فقه المشكلات .. !!

الزيارات: 1725
تعليقات 4
https://www.hasanews.com/?p=6548364
فقه المشكلات .. !!
بكر العبدالمحسن

المشكلة هي حالة أو موقف يتضمن خللاً أو أزمة بحاجة إلى معالجة من أجل الوصول إلى هدف معين وسواء كانت المشكلة مع الفرد نفسه أو مع علاقاته الأسرية أو بيئته المهنية أو محيطه الاجتماعي أو تفاعلاته الاقتصادية أو الصحية أو الدينية أو السياسية وهذه المشكلة تُبعد الإنسان عن السعادة وحسن الاستقرار والإبداع وتجعله مضطرب الشخصية والنمو وتُصبح الحياة في نظره لا قيمة لها وأن الدافعية للعيش فيها أو بناء المستقبل معدومة للغاية.

فهل المشكلة موقف طارئ أو هي نِتاج سلوك خاطئ ؟ وهل المشكلة تختارنا أم نحن نختارها ونذهب إليها ؟ وهل المشكلة فرصة يمكن تحويلها إلى خبرة وتعطينا قوة في شخصيتنا ؟ وهل المشكلة تفرض علينا استخدام الأدوات العقلية والعلمية في حلها ؟ وهل المشكلة حاجة نستغلها من أجل إعادة ترميم البناء على أسس أفضل ؟ وهل المشكلة فيروسات تبحث عن بيئة مناسبة لكي تعيش فيها ؟ وهل المشكلة ضوء أحمر تجبرنا على الوقوف عندها حتى تتضح جميع المسارات ؟ وهل لحل المشكلة أسلوب علمي لو اتبعناه أعطانا نتائج طيبة ؟

يعتقد الكثير من الناس أنهم وحدهم من لديهم مشكلات دون غيرهم ويتصورون أن مشكلاتهم وقعت عليهم من دون دخل لهم فيها وينظرون إلى مشكلاتهم أنه لا حل لها إلا حل واحد ويستخدمون في حل مشكلاتهم أساليب قديمة وبعيدة عن الأسلوب العلمي والتجريبي ويقعون فريسة لفرض حلول العادات والتقاليد والخبرات القديمة والتي لا تراعي العوامل النفسية والعلمية والصحية والاجتماعية والمهنية والدينية والمصلحة العامة والأشنع عندما تُسيطر الأنا في درجاتها الدنيا على حالة التصلب وعدم المرونة في رؤية المشكلة من جميع جوانبها.

لقد تميز عصرنا الحديث أنه عصر المشكلات في جميع الجوانب الإنسانية والبيئية والخدمية وفي المقابل استطاع الإنسان أن يحوله عصر تقنية الحلول الشاملة للمشكلات وعلى كافة الأصعدة وأن تُسخر كل الإبداعات العلمية من أجل الوصول إلى تنوع الحلول إزاء أي مشكلة وفي أي جانب .

والمجتمع الواعي هو ذلك المجتمع الذي يُدرك أفراده أن تفاعلات الإنسان وحركته تُوجد فيها العديد من الأخطاء السلوكية والخلل وغيرها ويكون الإنسان مُعرضا للاشتباه في نظرته نحو حركة نفسه أو غيره وأن هذه النظرة إزاء تصنيف الحدث أنه مشكلة يحتاج إلى وعي وانتباه لإدراك بعضا من الحقيقة التي لا يمكن تحديدها إلا بأدوات ووسائل وخبرات دقيقة وتجرد عن الهوى والعاطفة والميل .

إننا اليوم نشاهد في محيطنا الاجتماعي أفرادا وقعوا في مشكلات أسرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أكاديمية وهذه المشكلات خاصة جدا وقد تكون متكررة ولا يعلم أسبابها إلا أطرافها في أحسن الأحوال أو قد يجهلون الأسباب التي أدت إلى ظهور المشكلة وبروزها وأن هذه المشكلة تتفرع منها عدة مشكلات نتيجة عدم الوعي في التعامل مع مضمونها والانشغال بالفرعيات التي ظهرت من أساليب التعامل معها ولُجوء أطراف المشكلة إلى الوسط الاجتماعي المحيط بهم يُفاقم الأمر أكثر وأكثر نتيجة عدم فهمها والإحساس بألمها وطبيعة نشأتها وظروف ملابساتها وتقييم مستواها ونهاية نتائجها وهذا اللجوء لتصدير المشكلة خارج محيطها الخاص ناشئ من بناء تربوي ضعيف للغاية في بُنية الفرد في استشعار مشكلاته وتحديدها والوعي بحدوثها وتحديد جوانبها وفرض مسبباتها ووضع خارطة طريق للخروج منها .

إن مجتمعاتنا المحلية اليوم تئن من وطأة انتاج المشكلات بكافة أنواعها والبحث عن القِيل والقال في مشكلات غيرها وهي تستمتع بأحاديثها ونكهتها وتغوص في غياهب ظلمتها باحثة عن لذة الشعور في تفاصيلها ووصفها وتوزيع الاتهامات بين أفرادها وإضافة ما نقص من فصول حبكتها دون تورع أخلاقي أو ديني وما ذلك إلا بسبب جهلها في فقه المشكلات وآدابها وفنونها.

فكم من مشكلة صغيرة بين زوجين أو جارين أو موظفين أو أخوين تحولت إلى مآسي ودمار وضياع بسبب غياب فقه المشكلات وآدابها عن أصحاب المشكلة أنفسهم وعن الأفراد المحيطين بهم وأن المشكلة وجدت محيطا اجتماعيا يقوم بوضع الزيت على النار فتشتعل المشكلة أكثر وأكثر وهو يحسب نفسه يُطفئها ويعالجها.

لقد آن الأوان لمجتمعنا أن يعي أننا قد لا نستطيع إخفاء أصل المشكلات في عالم الانفتاح والتواصل والاتصال ولكننا نستطيع أن نكون محايدين لمشكلات غيرنا ولا علاقة ولا شأن لنا بها من قريب أو بعيد وأن حِرصنا على معرفة تفاصيلها وأسرارها ونتائجها وفصولها والحكم عليها وتأييد طرف على طرف منها يتنافى مع الأخلاق والقيم والمبادئ وأيضا يجعل من شخصياتنا لا هم لها ولا عمل إلا قضايا الناس وهمومها.

أخيرا .. الحياة لا يمكن لها أن تخلو من المشكلات ولكن الطريقة التي نتعامل معها وكيف نفهمها ونضع الحلول لتجاوزها وتكون خبرة إيجابية في حياتنا ونموذجا يَحتذي به الآخرون من بعدنا وتكون للمحيطين بنا خطا عريضا لمعلوماتهم من دون أن يكون لهم الحاجة إلى الاقتراب من خصوصية غيرهم أو الحديث عنهم أو إصدار الأحكام على مواقفهم ونتائجهم فذلك هو فقه المشكلات.

التعليقات (٤) اضف تعليق

  1. ٤
    زائر

    موضوع قيم جدير بالاهتمام

  2. ٣
    كاظم حسين

    على ما قالوه مافي مشكل هي

  3. ٢
    زائر

    كتابة راقية وعرض مميز 👏

  4. ١
    زائر

    عرض مميز وتحليل راقي

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>