نِعِمَّا رِجَالٌ عَرَفتُهُم (13): المهندس يوسف أحمد الصَّالح

الزيارات: 3017
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6583332
نِعِمَّا رِجَالٌ عَرَفتُهُم (13): المهندس يوسف أحمد الصَّالح
محمد إياد العكاري
المهندس يوسف أحمد الصَّالح
1369-1439هـ

                                                                           المهندس يوسف الصالح

يقولُ أمير الشُّعراء أحمد شوقي: (الابتسامةُ،والكلمةُ الطَّيِّبةُ،والقلبُ الصَّافي،هم الجمالُ الحقيقيُّ للإنسان) ، أي والله ،ليس هذا فحسب بل إنَّ سلامةَ الصُّدور هي طريق العُبُور إلى الجنَّة قال جلَّ وعلا في محكم التنزيل:”يومَ لاينفع مالٌ ولابنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم”  الشعراء(88-89) فسلامة الصَّدر خصلةٌ عظيمةٌ من خصالِ البِرِّ ،وفيها جوامع الخير والصَّلاح .
وفيما رُويَ عن السَّلَفِ الصَّالح أنَّ سفيان بن دينار قال لأبي بشير وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه :أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ،ويؤجرون كثيراً .
قال: ولِمَ ذاك؟!  قال: لسلامة صدورهم. وقال بعض السلف: (أفضل الأعمال سلامة الصدور، وسخاوة النفوس, والنصيحة للأمة، وبهذه الخصال بلغ من بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصوم والصلاة).
أجل لسلامتها تجاه الآخرين، وصفاء قلوبهم معهم، وحُبِّهم لغيرهم مايُحِبُّون لأنفسهم، فبهذا تسمو النُّفوسُ وترتقي، وتتألق المشاعر وتُحلِّق،وتخفقُ الأرواح وتطير لتصبح خَيِّرةً ،معطاءةً، طيِّبةً ،ودودةً،سابحةً في فضاءات الأنس والسعادة ،محلقةً في عوالم السُّموِّ والجمال.
وقد قيل إنَّ سلامة الصُّدور هي من النَّعيم المُعجَّلِ في الدُّنيا لأصحابها ألم يَقُلِ المولى سبحانه: “ادخلوها بسلامٍ آمنين ونزعنا مافي صُدُورهم من غلٍ إخواناً على سُرُرٍ مُتقابلين”الحِجْر(46-47) قال ابن عطية:(وذلك أنَّ صاحب الغِلِّ مُتَعَذِّبٌ به، ولاعذابَ في الجنة) والسَّلام والغِلُّ لايجتمعان في الدارين.وأبرز دعوات أهل الإيمان:
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، وهنيئاً لمن سلم قلبُهُ من الغِلِّ ،وصدرُهُ من اللؤْمِ،   ونِعِمَّا قولُ السموءل في مطلع قصيدته:
إذا المرءُ لم يدْنَسْ من اللؤْمِ عِرْضُهُ    =      فكـلُّ رِداءٍ يرْتـديهِ جميـــلُ
وإن هو لم يَحْمِلْ على النَّفْسِ ضَيْمَها=  فليسَ إلى حُسْنِ الـثَّـنـاءِ سبيــلُ
فالقلوب البيضاء لأصحابها كالثَّلجِ بَرْدَاً ونقاءً، وكصفحة السماء صفاءً وبهاءً، وكالفضاء مجالاً وجمالاً، فهنيئاً والله لحامليها وأصحابها أولئك الذين وهب الله لفطرهم السليمة المسامحةَ بلا حدود، وجمَّلهم بالصفح والعفو هكذا دون قيود،لأتذكر ماقاله المصطفى عليه الصلاة والسَّلام لقومه بعد فتح مكة:رغم.. رغم.. اذهبوا فأنتم الطُّلقاء فهل هو إلا الصفح والعفو دون قيدٍ أو شرط منه صلى الله عليه وسلم  .
وهؤلاء أهل القلوب الطيبة والفِطَرِ السليمة كما يقول أحبابنا في الأحساء طينةُ جنَّة وماأجملها من معنى، وأبهاها من وصف ،طينة جنَّةٍ أجل فمآلها إلى الجنة لأنها من طينتها وستعود لجبلتهاوأصلها، وكذلك قلوبهم هي كالجنان رؤىً وفوحاً،وطيباً وتعاملاً  حيث مشاعرهم كشلَّالاتٍ منهمرةٍ تُزيلُ أيَّ كَدَرٍ لتجلو صفحات القلب ليبقى صافياً ،ويبقى مذاقه كالقطر العَذبِ تجاه الآخرين رواءً وحُبَّاً، وليناً وودَّاً، كذلك الأحاسيس تسَّاقط باللطف والأنس على من حولها سلاماً ووئاماً، ساكبةً السَّعادة والبِشْرَ ، مُفَوِّحَةً الأريجَ والطِّيب ، فأعماق هؤلاء وحناياهم بساتين نضِرةٌ ،وصدورهم  روضاتٌ مُزهرةٌ ،تُرفرفُ في فضاءاتها حمائم الرِّضا والسَّلام،وتُغَرِّدُ على أفنانها عنادلُ الحُبِّ والسَّعادة ، وماأجمل مايسكب هؤلاء حيث يتواجدون من جمالٍ وطيب ،وماينشرونه من بهجةٍ وسرور.
