ضياع الموهـبة

الزيارات: 901
تعليقات 3
ضياع الموهـبة
https://www.hasanews.com/?p=6558403
ضياع الموهـبة
مها الهاجري

دائماً ماكنت أعتقد أن الموهوب هو الذي يظهر سلوكاً متميزاً خارقاً للعادة مقارنة ببقية أقرانه في العمر الزمني، ويتولى المناصب الأولى في جميع المحافل التي يتواجد بها ،لكن بعد دخولي للجامعة ومن خلال تخصصي “تربية خاصة ” تغير هذا المفهوم كلياً بالنسبة لي، بل أصبحت أجده سطحياً وغير منصف للجميع ، وأقصد بالجميع هنا؛ كثيراً من الأشخاص الذي نواجهم في حياتنا اليومية لكن لا نستطيع أن نرى موهبتهم بوضوح ، لكن ماهي الأسباب التي كانت خلف عدم وضوح وبروز موهبتهم لنا، وخروجها للعيان ، و باعتقادي الشخصي ،انه سؤال يستحق التفكير لكل أم وأب ومعلم ومعلمة.

الموهوبون ذوو صعوبات التعلم

ضياع موهبة هذه الفئة “الموهوبين ذوي صعوبات التعلم ” يرجع إلى رفض البعض بالاعتراف بهذه الفئة وذلك يرجع للتناقض الذي يحمله المصطلح ، وأيضاً إلى الجدل الكبير حول ما يعنيه كلاً من مصطلحي الموهبة، و صعوبات التعلم في مجال التربية، وعدم وضوح المصطلحين والتوصل إلى تعريف متفق عليه لكلٍ من الموهبة ،و صعوبات التعلم ؛ والذي أدى بدوره إلى وجود صعوبة في التعرف على هذه الفئة “الموهوبين ذوي صعوبات التعلم” لكل من الآباء ، والمعلمين ؛ وذلك لازدواجية الحاجات الخاصة لديهم ، حيث تعتبر عملية التعرف على هذه الفئة معقدة وذلك ؛ لأنه لا يملك الفرد هنا حاجة خاصة واحدة فقط ، بل حاجتين خاصتين ، أو بما يسمى حاجة خاصة مزدوجة كما هو في فئة الموهوبين ذوي صعوبات التعلم، و لكن في العقود الأربعة الأخيرة ظهرت لدينا مفاهيم جديدة تؤكد على إمكانية أن يعاني الطالب الموهوب من صعوبات تعليمية حيث يمكن تصنيفه على أنه طالب موهوب من ذوي صعوبات التعلم(محمد وآخرون،2015) ، ومن بين التعريفات العديدة لهذه الفئة تعريف (فتحي الزيات ،2002) ، حيث عرّف الموهوبين من ذوي صعوبات التعلم بأنهم “الأطفال الذيم يمتلكون مواهب أو إمكانيات عقلية غير عادية تمكنهم من تحقيق مستويات أداء أكاديمية عالية، مع ذلك يعانون صعوبات نوعية في التعلم تجعل مظاهر التحصيل أو الإنجاز الأكاديمي صعبة ،وأداؤهم فيها منخفضاً ملموساً”، اذاً الموهوبين من ذوي صعوبات التعلم تظهر لديهم الموهبة ، والقدرة أو التفوق في مجال محدد من المجالات ، وضعفاً أيضاً وعدم القدرة في مجال أو في مجالات أخرى (محمد وآخرون،2015).

أساليب المعاملة الوالدية وتأثيرها على الموهوب

تعتبر الأسرة مؤسسة اجتماعية في غاية الأهمية ،لما يترتب عليها من آثار عديدة سواء أكان ذلك بالإيجاب أم بالسلب على تربية الموهوبين ، هناك نمطين من

