قراءة في كتاب “ذكرياتي في القرينة”

الزيارات: 3717
تعليقات 3
https://www.hasanews.com/?p=6535200
قراءة في كتاب “ذكرياتي في القرينة”
صالح السويلم

صدر للكاتبة السعودية/ أ. شيخة حمد الدعيلج كتاب (ذكرياتي في القرينة) في العام 1435هجرية عن دار الفالحين للنشر والتوزيع، بلغت صفحاته ( 128 ) صفحة من القطع المتوسط، ومحتواه من وحي الذاكرة الشعبية وما تختزنه من مواقف وذكريات الطفولة، امتزجت بعبق الماضي وسحره وجماله، والإنسان بكل ما تحمله الإنسانية من قيم ومبادىء هي (أخلاق القرية)، وأهلها الطيبون وما تسكنه قلوبهم من المحبة والإثرة، والتعاون على الخير وخدمة الجماعة ونكران الذات.

لقد أبحرت مع الكاتبة في ماضٍ جميل بذلك الأسلوب المترع بالجمال والسلاسة، والتسلسل المنطقي للأحداث في مشهد بانورامي، وتصوير بارع لأدق التفاصيل، وقدرة عجيبة على السرد لحياة أهل القرية بتلك البساطة التي تعني جمال الروح وطيب النفس وسماحتها ، حيث تشعر في قرارة نفسك أن الأشياء من حولك تكاد تنطق بلغة عجيبة آسرة… رائحة الطين تفوح من جدران البيوت المتلاصقة، وصوت مزلاج الأبواب وصريرها، وآذان الدّيكة وتغريد الطيور مع انبلاج الفجر، وصوت الدّلاء وهي تُسحب من آبار البيوت، وشذى الزهور يفوح ما بين الأشجار ، والماء يجري في السواقي والحقول ممتدة كبساط أخضر في أطراف القرية، وصبيان وبنات الحيّ يتسابقون على الألعاب، والأهل يتسامرون، والحيّ في حركة دائبة يتواصل معها الجيران بالعطايا (النقصات) وإعارة المواعين (الصحون والقدور) بنفسٍ راضية وقلوب نقيّة صافية.

لقد سطرت الكاتبة ما بين دفتي الكتاب مواقف إنسانية عظيمة لعلها تكون دروساً نستمد منها العبرة في حياتنا بتلك المقارنات بين جيل الأمس واليوم مما يكشف الخبرة الحياتية… تلك المواقف الطريف منها والمبكي الذي تدمع له العيون، وكذلك الاستشهاد في مواضع معينة بآيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وذلك في سياق التوجيه القرآني والنبوي أي التربية بالقدوة والأسوة الحسنة.

بهذا الكتاب الممتع الجميل تضع الكاتبة بصماتها في عالم الأدب بكل اقتدار حيث تمتلك ناصية الحرف بكل شجاعة الفارسات، وتحفظ للأجيال إرثاً تاريخياً ومورثا شعبياً كاد أن يندثر مع زحف الحضارة والمدنية المعاصرة.

ما أجمل أن يكتب الانسان عن ماضٍ جميل عاش تفاصيله وأمست شخوصه لا تبارح النسيان، والأماكن تكاد تنطق بتلك المواقف التي لاتنسى والحكايات الشعبية من عمق ذاكرته ووعيه الجمعي حيث تفسح للخيال أن يسافر أنّى له السفر. ولكل حكاية لها مدلول ورمز في الوعي الإنساني، والأجمل تلك الصياغة المتفردة بالعمق والأصالة، والاستطراد السردي الذي يضفي على الحكايات نكهة خاصة وكأنك تعيش الأحداث وتتفاعل معها في ذات الزمان والمكان، لغة ثرية مترعة بجمال الحرف ورورنقه، وعبارات متوازنة فيها من الاثراء والإشراق والبهاء، وعناوين لها رمزيتها في الموروث الشعبي الشفاهي مثل ( فلان يطلبك الحل – مسدد عيونه بالخرق – جعل يومي قبل يومك ) .

لقد تميز أسلوب الكاتبة بالوصف الدقيق والمكثف لكل التفاصيل لحياة أهل القرية في يومهم من شروق الشمس إلى غروبها، ومايتخلل ذلك اليوم من أعمال تُسيّر شؤون حياتهم بتلك البساطة، وأبعاداً أخرى من القيم والمبادىء والمقارنات، ولم يكن الأسلوب وصفياً جافاً وإنما أسلوب الوصف الذي يتكىء على مخزون لغوي يمتاز بالحيوية والثراء والدلالات الجمالية والاستطراد في السرد للعادات والتقاليد الشعبية في الحياة الاجتماعية لأهل القرية، وهو ما ينطبق على موضوعات كثيرة لعل أبرزها ( خطوط على جدار بيتنا – عروس القرينة زمان – عروس الأولين – نساء القرينة زمان ).

