“قوة الحياة” ..

الزيارات: 590
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6593957
“قوة الحياة” ..
أمل الحربي

رغم زحام الحياة ،ودولاب الأيام السريع ، وكثرة الأخبار المتناقلة هنا وهناك ، وكمية الأحداث التي تنهال من كل مكان .

فإن خبر وفاة شخص ما تعرفه كفيل بأن يوقف عقارب الوقت حتى لو ثوان معدودة ، و يوقفك عن اتمام مهمة كنت تستعجل في اتمامها حتى لو لبعض الوقت ، ويجعلك ترخي برأسك على أقرب كرسي إليك ، وأنت تسترجع طيف الراحل الأبدي ، وتلوح له الوداع الأخير ، وتغمض عينك بكل استطعت حتى تقبض على أخر الصورة منه، وتنصت بكل حواسك لأخر صوت له .

جبارة هي تلك اللحظة التي تجعلك تتعرى فيها من الداخل وأنت ترى نفسك تلهث وراء رفات صورة باهتة ،أو تقبض على بقايا ذكرى متهرئة ،أو تجمع أشلاء طيف مبعثر .

تُعري مشاعرك بكل صفاء ، وتسمع لقلبك بهدوء ، في صورة صافية جداً من كل الاتجاهات دون أي شوائب ، وبعيداً عن أي تزيف .

وصادمة عندما تسمع نداء رحلتهُ الأخيرة معك ، وصوت خطى أقدامه وهو يغادر بلا عودة ، وطيفهُ وهو يتوارى للأبد .

وموجعة حين تتيقن أن موتهُ واقع وقبره حقيقة ،وجسده بات جثة هامدة .

يختلف الأمر في كل مرة يختلف فيه قرب هذا الشخص منك ، ودرجة علاقتك به ، ومكانته في قلبك .

ويطول الأمر أو يقصر حسب المواقف التي سجلتها له ، وكمية الذكريات التي تختزنها معه ، والأيام التي جمعت به .

وفي كل مرة يختلف التأثير ، ويظل الأثر .

ولكن في كلا الحالين لن يخلو الأمر من تأثرك بألم الفقد ، ووجعك من الرحيل ، واكتئابك من الغياب السرمدي .

فالموت لا يؤلم الموتى ، بل الأحياء الذين تغتالهم الصور دون كفن ،ويباغتهم الموت بلا قبر ، ويدفنهم الحنين بلا تراب .

المرعب في الموت ليس الموت ذاته ، ولكن بما يتركه للأحياء من آثار الراحلين في أنصاف الصور الناقصة ، وبقايا الأحاديث غير المكتملة ، وفي ثنايا الزوايا الخالية .

– لا شك – أنك تحتاج لقوة جبارة تضاهي قوة الموت ، هي قوة الحياة تُعيد ترميم روحك المنكسرة ، وتُجبر قلبك المنفطر ، وتبنِ نفسك من جديد .

من المؤكد أن مكمن تلك القوة إيمانك بالله ، وتسليمك الكامل بقضائه وقدرة ،وتفويض أمور حياتك كلها له .

ويقينك أن هناك محطات في حياتك عليك أن تعيشها لوحدك ، مهما بلغت محبة من حولك لك ، وقربهم منك ، واهتمامهم بك .

وجودهم الرائع لن يمنع أشباح الأسى من ترقص حولك ، وطبطتهم اللطيفة على كتفك لن توقف طوفان الهم من أن يبتلعك ،وكلماتهم الرقيقة لن تحجز أشواك الحنين من الالتفاف حولك .

ولأن هذه المحطة لك عليك أن تعيشها بكامل تفاصليها الحزينة ، وأوقاتها الحرجة ، وأيامها الكئيبة .

من المؤكد أنها سيكون لها آثارها الواضحة على أعصابك المتعبة ، وإتزانك النفسي ، وجسدك المرهق .

ولكن قوة الحياة هي من سيعدك للحياة من جديد ، وسأتعود للحياة بعد أن كنت تؤشك على مغادرتها ،وتفتح الستائر لشمس بعد طول غياب ، وتروى السنابل بعد موتها ، وتسمع تغاريد البلابل بعد أن هجرت المكان .

قوة الحياة داخلك ستغلب قوة الموت المرعبة ، والتي قد تتعرض لها عند صدمتك في وفاة عزيز ،تاركة في داخلك تلك الخرائب البشعة ، والهزائم المتتالية ، والوحدة الشرشة .

أنها قوة عجيبة تأتي من نفسك المطمئنة بالله قبل أي شيء وإصرارك على الحياة،ورغبتك في البقاء رغم تلك المحطات الإجبارية ، والمنعطفات الخطيرة التي قد تصادفك من غير تؤقيت وفي أي مكان .

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>