مَفْهُومُ الْمَفْهُوم غَيْرَ مَفْهُوم .. !!

الزيارات: 609
تعليقات 3
https://www.hasanews.com/?p=6573469
مَفْهُومُ الْمَفْهُوم غَيْرَ مَفْهُوم .. !!
بكر العبدالمحسن

كلمة مفهوم في اللغة من الفعل (فَهِمَ) بمعنى فهمتُ الشيء أي عرفته وعقلته وعلمته وفي الاصطلاح عرَّف أبو البقاء الكفوي (ت 1094 هـ) المفهوم بأنه الصورة الذهنية سواء وضع بإزائها الألفاظ أو لا والمفهوم بمعناه المنطقي هو مجموع الصفات التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى.

وتتعدد المصطلحات اللفظية للتعبير والدلالة على المفاهيم المتنوعة في حياة الناس والمجتمعات والأفراد والتي كونتها وصاغتها التجارب والخبرات والبيئة والقيم والعادات والتقاليد ومستوى التفكير ليضع اطارا يُحدد ماهية المفهوم المتداول وحُدوده لغويا وصورته الذهنية والذي يُؤدي إلى التواصل والتفاهم بين الأفراد والمجموعات دون الحاجة إلى التفسير والشرح والإيضاح ومن المفاهيم ما هو واضح وجلي لا لبس فيه كمفهوم العمل أو الموت ومنها وما هو فضفاض وواسع كمفهوم العدل أو السعادة أو المرأة ومنها ما هو ضيق ودقيق كمفهوم الحرية أو الحجاب ويأتي هذا التنوع من خلال حركة الوعي والنضج والنص الديني والتاريخي والعلمي والفلسفي وتُقاس حركة نهضة الشعوب والمجتمعات وتقدمها بمقدار وعي أفرادها بمضمون مصطلحات المفاهيم المتداولة في لغة تخاطبها وتفاعلها وحركتها وسلوكها وأنه وعي ينم عن إدراك وعلم وفقه وليست رموزا وأصواتا يتم التحدث عنها ويكون الفرد عاجزا عن الإحاطة بمدلولها وتطبيق محتواها في العلاقة بينه وبين نفسه أو مع الآخرين.

والمتتبع للعديد من المفاهيم في اطارها الواسع أو الضيق في مجتمعنا يجد أن الكثير منها هي السبب الرئيسي في مشكلاتنا الواقعية وأن ترك هذه المفاهيم للعبث العام بلا تأطير ولا ضبط ولا حدود ولا وضوح ولا رؤية هو الذي أدى إلى تفاقمها وحدوث التفكك الأخلاقي والفكري والديني والمعرفي والوطني فيها ونشأة الجماعات المتطرفة والأفكار المنحرفة والتوجهات المعقدة والتصرفات الخاطئة فكثير من المفاهيم تم استخدامها لتشويه الآخر أو الإضرار به أو للوصول لغايات شخصية أو فئوية وذلك بحسب هدف الاستخدام ما بين حدوده الشخصية أو الاجتماعية أو الدينية أو السياسية أو الوطنية وخلقت هذه المفاهيم صورة ذهنية في إدراك الناس عن الأشخاص أو الأماكن أو الأفكار أو المعتقدات وجعلت من العقل لا يفكر اتجاه اطلاقها ويحاكم ويعامل الناس عليها ولقد فاقت المفاهيم في قوة سيطرتها على العقل ومقاومتها للواقع كل التوقعات وباتت الأفراد غير قادة على التحرر من فرض قوتها على جميع الطبقات والفئات الاجتماعية والثقافية والدينية واستسلم الكثير منا لصورها الذهنية ومحدداتها النمطية والغريب أننا نُساهم ونحسن ونطور من زيادة التأكيد على بقائها من خلال الخبرات السلبية والمواقف النادرة والأمثال الشعبية والآراء الخاصة والقصص الخرافية وردود الأفعال الغير متزنة حول صحة المفهوم وديمومته.

وما يحدث اليوم من مشكلات تعصف بحياتنا الوطنية أو الأسرية أو الاجتماعية أو الدينية أو الإنسانية ما هي إلا نتيجة مفاهيم خاطئة ومغلوطة عن الآخر في علاقاتنا أو نتيجة غياب أصل المفهوم المشترك بين الأفراد والأزواج والمجتمعات فحينما تضعف المفاهيم الدينية الصحيحة بين أبناء المجتمع تكون الفرقة والتحزب والكراهية وحينما تغيب المفاهيم الأساسية بين الرجل والمرأة يكون الانفصام والعنف والطلاق وعندما تشح المفاهيم الاجتماعية بين أبناء المجتمع الواحد تكون الطبقية والقبلية وتسود الأنانية والفوضى وحين تنعدم المفاهيم الوطنية المشتركة بين المواطنين يكون الفساد والظلم وغياب النظام فهناك من يعتقد أن مفهوم الوطن بيت صغير مهمته توفير جميع الاحتياجات المادية للفرد وأن الدين منهج سلطة على الناس يسلب منهم حرية الاختيار وأن مفهوم المرأة ناقصة عقل ودين و أن الزواج استمتاع بالجنس وانجاب للأبناء وخدمة الزوج وأن مفهوم المدرسة تعليم من أجل الحصول على شهادة للوظيفة والمظهر العام وأن مفهوم الكرم هو اطعام الأغنياء على موائد الإسراف والتبذير وأن مفهوم العبادة ينحصر في الذهاب إلى المسجد بغض النظر عن أداء حقوق وواجبات الناس وأن مفهوم الحب يعني الأنانية في الاستحواذ على الأشياء والأفراد .

أخيرا .. لقد حان الوقت أكثر مما مضى لدراسة وفحص وتصفية جميع الصور الذهنية لمفاهيم ملأنا بها عقولنا وصارت هذه الصور الذهنية تتحكم في سلوكنا وتُساهم في زيادة مشاكلنا وتمنعنا من الارتقاء والتقدم والحضارة أو لمفاهيم نحن بحاجة إلى تأكيد وجودها وحاجتنا لها ولكي نحذف أو نعدل أو نضيف في بعض المفاهيم لابد من استخدام أدوات المنطق والتفكير والتحليل والنص الديني الثابت والصحيح والقيم والمبادئ الإنسانية الثابتة من أجل تأكيد المفاهيم الأساسية والمشتركة وصناعة مفاهيم واقعية تُعلي من قيمة الإنسان ويكون المفهوم علامة تدل على أصالتنا ووعينا.

التعليقات (٣) اضف تعليق

  1. ٣
    Zahraa frdan

    سلمت يداك ابو محمد، صدقت حين قلت (تُقاس حركة نهضة الشعوب والمجتمعات وتقدمها بمقدار وعي أفرادها بمضمون مصطلحات المفاهيم المتداولة في لغة تخاطبها وتفاعلها وحركتها وسلوكها وأنه وعي ينم عن إدراك وعلم وفقه) لو أدرك المجتمع إلى اي درجه تساهم المفردات في رقيه لما تهاون في السعي لانتقاء الافضل ..

  2. ١
    زائر

    كل مفهوم أيها الكاتب خالف العقل والمنطق فهو مردود
    اما عكس ذلك فيجب الأخذ به والسير عليه
    فمقالك أيها الكاتب لابد فيه توضيح الرؤية الصحيحة التي يستند عليها تغير المفهوم من عدمه حتى لا يعيش الناس في تخبط في تصحيح المفهوم العشوائية
    وشكرا

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>