ولعل الجزء الأخير من الكتاب يتشح بغلالة من الحزن الذي خيّم على النفوس من جرّاء حادث السيارة المأساوي والذي نتج عنه وفاة والد الكاتبة رحمه الله، وما نتج عنه من إصابات في بعض أفراد الأسرة ومنهم والدتها حفظها الله، وقد شهدت الحدث بإيقاعاته المؤلمة وقد ترك في نفسها أثاراً لن تمحها توالي السنوات فالحدث جسيم ولن يبارح الذاكرة ، موقف تدمع له العيون ويهتز له الكيان والقلب يعتصره الألم، لا أدري كيف واجهت الكاتبة هذا الموقف العصيب الذي نزل عليها كالصاعقة في حينه ومن المؤكد أنّ وقع الخبر على النفس أكبر مما سطرته الحروف وحلّق به الخيال، والصدمة أقسى وأمرّ لكنها إرادة الله ومشيئته وقضاؤه الذي لا يرد، وقد عبرت عنه الكاتبة بتلك الآهات من قلب مكلوم( آآآ يا أبي… من ذكرياتي الحزينة ).

وقد ختمت الكاتبة مقالاتها بالتعبير عن الفرح في مواقف متنوعة من فرح الأطفال بألعابهم وأناشيدهم( مثل سانا .. بانا ..الخ ) أو مسابقة اختيار كلمة مثل ( شبره .. قمره .. شمس .. نجوم .الخ) وهو إسقاط ذكي للفرح لكنه لا يبعد شبح الحزن عن بعض سطور الكتاب لترتسم في الذهن صورة الحياة بأضدادها ما بين الفرح والحزن حين كانت الكاتبة كأيّ طفلة تحب ألعاب الطفولة وأناشيدها وحكاياتها ومدلولاتها ورمزيتها في الحياة وقد عاشت طفولتها بأفراحها وأتراحها وكانت تختزن تفاصيلها في ذاكرتها بشكل تراكمي كفسيفساء جميلة عبّرت عنه بتلك اللغة الثرية الموحية وإن غلب عليها أحياناً المباشرة وتلك إيجابية للوصول إلى ذائقة القارىء، كما أن الأسلوب قصصي بارع يدخل في التفاصيل الدقيقة للأحداث ويستلهم منها العبرة.

هكذا الحياة تُعلمنا كثيراً من الدروس والعِبر حتى تنضَج التجربة الحياتية وتُكتب بتلك الحرفية والتكثيف، وبهذا المستوى من الرُّقيّ بأبعاده الإنسانية.

التعليقات (٣) اضف تعليق

  1. ٣
    زائر

    هنا تقف اقزام كلماتي عاجزة عن شكرك أخي الأستاذ الفاضل صالح السويلم .. على بليغ سطورك .. وروعة قراءتك لكتابي (ذكرياتي في القرينة) .. وإنها لشهادة أعتز وأفتخر بها من كاتب وأديب يمتلك ناصية الكتابة بحرفية عالية .. ما شاء الله
    بارك الله فيك أخي الفاضل ووفقك .. وجزاك عني خير الجزاء

  2. ٢
    زائر

    كلام جميل تستحقه الكاتبة شيخة …
    كل مرة تستمتع اكثر مع كتاباتها الجميلة والهادفه
    شكراً استاذنا الفاضل وشكراً كاتبتنا الرائعة امتعتونا🌹

  3. ١
    زائر بدرية سعد

    ابدعت استاذنا الفاضل في وصف جمالات احرف كاتبتنا المبدعه استاذه شيخه فجمال كتابتها تجعلك تلتهم الحررف بنهم وتاخذك معها لتبحر في كتاباتها بلا ملل ولاكلل تعيش معنا وبيننا وتاخذنا تاره معها نسبح معها بلا حراك لنغوص في اعماق وصفها ودقتها التي تتمتزج بلذاذة الاسلوب ورقي الفكر واصالة الطباع والعادات نتمنى لها مزيدا من التقدم والابداع ونشكر لك اضائتك لحروفها وكتابتها فقد ازددنا في تمعنها اكثر بوركت الجهود للجميع وتوفيق زاهر لكاتبتنا

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>