زوايا التأريخ الأربعة .. مَنْ يُجِيدُ قراءتها ؟

الزيارات: 2014
تعليقان 2
https://www.hasanews.com/?p=6536376
زوايا التأريخ الأربعة .. مَنْ يُجِيدُ قراءتها ؟
بكر العبدالمحسن

لكل حدث وتأريخ زواياه الأربعة التي تشكل هوية الحدث وأبعاده ورؤيته وتفاصيله ومجرياته الدقيقة وبنيته التركيبية وخلفياته الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية وترابطه مع الصور الذهنية في عقلية الشخصيات المشتركة في التأريخ والحدث وهذه الزوايا تمثل المدخل لبوابة قراءة التأريخ والأحداث سواء من اختيار زاوية واحدة لتشخيص الحدث ونقله والاستفادة منه بشكل فردي أو جماعي أو من خلال ربط الزوايا بعضها ببعض لتكوين لوحة تأريخية تمتزج فيها كل الزوايا وتكتمل فيها الصورة وتعطي أبعادا أكثر دقة ووضوح للحدث التأريخي وتجعل منه حدثا متحركا من خلال زواياه الأربعة وليس حدثا جامدا من زاوية واحدة.

ولو دققنا أكثر في أي حدث تأريخي لوجدنا فيه زاوية العاطفة التي تُوضح الجانب النفسي من عاطفة المشاهد للحدث في مجرياته وتفاعلاته وزاوية المضمون التي تُمثل جانب رُؤية إدارة الحدث على أرض الواقع وزاوية الأسباب التي تُبين الدوافع التي أوجدت الحدث التأريخي ونشأته وزاوية النتائج التي تُقرر انتهاء الحدث والحكم عليه.

لقد عانت البشرية بكافة أطيافها وتنوع أعراقها ومجتمعاتها أشد المعاناة من كتابة التأريخ ونقل أحداثه ووصفها وتصويرها وسرد أحداثها ووقائعها من جراء العبث المتعمد والمقصود أحيانا من المؤرخين في تحريف أحداث التأريخ من أجل الاستفادة منه في تفاعلات الحاضر والبناء عليه بشكل خاطئ لمصالح فئوية أو شخصية أو من الجانب الآخر العشوائية والعاطفية وغياب الأسس العلمية والمنهجية لأدوات ووسائل النقل شبه الصحيحة لزوايا الحدث التأريخي وعدم دخول التحريف الجزئي أو الكلي للحدث وتغيير معالمه.

وأن كل حدث تأريخي في حياة البشر هو عبارة عن سلسلة مترابطة من البناء التكويني الذي يُشكل هوية وأيدلوجية كل مجموعة بشرية بحيث أن كل إضافة تأريخية لأحداثها في مسيرتها وتقدمها تزيد من قوة بقائها في صراع الحاضر مع غيرها وذلك لتأمين بقائها والوصول إلى المستقبل التي تنشده وتحلم بتحقيق نتائجه.

والأحداث التأريخية بكافة أنواعها من الصرعات والحروب والخلافات ليس من السهولة فهم طبيعة نشأتها وفكرها وأهدافها وغاياتها فهي تحتاج إلى أدوات تحليل ومنهجية بحث علمي ودراسات تقوم على أساس الشفافية وعدم التحيز والاستقلالية في الحكم والابتعاد عن الهوى والمصالح الذاتية وأن تعتمد على الأدلة العقلية والمنطقية والشواهد الحسية والمادية من أجل القدرة على تمييز ورُؤية جميع الزوايا للحدث التأريخي في وصفه وتحليله ونقله وتدوينه .

وأن التركيز الذي يعتمد على زاوية العاطفة في قراءة أحداث التأريخ البشري والإسلامي وصراعاته وحروبه واختلافاته يجعلنا أكثر جهلا وتخلفا بالتأريخ ويجعل منا أداة يتم التحكم فيها من قبل صانعي التأريخ والمنتفعين منه من أجل تحقيق أهدافهم الحالية والمستقبلية وأيضا فإنه يُعطل القدرات العقلية والتحليلية والاستقرائية في التوازن بين جميع زوايا النظر للحدث التأريخي والاستفادة منه في تطوير المجتمع الإنساني والإسلامي.

