دعوة الى مأدبة عالم الأفكار

الزيارات: 702
تعليقان 2
https://www.hasanews.com/?p=6559353
دعوة الى مأدبة عالم الأفكار
خالد المحيفيظ

من بين أبرز ما يختلف الناس فيه اهتماماتهم الخاصة ، والتي يترجمونها الى نشاطات يقومون بها أثناء وقت فراغهم وتكون عادة قد ترسخت لديهم منذ الصغر . هذه الاهتمامات او النشاطات تتحول الى ان تكون عوالم خاصة يتميز أحدهم بها عن الآخرين .

لو نأخذ صورة بانورامية لاهتمامات الانسان المعاصر لأمكن تصنيف العوالم التي يعيشها الناس بشكل عام إلى : عالم الماضي [ شخصيات واحداث ] ، عالم الحاضر [ الاخبار و الأشخاص ]، عالم التسلية والترفيه، عالم التواصل [ الذي مكنته التقنيات الحديثة ] و عالم الأفكار …الخ .

قد يكون للبعض أكثر من عالم يعيشه ومع تقدم الإنسان في العمر يكون قد حدد نوعية العالم/العوالم التي يود ان يعيشها طوال عمره.
تؤثر هذه العوالم في الشخص وتكون محور تفكيره ، احاديثه ، مداخلاته في احاديث المجالس كما تكون حاضرة في كثير من المجالات بما فيها مكان العمل .

عالم الأفكار هو عالم القراءة الحرة . فعند قراءة الكتب الدينية توجد الأفكار وعند قراءة الفلسفة يجد الشخص الأفكار و عند قراءة الأدب والشعر ، تستنبط الأفكار وعند قراءة مجلة رصينة او مقال يعالج موضوعآ جادآ ، فهو ضمن عالم الأفكار .

من بين العوالم التي تم ذكرها في السابق ، يبرز عالم الأفكار ، كونه قد يكون الوحيد الذي يكون مردوده ثنائي الأثر على الفرد والمجتمع .

لاشك ان مسئولية الفرد في العصر الحالي تغيرت حيث تعددت المشاغل والنشاطات ، الى درجة ان البعض يكرر في منولوجه الداخلي بانه اصبح ” متوتر ” ، و ” لا يملك الوقت ” ومع هذا ترى الكثير من الناس لا يدركون واقع ان وقت فراغهم يتم استهلاكه من قبل تلك النشاطات المرتبطة بعوالمهم التي اختاروها.

*التثقيف الذاتي
يرجع مفهوم ” التثقيف الذاتي ” الى عام ١٩٤٦م وذلك مع ظهور الطبعة الاولى لكتاب ” التثقيف الذاتي ، او كيف نربي أنفسنا ” للمرحوم سلامة موسى .
يفصح سلامة موسى عن موضوع كتابه على انه ” تخريج الرجل المثقف ” او ما اطلق عليه لاحقآ ب ” الرجل المهذب ” .
تنبني فكرة التثقيف الذاتي ، والذي تأتي القراءة الحرة في نواتها ، على فكرتين أساسيتين :

الأولى ان التعليم النظامي او الرسمي لا يلبي حاجة الإنسان الطبيعية للمعرفة ، لانه تحول لدى الكثيرين وسيلة للحصول على وظيفة .
يقول سلامة موسى [ لنتذكر ان الكتاب ظهر عام ١٩٤٦م ] “في مجتمعنا الحاضر المدرسة ضرورة لكل فرد من الجنسين . وفِي مجتمع راق ننتظره ونحلم به ، سوف تعد الجامعة ضرورة ايضآ لكل فرد من الجنسين .وكلنا يعرف ان ما نحصل عليه في المدارس مقدار صغير ، ازاء الحاجات التي تطالبنا بها الحياة ، ولذلك فإننا نحس الجهل في مواجهة الصعاب ……ثم ان هذه المعارف التي نحصل عليها في المدارس إنما تعد أساسا نبني عليه حين نخرج من المدرسة “.
كما أشار تقرير لمنظمة اليونسكو صدر عام ١٩٦٠ م  الى موضوع القراءة الحرة ” لم يعد كافيآ ان يقضي الفرد سنوات محددة في التعليم المدرسي ليتمكن من ان يسلك طريقه في حياة قد تمتد لأكثر من خمسين عامآ اذ ان ما تعلمناه في الصغر قد اصبح عتيقآ في حاجة ان نضيف اليه جديدآ ” .

النقطة الثانية التي تنبني عليها فكرة التثقيف الذاتي هي الأثر الإيجابي الذي تتركه القراءة الحرة على الفرد والمجتمع .

من ناحية الفرد فالتثقيف الذاتي يؤدي إلى بناء شخصية مستقلة ، تنمية شعور بالقدرات الذاتية وتحمل المسئولية، تكوين التفكير النقدي ، تكوين صور ونماذج ذهنية اكثر واقعية عن العالم وعن النفس ، ملأ الثقوب المعرفية ، تربية الإرادة الانسانية الحرة و الرقي الذاتي النوعي .

