حِكَايَة اِسْمُهَا مَفْقُودٌ.. !!

الزيارات: 948
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6571049
حِكَايَة اِسْمُهَا مَفْقُودٌ.. !!
بكر العبدالمحسن

مفقود كان محط الاهتمام والمتابعة والتلهف من قبل الجميع حول دواعي اختفائه وكيف وُلد من جديد وعاد لأهله بحمد الله وتوفيقه وقد ظلت التساؤلات تحوم في النفوس وتحرق الحشا وتُذيب الفؤاد للبعيد قبل القريب حول حكاية شخص مفقود كنموذج من نماذج مُتعددة وكثيرة جدا اختفت ثم ظهرت أو ابتعدت ولم تعد أو هربت من أهلها أو مجتمعها إلى خارج الوطن أو لجأت إلى دُور الرعاية الاجتماعية للعيش فيها وفضلتها على أهلها أو زهقت روحها من أجل الخلاص من عالم الدنيا فكل هؤلاء يجمع بينهم عامل مشترك أنهم ضحايا ساهمنا في مأساتهم وضياعهم .

وفي كل فترة يلوح في سماء حياتنا حكاية شخص مفقود يبحث الجميع عن جسده الضائع بين الأجساد المتحركة والأماكن المترامية والتي فقدت شكله وصورته وكل همها وأملها أن تجد ذلك الجسد وترده إلى أهله ولم يفكر أحد منا أو حتى المحيطين به أن يكون المفقود والتائه هي الروح التي داخل ذلك الجسد والتي تاهت وذهب هو أولا ليبحث عنها في كل مكان فظل الطريق في متاهات الحياة واشتبهت عليه الأمور حتى نسي أنه مفقود من الوجود والكل مشغول البال عليه فلا هو يعلم بوعي ضياعه ولا الباحثين عنه يُدركوا أسباب ودوافع غيابه عن المشهد والصورة .

إن حكاية اسمها مفقود كنموذج افتراضي تعني أن الهروب أو الانتحار أو تناول المخدرات أو الجريمة أو الفشل أو الوقوع في المحرمات والمحظورات هو الطريق الوحيد فقط أمام بعض الأشخاص من مختلف الأعمار والفئات والذين عانوا من غياب الحقوق اتجاههم أو توفير البيئة الصالحة لهم أو التعامل معهم بعنف أو قسوة أو حرمانهم من أبسط احتياجاتهم وأن هذه الفئة اضطرت إلى هذه الممارسات وسارت في طريقها لأنه هو الطريق الوحيد الذي أمامها في ظل انعدام الخيارات برغم قسوتها على صاحبها وعلى المحيطين به.

إن وراء كل حدث يظهر للإعلام حول قضية مفقود أو هارب أو منتحر أو فاشل قصة بدأت حكايتها من حالة اضطراب في الشخصية ناتج عن التفاعل في بيئة غير صحية أو تعرض لأزمات نفسية أو غياب وانعدام لحالة الانسجام بين الوالدين أو الحرمان من أبسط الحقوق الشخصية والخيارات الفردية ونتيجة لذلك وغياب الوعي الأسري بتشخيص الحالات وفهمها قبل وصولها إلى حالة اتخاذ القرار النهائي وتكون المشكلة ويقع الفأس في الرأس ويكون جُل اهتمامنا بعد وقوع المشكلة هو عودة الحياة أو المفقود أو الهارب أو الفاشل إلى حضن والديه أو أسرته أو مجتمعه شكلا لا مضمونا واسما لا واقعا وتعود الحكاية إلى ما قبل النهاية .

لقد نظر الجميع إلى حكاية اسمها مفقود على أنه ذلك الابن المفقود الذي يُرتجى عودته ويقر قلب والديه وأسرته ولم يفكر أحدنا أن الدور القادم قد يكون في محيطنا وقد يشمل أحدا من أبنائنا وبناتنا وأنهم قد يتخذوا شكلا من أشكال البحث عن ذواتهم المفقودة خارج عن محيطنا وأنه ليس بالضرورة أن تكون هناك عودة وأمل في التصويب فلربما رحيل بلا عودة وفراق بلا لقاء وألم ليس فيه شفاء وحسرة لا تنفع معها الندم .

أخيرا .. إن حكاية اسمها مفقود : هي حكاية بذورها موجودة في كل نفوس أبنائنا وبناتنا وأن عدم الاهتمام بالجانب العاطفي والنفسي والديني والتربوي والعقلي بهم قد يجعل منهم في أي لحظة أن يكونوا ضحايا للبحث عن تقدير ذاتهم من وجهة نظرهم سواء كانت بطريقة صحيحة أم خاطئة من أجل لفت الانتباه والانظار إلى قضاياهم واحتياجاتهم ومتطلباتهم ولا يعني أن السلامة سوف نجنيها في كل موقف وحادثة وأن على الآباء والأمهات والمعلمين والخطباء والدعاة أن يُدركوا أن أي تجاهل أو عنف أو حرمان أو تقصير اتجاه جيل اليوم سوف يجعلهم يبحثون عن ذواتهم في وسائل وأدوات وطرق تُؤلمنا قبل أن تُؤلمهم وتضجع نومنا قبل أن تُؤرقهم وتجعل من حياتنا كئيبة قبل حياتهم وأن القرار اليوم بيدنا قبل أن يكون غدا بيدهم حتى لا تكون هناك حكاية جديدة اسمها مفقود .

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    جميل جدا سيد وما صنع قصة المفقود وما يجعلها تستمر وتكبر الا اننا ضيعنا الدعا للابناء واعتمدنا على انفسنا اننا من نملك توجهاتهم وتحركاتهم وليس لنا ربنا يغير ويبدل ليتنا نرجع كما كانوا امهاتنا السابقين والابائنا ليلا مساء يضجوا لابنائهم بالدعاء فلابحول وقوة مني ولكن بحولا وقوة منك اللهم اصلحهم واهدئ سريرتهم

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>