وسلامةالصدور تتجلَّى بالمشاعر الرَّاقية ،والأحاسيس المزهرة،التي تنسكب طيباً ونبلاً وخيراً وبراً على من حولها أعمالاً وفِعالاً أجل لتلقى صاحبها مُشرقاً محيَّاهُ طلاقةً وبِشراً،متألِّقاً رؤاهُ مبسماً وجمالاً،وضَّاءً وجههُ أدباً وسلاماً،وماذاك إلا من صدق أعماقه وسلامة صدره وماأجمل قول ابن عيينة:
(البَشَاشَةُ مَصْيَدَةُ المَوَدَّةِ ، والبِِِرُّ شيٌ هَيِّنٌ وَجْهٌ طَلْقٌ، ولِسانٌ لَيِّنٌ).
وهؤلاء إن جاءهم الأجل فإن سلامة صدورهم التي تحمل قلوبهم الطيبة الخيِّرة ستكون نِعِِمَّا رصيدٌ وعُدَةٌ لهم لآخرتهم ،وليست قصة الصحابي الجليل الذي بُشِّر بالجنة عنا ببعيد ،حيث لم يكن له كثير عبادةٍ وصلاةٍ وصيامٍ ،لكنه كان لاينام إلا وقلبُهُ نقيٌّ صافٍ، ينامُ طيِّبَ النَّفْسِ، جميلَ الرُّوحِ ،مُسَامِحَاً ومُتَسَامِحَاً ،ولايحملُ في قلبهِ غِلَّاً لأحد،بل يحملُ الحُبَّ والخير ،وينبض حِسُّهُ بالمودَّة والبر فهنيئاً لمن كان قلبه كذلك وطوبى له .
وأحسبني بما ذكرت عن سلامة الصدر ،وطيب القلب ، وإشراقة الوجه ،أتذكر المهندس يوسف أحمد الصالح رحمه الله الذي ارتسمت صورة قلبه على مُحَيَّاهُ بالبشاشة والود،وتبدَّت سلامة صدره بطلاقة وجهه والابتسامة التي لاتفارقه، أجل ومن منَّا لايعرفه ولايذكره إلا بالخير ذلك  الرجل الذي أحبَّه الجميع لدماثته وطيبه ،  وترك أطيب الأثر مع من عرفه لجمال خُلُقه ولطيف أدبه ، ونِعِمَّا هو ومعشرُهُ ،ونِعِمَّا أَدَبُهُ وسِيرَتُهُ.
ولد المهندس يوسف أحمد الصالح  في حي الكوت عام 1369هـ في بيت أخواله آل البوعلي ، وكان والده مديراً للأمن العام في الدمام ولظروف والده وعمله خارج الأحساء تربى وترعرع عند أخواله ، حيث كانت نشأته وطفولته ،وكان كذلك لعمه الأستاذ صالح الصالح دورٌ في تربيته وتنشئته مع والده ،فاكتسب من الجميع خصالهم الجميلة ،وسجاياهم الطيبة ،وقد كان للأستاذ الفاضل والمربي القدير حمد البوعلي حفظه الله أثرٌ كبيرٌ عليه في طفولته، وكان أستاذه في فتوته وريعان شبابه ،ولم يزلْ صديقَهُ طيلةَ حياته.
عمل المهندس يوسف أحمد الصالح ابتداءً بعد تخرجه في الإدارة الهندسية في إدارة التعليم، ثم عمل مديراً للإدارة الفنية في جامعة الملك فيصل، لينتقل بعدها ويتسلم إدارة مصلحة المياه بالاحساء، وذكرهُ الطِّيبُ حيث كان ،كما ترشح للمجلس البلدي وفاز بعضويته ،وكانوا لمكانته وقدره يسمونه بالعميد.
