خَشَبَةُ الْمُقْتَرِضِ الْأَمينِ بَيْنَ الْوَعْي وَالتَّهَاوُنِ.. !!

الزيارات: 1062
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6551702
خَشَبَةُ الْمُقْتَرِضِ الْأَمينِ بَيْنَ الْوَعْي وَالتَّهَاوُنِ.. !!
بكر العبدالمحسن

تهدف النصوص الإثرائية في المناهج والمقررات الدراسية سواء كانت تأريخية أو دينية أو تراثية أو عِلمية أو أدبية والمُقدمة إلى الناشئة لغرض استخلاص العِظة والعِبرة والخبرة وتكوين الأساسات والمفاهيم المرجعية في البُنية المعرفية والتربوية والدينية والثقافية والسلوكية ومنظومة القيم والمبادئ التي يرتكز عليها الفرد في حركته وتفاعله ومهاراته مع نفسه ومحيطه الاجتماعي والوطني والعالمي ولكن علينا الانتباه بدقة عالية ومهارة فائقة إلى كيفية اختيار النصوص المرجعية التي تُغذي تلك البُنية للناشئة في المقررات الدراسية وأن تراعي هذه النصوص الثوابت والأحكام الدينية والتطور الحضاري والارتقاء المعرفي وضوابط الأنظمة والتشريعات الحديثة والقيم التربوية والنفسية والسلوكية والعلاقات الإنسانية والتطور التكنولوجي والعلمي .

وأهمية حوكمة هذه النصوص الإثرائية في مختلف أبعادها ومفاهيمها ومناسبتها للناشئة في العصر الحديث وكيفية قراءتها واستنباط مدلولاتها ومكنون معانيها بلغة حديثة وأسلوب ينظر إلى قِيم الحاضر الذي نعيشه وننتقل منه إلى المستقبل وليس بلغة النظرة إلى الماضي ومناسبته له منذ مئات السنين وفي تلك الظروف والإمكانيات.

ولفهم الفكرة أكثر فإنني أستشهد بحديث ورد في كتاب لغتي للصف الخامس الابتدائي في الوحدة الأولى : فضائل وأخلاق صفحة 51و52 وطبعة المقرر 1439/1440/ 2018 حيث روى هذه القصة أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعضهم أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى ، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجَّله، فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفتُ فلانا ألف دينارٍ فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وإني جَهَدْتُ أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قَدِم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار فقال: والله ما زلتُ جاهداً في طلب مركبٍ لآتيك بمالك، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئتُ فيه، قال: فإن الله قد أدَّى عنك الذي بعثتَ في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشداً). رواه البخاري

ويلي هذا النص مباشرة خريطة النص القصصي التي عززت النص كما هو في مفهومه لتلك المناسبة وظروفها وجعلت الطالب ينظر إلى الوراء في مثالية مدهشة وبعيدة عن مناسبة النص وتوظيفاته لقيم الحاضر ومتطلباته وقوانينه وتشريعاته .

فهل يمكن لنا في الوقت الحاضر أن نُقرض المال بهذه الطريقة والكيفية؟ وهل يمكن لنا أن نرد الأمانة لأصحابها بهذا الأسلوب؟ وإذا كانت هذه الحالة فردية في التصرف والنموذجية فلماذا نطرحها في حاضر التوثيق للحقوق وحفظها ؟ ولماذا لا نطرح الأسئلة العكسية للطالب لو أن المقترض لم يستطع إرجاع المال إلى صاحبه وليس لديه أي أثبات على حقه فما هو التصرف ؟ وهل الوسيلة التي استخدمها المقترض في رد الأمانة مناسبة لوقتنا الحاضر أم لا مع التعليل ؟ ولماذا لا نستخدم أسلوب التفكير بالعصف الذهني للطلبة في التنافس على إيجاد حلول إبداعية تناسب عصرنا في حفظ الحقوق وردها ؟ ولماذا لا نجعل من الطلبة يحكمون على النص من مختلف زواياه النقدية ؟

إن خشبة المقترض الأمين نص إثرائي جميل لو أننا استثمرناه بطريقة عكسية من أجل فهم أكبر مشكلات واقعنا المعاصر اليوم في التهاون في رد الأمانات لأصحابها سواء كانوا أفراد أم مؤسسات وكيف نخلق جيلا يحفظ حقوقه أولا قبل أن يضيعها ثم يعاني الويلات من أجل ردها من المقترض ، والمحاكم الشرعية اليوم والحقوق المدنية تعج بالكثير من قضايا منازعات الحقوق المالية المتنوعة والمختلفة في أشكالها ولا حلول إلا بيد المُقرض الواعي في مقابل المقترض المتهاون.

 

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    ابومرعي

    مقال جدا رائع

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>