“صرخة الموت”

الزيارات: 3143
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6552814
“صرخة الموت”
كميل السلطان
على ذلك الكرسي المتحرك كان يجلس طوال وقته، يقضي نهاره في دكانه الصغير بيع الأدوات القديمة لا من أجل كسب المال إنما من أجل أن يحظى بمجالسة بعض كبار السن أقرانه ممن يأتون للتندر معه والمؤانسة.
يعود ليقضي ليله مع زوجه العجوز التي طالما اهتمت به ورضيت بما قسمه الله لهما من حياة بسيطة رغم قساوتها وحرمانها من الأبناء، حيث ظلت حامدة الله على ما أعطاها فضحت بشبابها وقوتها في رعاية هذا الزوج الذي أقعده حادث سير بعد زواجه بأيام،  كانت الأيام تمضى على الزوج كشجرة خريف تتساقط منها كل يوم ورقة ليفقد من أعتاد صحبتهم في الدكان حتى أصبح بلا مؤنس فقد اختطف منه الموت من كانوا يأتون لقضاء أوقات جميلة معه.
يعود الرجل العجوز كل يوم من دكانه وفي داخله هم وغم يكبر ويكبر حزنا لفقد أصحابه فلا يجد إلا دعوات زوجه الصالحة تخفف عنه وتمسح عنه دموعه لينام ثم يصبح ليحزن من جديد، ازدادت حالة الزوج سوءا واعتل إلا أنه ما زال يصر على الخروج كل يوم لدكانه الصغير آملا أن تعود لدكانه الحياة، ولكن أي شيء من ذلك لم يحدث فمرضه أعياه كثيرا وصوت سعاله يدوي مسامع المارة ويداه المرتعشتان تلفت أنظارهم.
اعتاد شاب أن يسلك الطريق المار بدكانه وهو يراه على هذه الحالة وحيدا معتلا لا يسمع منه سوى السعال متبوعا بحمد الله والثناء عليه وعيناه سرعان ما تسيلان دمعا، وذات يوم وفي أثناء مرور ذلك الشباب كان العجوز العليل يسعل بشدة وهو يحاول أن يتناول بعضا من أدويته إلا أن يداه المرتعشتان وشدة سعاله لم يسعفوه في الحصول عليه فسقط أرضا في منظر ساء الشاب كثيرا فهرول نحو دكان ليسعفه، حمله الشاب وأسعفه ببعض أدويته وقال له : ألا تستريح في دارك أيها الشيخ الكبير فلا أرى فائدة من جلوسك في الدكان وقد كدت أن تلقى حتفك فيه لولا مروري مصادفة، فأجابه ذلك العجوز: قد أرسلك الله لي لتسعفني فلا حاجة للخوف والركون للدار خشية الموت فالموت يأتي في أي مكان، فقال الشباب: بلى ولكن قد لا أكون مارا كل يوم وأنا أرى أن مرضك شديد وجسدك  هذا لا يحتمله وأنت في هذا العمر، فقال له: إذهب لشأنك فلست أنت من يحرسني لطالمنا رعاني الله طوال هذه السنين .
عاد الشاب للمرور كل يوم والعجوز ينظر إليه في كل مرة يمر من أمام دكانه وهو يرى ذلك العجوز المقعد في دكانه وهو يصارع المرض ويقول في نفسه: ما أشد عناد هذا العجوز لا يلزم داره وهو يتذوق الموت في دكانه، وفجأة انحرفت سيارة مسرعة عن جادة الطريق والعجوز يرقب إنحرافها محاولا تنبيه الشباب دونما فائدة، لتصطدم بذلك الشاب وترديه صريعا مضرجا بدمائه على الإسفلت، والعجوز ينظر للحادث في ذهول وصمت مطبق وقد إحتشدت المارة محاولة إسعافه لكن دونما جدوى فسرعان ما ارتحلت روحه عن جسده، والعجوز ينظر ويتأمل ويسترجع محادثتهما الأخيرة حتى تعالت منه صرخة مدوية أفزعت من احتشد هنالك.

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    الله هو الحامي سبحانه اذا جاء اجلهم فلا يستخرون ساعه الله هو الحامي سبحانه

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>