أما علاقاته مع أسرته فكانت لصيقةً وكذلك أبناؤه الذي أعرفهم جميعاً ،وكان حريصاً على أن يكون أبناؤه نماذج تحتذى في الخلق والدين والنجاح والتفوق ليكونوا عناصر فاعلين في مجتمعهم،وكانوا كذلك ، وكانت كذلك علاقاته مع قراباته وطيدةً وعلى صلةٍ دائمةٍ بهم وتزاور لاينقطع  ،وكذلك كانت علاقته مع جيرانه على أحسنها و مع كل من يحيط به كان التواصل والبر منه ،ولم أسمع عنه إلا كل ذكر حسن  من الجميع  .
أما المهندس يوسف رحمه الله بالنسبة لي فهو أخٌ عزيز،وجارٌ ودود،وخِلٌ وفيٌّ،وصاحبٌ لاتملُّ صَُْحَْبتَه،وصديقٌ قديمٌ معرفتي به منذ أكثر من ثلاثة عقودٍ ونصف ،أجل منذ أكثر من خمسةٍ وثلاثين عاماً، وكان مريضي مُذ كنتُ في الحرس الوطني،وكذلك في عيادتي الخاصة مع أسرته وأولاده  ،وكنت ألتقيه دائماً، وهو جارٌ قريبٌ لي في حيِّ الشُّروفية لربع قرنٍ من الزَّمان، كنت ألتقيه في مساجد الحيِّ،مسجد الصُّويِّغ ،ومسجد العبد القادر ،وجامع الرَّاشد حيث كنا نحضر خُطبة الجمعة عند الشيخ محمد صالح العلي رحمهما الله
وكنا أيضاً نتزاور مع بعض  ،وألتقيه في المجالس الأحسائية المتميزة بجمالها وأريحيتها،وقفشاتها ونفحاتها ، وأنسها وكرمها، وكذلك في الأماسي الأدبية ،والأمسيات الشعرية، والندوات الثقافية، وبالأخص الأحدية ندوة الشيخ أحمد بن علي آل الشيخ مبارك ،رحمهما الله وأحسن إليهما،وأذكر أنَّه كلَّما رآني أشعر بالفرحة تغمر وجهه ، والابتسامة تشرق على محيَّاه،لتنساب مشاعر الودِّ أنهاراً عذبةً منه، ويتجلَّى صدق المحبة كبساتين نضرةٍ مزهرةٍ يضوع عبيرها بحديثه ولطفه ، هذا حاله معي وهو حالي معه كذلك،رحمه الله كنت أُحبُّ صحبته وهو كان كذلك ، وكنت أتصل به دائماً عندما أهمُّ لحضور الأحدية ندوة الشيخ أحمد المبارك رحمه الله، وكان يرافقني في سيارتي إن أراد حضورها لنذهب من حي الشروفية في المبرز إلى حي البصيرة في الهفوف حيث الندوة ولانشعر إلا بوصولنا للمجلس من أنس اللِّقاء ،ونبض النَّقاء ،وصدقِ الإخاء،وهذا وصف علاقتنا الرَّاقية ببعضنا،أجل هذا ماكان يحمله في فؤاده ،وتشعر به جليَّاً مُتألِّقاً في مُحيَّاه،أنساً وودَّاً ولُطفاً وبشاشةً ، وما كان هذا الطِّيبُ في لُقياهُ إلا انعكاساً لخلجات صدره وحناياه،ورسماً لنُبلِ مشاعره وأحاسيسه.
حقَّاً إنَّ للأُخوَّة الصَّادقة ،والعلاقات الإنسانيَّة المُتميِّزةِ روعةً وألَقَاً ونُضرةً وجمالاً ،ورياضاً وأفياءً أي والله ماأجملها وأروعها وأكرمها ، ونِعِمَّا هو والله، فقدناه في هذه الحياة الدُّنيا التي هي مزرعة العمل ،وزوَّادةُ الآخرة، ولكننا سنلقاه هناك بإذن الله  في دار الصِّدق، دار الكرامة، ونِعِمَّا هو رحمه الله ،ونعما معشرهُ وأخلاقُهُ ، ،وأصالته ومعدنه لذلك حاز محبة الناس، ونال القبول  ،وترك أطيب الأثر عند الجميع .

هذا حالهُ مُذْ عرفتُهُ ،وهذا وضعهُ مُذْ قابلته، ونحسبُهُ من أهل الخير والصَّلاح  ، ولكلِّ مُسمىً من اسمه نصيبٌ،أجل يوسف هي صورته، والصَّالح هي حالته ،ولانُزكِّي على الله أحداً ،وهذه شهادتنا به، نكتبها بماء القلب يايوسف أجل وماشهدنا إلا بما علمنا ، وماسطَّرنا إلا مارأينا ، رحمه الله، وطيَّب ثراه ،وأحسن مثواه، وتقبَّله في علِّيِّين ، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ،والحمد لله ربِّ العالمين.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>