إن أعظم خطر واجه التأريخ الإنساني والإسلامي هو النظر من زاوية واحدة لمجريات الأحداث الماضية وأنه استطاع أن يُديم أمد الصراع الإنساني والإسلامي بين المسلمين مع بعضهم البعض ومع غيرهم وأنه يجعل من الصراع يستمد قوته من خلال جذوره التأريخية وأن شخصيات التأريخ في جانبها الإيجابي أو السلبي يجب أن تكون حاضرة في مستقبل الأمة وتتمركز في خندق أحداث التأريخ وتبقى الجذوة تحت الرماد ملتهبة تنتظر قوة النفخ فيها لتعود نارها وسعيرها من جديد تحرق الأبرياء والضعفاء ومن لا حول ولا قوة لهم في صراع استحضار التأريخ .

ويمكن لنا أن نشاهد كيف استطاعت الكثير من المجتمعات الحديثة والمعاصرة من إعادة النظر إلى تأريخها ومجريات أحداثها السلبية والمؤلمة بطريقة مختلفة بحيث أنها درست جميع الأسباب التي أدت إلى وجود أحداث وصرعات مُؤلمة في تاريخها وبذلت جهود مُوفقة في اصدار القوانين والتشريعات والنظم التي تمنع تكرار حوادث التأريخ السلبية وتتلاشها وأنها تُنتج بديلا يجعل من مجتمعاتها لا تكرر أخطاء الماضي ولا ترتبط به وتبني في المجتمع ثقافة النظر للأحداث على أنه للعضة والعبرة والاستفادة والتقييم وأن الأجيال الحالية ليست مسؤولة عن مواصلة الطريق على نهج أسلافهم وأنه يتعين عليهم بناء حاضرهم ومستقبلهم بما يتناسب مع قدراتهم وطاقاتهم دون أن يكون الماضي هو من يقود الحاضر ويتحكم فيه .

وعلينا أن نلاحظ ونتأكد أن استحضار التأريخ وأحداثه السلبية في حياة الأفراد والجماعات سواء كانت هذه الأحداث اجتماعية أو دينية أو سياسية فهي وأد للإبداع الإنساني والتطور العلمي والثقافي والتنافس الحضاري والتعايش الاجتماعي لأن عقل الإنسان سوف يكون في حالة استعداد وجاهزية نحو التنافر والتشاحن والتناحر وينتظر اللحظة التي تعود به للماضي من أجل تحقيق مكاسب واهية على حساب التقدم والرخاء والاستقرار والصلاح .

أخيرا .. فإن أحداث التأريخ ومجرياتها سواء كانت منها السلبية أو الإيجابية علينا أن نضعها في مختبرات الفحص والتحليل ونشاهد خلاصتها ونأخذ منها القليل الذي لا يُؤثر على حاضرنا ولا يُعطل مستقبلنا وأن تكون أحداث الماضي محطات في مسيرتنا وليست عقبات في طريقنا وأن النظر للتأريخ من زواياه الأربعة يعني النضج في قراءته .. فهل يُوجد مَنْ يُجِيدُ قراءتها ؟

التعليقات (٢) اضف تعليق

  1. ١
    جعفر رضي العبد المحسن

    أحسنت بو محمد،

    مقال عميق. في الواقع هو أنه لا يمكنك تحديد من كان مخطئ أو مصيب في كل الصراعات التاريخية، لان هناك عدد لا يحصى من الظروف و العوامل المتداخلة و المتشابكة.

    الأفضل هو نسيان الماضي و اقتصار ذكره فقط للاستفادة من التجارب الانسانية و تجنب الأخطاء.

    الخطاب السائد لدى الكثير من دول العالم هو النظرة للمستقبل، بينما نحن نهتم بالماضي اهتمام شديد و زائد عن الحاجة.

    شكرًا

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>