ايضآ التثقيف الذاتي يخرج الشخص من روتين الأفكار التلقائية والعادية كما له دور في تطوير الفرد عاطفيآ ، ذهـنيآ و فكريآ ومن ثم تكوين الفرد البعيد عن التقوقع والتعصب .

يؤدي التثقيف الذاتي الى بلورة اُسلوب حياة يجعل الانسان متجدد الفكر .

أما المجتمع فالقراءة الحرة عبر تأثيرها في الأفراد فأنها تؤثر في المجتمع ، وذلك عبر التأثير الإيجابي للكتب على الأفراد من ناحية الأخلاق ، القيم حيث يتحول المجتمع الى أفراد اكثر تجانسآ و رقيآ ، يدركون الحقوق والواجبات تجاه المجتمع ، كما يشعرون اكثر بحقوق المواطنة .
يقول سلامة موسى ” الكتب العظيمة هي الكتب التي تغير الناس لانها تكسبهم قيم جديدة في الأخلاق او الاجتماع او العلم او الأدب ، والكتاب الذي لايغيرنا لا يربينا لأننا ننتهي من قراءته ونحن على حالنا التي بدأناها به وإنما نتغير بالكتاب لانه جاءنا بجديد فأقنعنا بصلاح المبدأ الذي يدعونا اليه او أوضح السئ في عاداتنا ووجهات نظرنا . ولذلك نجد في الكتاب الذي يغيرنا اتجاهآ جديدآ في نفوسنا وبرنامج جديدآ لحياتنا .”
تختلف عملية التثقيف الذاتي عن التعليم النظامي كونها تربية ذاتية حيث هي تثقف ، توجه وتوسع المدارك كما تبني العقل المفكر.
كما يختلف التثقيف الذاتي عن القرّاءة الحرة كونه عملية يؤديها الشخص بوعي وبناء على منهج و دليل إرشادي . في هذا الإطار يشير سلامة موسى الى نصيحة الرئيس الامريكي السابق ودررو ولسن لمن يود ان يصبح مثقفآ :

.ان يعرف تاريخ العالم منذ بداية الكون ، فنشأة الحضارة الى الان .
.ان يعرف تاريخ الأفكار السائدة التي يسير العصر على مبادئها .
.ان يعرف علما من العلوم .
.ان يعرف لغة ما وخير اللغات التي يعرفها هي لغته آلتي نشأ عليها .
يمكن اضافة الاعمال والروايات الكلاسيكية الى القائمة السابقة كونها تحمل في طياتها افضل وأعمق ما تركه المفكرون و الروائيون الكبار.

تحتاج تبني التثقيف الذاتي الى تغيير الطريقة النمطية السائدة لدى الكثيرين الى القراءة الحرة/التثقيف الذاتي على انها مجرد هواية من ضمن الهوايات الاخرى او طريقة لملأ الفراغ وإبدالها بالنظر الى التثقيف الذاتي على انه اُسلوب و منهج حياة .

*الختام
تهيمن على الانسان المعاصر عوالم عدة ، على رأسها يأتي ” عالم التواصل ” والذي ظهر نتيجة الغيبوبة التقنية ، عالم التسلية والترفيه وعالم الأخبار ، قد يكون قد حان الوقت للتذكير ان هناك عالم آخر قد يكون الكثيرين لم يطرقوه بعد وهو عالم القراءة الحرة وعالم الأفكار .

ان الانتقال الى عالم الأفكار هو انتقال الى حياة اخرى تتمثل فيها الاطلاع على عقول علماء الدين ، الفلاسفة ، المفكرون والروائيون الكبار ، الى من كان لهم دور في تطوير البشرية ، الذين تَرَكُوا ارثآ تستفيد منه البشرية جمعاء .
ان الشذرات المعرفية التي يحصل عليها الانسان المعاصر تحت عناوين مثل القراءة السريعة ، الكتاب الصوتي ، ملخص الكتب ، رحيق الكتب لن يكون لها اثر في التثقيف الذاتي او تربية الانفس .
في جميع العوالم الاخرى الانسان مستهلك الا في عالم الأفكار فانه يستثمر .

يقول المرحوم عباس محمود العقاد ” القراءة وحدها التي تعطي الانسان الواحد اكثر من حياة لانها تزيد هذه الحياة عمقآ وان كانت لاتطيلها بمقدار الحساب ” .

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ٢
    زائر

    اجاد الكاتب كعادته في اختياره وجبة للعقل من ” منيو ” الوجبات المتعددة والشهية ، فالقراءة هي قوة معرفة وبناء حضارة وشموخ علم وعطاء نفع واعتلاء المعالي ..
    وهذا لا يتأتى الا بانتقاء المقروء الصالح وفرز النافع من الضار وتربية وتعويد النشئ على القراءة وتشجيعه وترغيبه بها بشتى الوسائل المحببة …
    من يقرأ يرقى ..

  2. ١
    زائر

    العقل مفرخة للافكار ، فكلما كانت المفرخة سليمة لاتعاني من خلل او اضطراب كلما كانت ماينتجه سليما صالحا نافعا..
    مقال رائع كروعة كاتبه

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>