستطيع التعامل معها والتمييز بينها ، وتشبع حاجاتنا وميولنا ولديها القدرة على سد الفراغ في نفوسنا ، وأن كافة الاختيارات واضحة بالنسبة لنا في خيرها وشرها ونفعها وضررها وقوتها وضعفها وحسنها وقبحها وربحها وخسارتها ، فإذا وضعنا فيتامينات هذه الخلطة في حليب أطفالنا وحنان الأم وعطف الأب ومعادلة التربية وفنونها ؛ استطعنا أن نؤسس إنسانا قادرا على فهم معنى الحرية التي تعني الاختيار من متعدد نحو الوصول للغاية التي يسعى إليها ويرغب فيها ويتحمل نتائجها الآنية والمستقبلية.

فالدين في حقيقته جاء ليدعم حق الفرد في حرية اختياره حتى في عبادة الله من عدمه ، بعد أن تتضح له رؤية الخيارات والقناعة بها وقوة الدليل عليها وما الأنبياء والرسل والأئمة والمصلحين إلا هم منارة هدى في طريق الإنسان نحو التكامل والسعادة والتطلع إلى المنزلة العليا والفوز برضا الله ، ولكن العقبة التي تواجهنا اليوم في مجتمعاتنا وتربيتنا وقيمنا في بناء الإنسان أنها أحادية المنهج وضعيفة الاختيارات في الوسائل والأدوات وتعتمد على منهج الجبر والمسلمات وفرض الاختيارات المتعددة ذات المضمون الواحد مع اختلاف الشكل واللون وأن أكثر مشاكلنا الاجتماعية والنفسية والسياسية والدينية ناتجة من عدم تحرير مفهوم الحرية من القيود وتوسيع دائرة الاختيار من المتعدد وتحمل النتائج.

فالأسرة تفرض اختياراتها على أبنائها وتضيق عليهم الخناق في المأكل والمشرب والملبس والعادات والتقاليد وطريقة العبادة والعلاقات الاجتماعية واختيار الدراسة ومهنة المستقبل وفتاة الأحلام ، والمدرسة تنعدم فيها الاختيارات المتعددة ، فالمقررات مفروضة على الطالب وحتى نموذج الإجابة يجب التطابق فيه وإلا كانت إجابة الطالب خاطئة وعليك أن تردد ما يقوله لك المعلم حتى لو كان خطأ علميا وتدرس مالا تحبه وتسمع مالا تفهمه فالمهم أن تكون جسدا في فصل دراسي ولا يهم أين يحلق عقلك وروحك في أي مكان ، والمجتمع يرسم لك العادات والتقاليد والثقافة وكأنك راكب في قطار تسير على قضبان فلا يحق لك أن تخرج عنها ولا أن تبني سكة تسير فيها وتتقاطع مع الآخرين أو تنفرد عنهم ، والمذاهب الدينية تفتقد إلى عدم إعطاء الفرد الحق في توسيع دائرة المباح وتعتمد على منهج تضييق الدائرة والمنع وغياب الأسس المرجعية الذاتية للمسلم ؛ لكي يكون قادرا على الاستنباط المحدود في دائرة الاختيارات الفردية والمناسبة له ، والانتخابات بكافة أنواعها ووظائفها تفرض علينا أشخاصا يفرضون برامجهم الانتخابية وأهدافهم الفئوية ومصالحهم الشخصية علينا ويجعلون منا أدوات لتحقيق نجاحهم ثم لا يحق لنا أن نحاورهم ولا نستطيع الوصول إليهم وهم في طريق ونحن في طريق آخر.

ولنا أن نظر كيف استطاعت المجتمعات المتقدمة كنموذج في الوصول إلى الاستقرار والاتزان والتكييف والعدالة في حياة شعوبها وتنوع ثقافاتها وتعدد عرقياتها واختلاف لغاتها وكثرة مرجعياتها ومذاهبها الدينية ومناهجها السياسية ، وفي المقابل يحق لنا أن ننظر إلى المجتمعات التي يسودها البؤس والشقاء والظلم والبعد عن الأمن والرخاء وتفاقم المشكلات وقلة التنمية وسيطرة العنصرية القبلية والدينية والسياسية وكثرة الفقراء وقلة الأغنياء وهجرة العقول العلمية خارج أوطانها وكثرة الصراعات الاجتماعية والدينية والسياسية ، فالفارق بينهما كيف تكون لك حرية تتمتع فيها بتنوع الاختيارات ، وتكون فيها الحقوق والواجبات ، وتعيش فيها دون أن تعتدي على حريات الآخرين وخياراتهم ، أو أن تكون لك الوصاية عليهم أو أن يكونوا أوصياء عليك وكل ذلك يجب أن تحكمه أولا التنشئة والتربية السليمة بمفهوم الحرية ، وثانيا القوانين الشاملة التي تتسع فيها دائرة الاختيارات من المتعدد.

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    باقر يزيد ابو شلوان

    صادق سيد بكر الواحد ماهب حر نفسه في بطن امه مسجون ولاطلع الدنيا يلقاها ضيقة هم هي سجن

    • ١
      زائر

      لا المقصد انه لاتوجد حرية، فالحياة قفص

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>