المعاملة الوالدية لأطفالهم وهما: النوع الإيجابي الذي تطمح له كل أسرة ، والذي يعتبر أرض خصبة لظهور موهبة الطفل واكتشافها، والنوع الآخر السلبي (المهمل) وهو ما يسمى في الأوساط التربوية بـ Neglectful Parenting Style” “، حيث يعتبر هذا النمط محبط وملغي لموهبة الطفل، حيث يتصف هذا النمط بعدم تقديم الوالدين الرعاية والتقبل والاهتمام للطفل الموهوب ، واللامبالاة بأبنائهم ، وعدم إشباع الحاجات الفسيولوجية والنفسية لأبنائهم الموهوبين ، كالحب ، والحنان ، والاهتمام وغيرها من الاحتياجات ، وعدم تشجيع أبنائهم وإثابتهم على السلوك المرغوب فيه، ولا يعاقبانه بالسلوك الغير مرغوب فيه، والذي ينعكس على الطفل الموهوب بطمس موهبته حيث يصبح شخصية مترددة وقلقة، يتصف سلوكها بالتخبط وذلك بسبب عدم وضوح الحدود بين الخطأ والصواب وبين الحقوق والواجبات، و انضمامه إلى مجموعات أو ما يسمى بـ ( الشلة) حيث يجد فيها الاهتمام والحب الذي لم يجده لدى والديه وقد تكون صحبة سيئة أو جيدة ، ونتيجة لفقدانه لكلٍ من الاهتمام، والرعاية ،التي يحتاجها داخل أسرته ؛ مما أدى إلى جعله شخصية مخالفة للقوانين العامة والاعتداء على الآخرين، وبهذا نرى مدى تأثير المعاملة الوالدية على الطفل الموهوب حيث يتحول مصيره بالكامل من طفل يفترض أن يكون موهوب ومبدع في مدرسته إلى طفل عادي يتسبب بالمشاكل لمن حوله (الزهراني،2018 ).

الموهوبين ذوي التحصيل المتدني

أثبتت الإحصائيات أنه حوالي نصف من أطفالنا الموهوبين لا يرقى أدائهم في المدرسة إلى مستوى قدراتهم الفعلية التي يمتلكونها، ونعني هنا بالموهوب منخفض التحصيل : هوالفرد الذي يمتلك القدرة الكامنة لتحقيق التحصيل المرتفع ، ولكنه لا يستخدم هذه القدرة بصورة تنعكس عليه إيجاباً ، وبالتالي فهو لن يعطي درجات جيدة تعكس مستواه الفعلي على ورقة الاختبار وذلك يعود إلى عدة أسباب: كانخفاض الدافعية لديهم، أو الخوف من ارتكاب الأخطاء على أي اختبار يتم تنفيذه بصورة فردية ، لذلك نجدهم يتجنبون الإجابة عن السؤال إذا مالم يكونوا متأكدين جيداً منه ، ويمكننا التعرف على الموهوب ذوي التحصيل المتدني مبدئياً من خلال ملاحظتنا له ،حيث سوف نجد أن أعماله اليومية غالباً ما تكون ناقصة وغير مكتملة، ونلاحظ عليه الفهم الفائق والملفت للانتباه والحفظ المرتفع للمفاهيم والموضوعات التي يهتم لها ،والأداء الضعيف على الاختبار، وحيوية الخيال والابتكار ، وأيضاً نستطيع ملاحظة الفجوة الواسعة بين المستوى النوعي للعمل الشفهي والمكتوب، ويمكننا أيضاً التأكد من خلال مقاييس تحديد متلازمة انخفاض التحصيل الدراسي عند الطلبة الموهوبين( السمادوني،2009).

معلم الطلبة الموهوبين ومدى تأثيره

يؤثر المعلم بصورة كبيرة على الطلبة الموهوبين ، حيث يقضي الطلبة الموهوبين بما يعادل الثماني ساعات يومياً مع المعلم ، حيث يتأثر الطلبة الموهوبين باتجاهات ، وأفكار ،وحتى بطريقة تفكيره ، ومدى تأثير المعلم على هؤلاء الطلبة الموهوبين أراه من وجهة نظري سلاح ذو حدين، إذا مالم يتم اختيار المعلم الصحيح والذي يجب أن يتميز بمجموعة من الصفات الواجب توافرها لمعلم هذه الفئة الخاصة “الموهوبين” حتى يستطيع أن يرفع ويرقى بهذه الفئة ، حيث يجب أن يكون ذا مستوى عالٍ من الذكاء ، وأن يكون ملماً بطرق التعلم المختلفة واستخدام كل منها، و وأن يكون متخصصاً في المادة التي سوف يقوم بتدريسها، وأن يكون مراعياً للعوامل التي تؤدي إلى الابتكار والتعبير الإبداعي من خلال الأنشطة التعليمية المختلفة ، والحوارات مع الطلبة الموهوبين، وأن يكون على دراية ومعرفة تامة بهذه الفئة واحتياجاتها ، وأن يكون ثرياً معرفياً وعلى معرفة واسعه بطرق البحث في المجالات العلمية ،أن يكون حاصل على مؤهلات تربوية ويفضل الحاصلين منهم على الدراسات العليا في التربية ، وبهذا نسوف نجد الطلبة الموهوبين في حالة تقدم وإنتاجية ؛ وذلك لوجود معلم مناسب يقوم بتوجيههم وتعليميهم بما يتناسب مع قدراتهم واحتياجاتهم، بينما نجد في المعلم الغير مؤهل والغير مناسب لتعليم هذه الفئة الخاصة “الموهوبين” ، انه ذو تأثير سلبي بحت ، فنجده يصرخ في وجوههم مما يحدث إرباكاً لهم ؛ ويؤثر سلباُ على عملية التعلم ، ويطلب منهم أداء مهمات غير منطقية مما يشعرهم بالإحباط ، ونجده أيضاً يستخدم العقاب البدني مثل: الوقوف في زاوية الصف، و نراه دائما ما يحط من مستوياتهم ؛ مما يؤثر ذلك سلباً على الطلبة الموهوبين وعلى تعلمهم ، وجعل المدرسة بيئة منفرة ، وغير جاذبة لهم ؛ مما يترتب عليه تسرب الطلبة الموهوبين من المدارس ، وبهذا نستطيع أن نرى وبوضوح مدى أثر المعلم وإلى أين قد يصل بأبنائنا الموهوبين (القطناني ، 2012).

عدم الكشف المبكر عن الموهبة

يعتبر الكشف المبكر عن موهبة الطفل ضرورة لما يترتب عليه من آثار عميقة على مستقبل الطفل، فقد ذكر أستاذي الدكتور عبداللة الجغيمان في محاضرة سابقة قصة الطالب (س) ، فقد كان طالباً ذكياً موهوباً ، واستطاع تعلم القراءة والكتابة قبل دخول المدرسة لكن لم يتم اكتشاف موهبته بالرغم من وضوحها ، لكل من الوالدين والمعلمين، وبالتالي لم تقدم لـ (س) الخدمات والرعاية التي تناسب موهبته بحيث يستطيع التطور والإنجاز بناءً على قدرته المتميزة وموهبته مقارنةً ببقية أقرانه في الصف ، فقد كان(س) يحتل المركز الأول في جميع سنوات دراسته ، واستطاع دخول جامعة عريقة وهي

جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بتخصص هندسة ، ولكن لم يستطع إكمال دراسته فيها وانسحب في السنة الثالثة بالرغم من ذكائه ، وذلك يرجع إلى أن (س) لم يتعود على بذل جهد أكثر حتى يحصل على المركز الأول، في أي محفل يتواجد به؛ مما جعله يذهب الى تخصص أقل صعوبة في كلية الزراعة؛ ونستطيع أن نفسر حالة (س) علمياً بأنه أصيب بحالة تسمى “الكسل الذهني”، وذلك يرجع إلى عدة أسباب: فلم يتم اكتشاف موهبة(س) بصورة علمية مثبتة بالمقاييس فقد كان مجرد الطفل المتفوق في الصف صاحب المركز الأول، وبالتالي لم تقدم له الخدمات والرعاية اللازمة للموهوبين ، مما نتج عنه حالة من الكسل الذهني ،وجعلته شخصاً عادياً بالرغم من موهبته ؛ وذلك بسبب عدم الكشف المبكر لموهبته، وتقديم جميع وسائل الرعاية والاهتمام لهذه الموهبة، ومن خلال قصة (س) نستطيع أن نتأمل مدى أهمية الكشف المبكر وإلى أين قد يصل بأبنائنا الموهوبين.

أخطاء عملية الكشف عن الموهوبين

تتمثل أخطاء عملية الكشف عن الموهوبين ، من خلال القبول الزائف، والذي يعني اختيار طالب غير جدير للالتحاق ببرامج الموهبة ،الرفض الزائف ، والذي نعني به إسقاط طالب موهوب حقاً من الالتحاق ببرامج الموهبة ، وحرمانه من خدمات البرنامج الخاص للموهوبين ؛ حيث أنهما يحدثان نتيجة لمجموعة من الأخطاء: إما يتعلق بعضها ببناء الاختبار والخصائص السيكومترية لهذا الاختبار، أو قد يرجع ذلك إلى ضعف الانسجام بين أساليب الكشف عن الموهوبين ونوعية الخبرات التي يقدمها البرنامج الخاص، أو قد يكون نتيجة أخطاء تتعلق بالسياسات والإجراءات التي يقوم على ضوئها البرنامج الخاص ، وقد يرجع أيضاً إلى أخطاء في أسلوب معالجة البيانات المجمعة عن الطالب ، عند استخدام محكات معدودة ، عند التعرف على الموهوبين، أو بسبب أخطاء شخصية من قبل الشخص الذي يقوم بالحكم أو بالترشيح سواء كان ذلك بصورة مقصودة كالتحيز ، أوغير مقصودة، بسبب قلة الخبرة، فبسبب أخطاء الكشف عن الموهوبين نجد تسرب العديد من الطلبة الموهوبين من المدارس ،و هم الذين تعرضوا للرفض الزائف، وخسارة الوطن البالغة لهذه الثروة الوطنية أو ما يسمى بالرأس المال البشري ، وخسارة الشخص الموهوب نفسه لموهبته التي دفنت بالحياة، ولذلك يجب أن يتم إعادة الاختبار في حالة الشك بصدق نتائجه، أو عندما نشك حول تأثير العوامل الخارجية على أداء الطالب الموهوب ، لذلك يجب أن تتصف عملية الكشف عن الموهوبين من وجهة نظر الخاصة بشيء من العمق أكثر من مجرد مقاييس وتصحيحها ، حتى نصل الى

الكشف عن الموهوبين بصورته المنشودة (القطناني،2012) 

ومن وخلال ما تم استعراضه في هذه المقالة نستطيع أن نرى، وبوضوح الحالات التي كانت ضحيتها الأولى الطفل الموهوب، وضياع موهبته، وأما ضحيتها الثانية فقد كانت الوطن؛ وذلك لعدم استغلال هذه الثروة البشرية لصالح تطوره وتقدمه، ويؤسفني القول هنا أنه مازال لدينا حالات موهوبة في مجتمعنا هذا والتي ليست بالقليلة أبداً، ولكن كلنا أمل بأن لا تضيع موهبة الطفل مجدداً لأي سبب كان، وأن نستفيد من الأخطاء السابقة لتصحيح مسار الكشف عن الموهوبين وتطويره، وذلك حتى لا تضيع الموهبة من بين أيدينا مجدداً.

 

المـــــــــــــــراجــــع

* الجغيمان، عبداللة محمد، (2018). الدليل الشامل لتخطيط برامج تربية الطلبة ذوي الموهبة، الرياض: مكتبة العبيكان.

* محمد، سهى بدوي و عافية، عزة عبدالرحمن(2015). استراتيجيات التعامل مع الموهوبين ذوي صعوبات التعلم، الدمام: مكتبة المتنبي.

* الزيات، فتحي مصطفى (2002). المتفوقون عقلياً ذوو صعوبات التعلم، مصر: درا النشر للجامعات.

* الزهراني، فهد صالح محمد (2018). أساليب المعاملة الوالدية لدى الطلبة الموهوبين

بمحافظة جدة. المجلة التربوية الدولية المتخصصة. الأردن، (7)، 169-181.

* قطناني، محمد حسين. (2012). تربية الموهوبين وتنميتهم، ط2، عمّان: دار المسيرة.

* السمادوني، السيد إبراهيم (2009). تربية الموهوبين والمتفوقين، عمّان: دار الفكر.

التعليقات (٣) اضف تعليق

  1. ٣
    زائر

    مقالة رائعه وموضوع شيق ??

  2. ٢
    زائر

    ماشاءلله عليك يا مها ????❤️

  3. ١
    زائر

    موضع جميل جداً و استفدت منه وجعلني مبتسمه عند قرائتي له .. وفقك الله وإلى الأمام دائماً ?..

    مريم الهاشمي ..

اترك تعليق على زائر الغاء الرد

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>