عاجل

أمر ملكي: الموافقة على الترتيبات التنظيمية والهيكلية المتصلة بمكافحة الفساد المالي والإداري

حاولت أن أفهم الفرق بين عيسى وحسين .. !!!

الزيارات: 5624
تعليقات 10
https://www.hasanews.com/?p=6532228
حاولت أن أفهم الفرق بين عيسى وحسين .. !!!
بكر العبدالمحسن

جلست على ضفاف النهر في وادي أوريكا وكانت الطبيعة وجمالها الخلاب وكل ما يُحيط بها يُبهج العين والنفس والتقيت بذلك الفتى ابن الثالثة عشر ربيعا وهو يعرض ما لديه للبيع من خيرات ذلك الوادي من التين والخوخ والعنب في أحلى شكل وألذ مذاق وبعد الشراء منه أخذني الفضول أن أتعرف على هذا الفتى فقال لي : أن أسمه عيسى وهو يدرس في المرحلة الإعدادية ويقوم كل يوم في الإجازة الصيفية ببيع الفاكهة للسائحين والمتنزهين ويعود في المساء إلى المنزل في أسفل الوادي .

وقد أدركت أن عيسى يتمتع بالفطنة والذكاء والحوار بالرغم من صغر سنه وسألته عن منطقة الشلالات السبعة القريبة من الوادي وأشبعني شرحا عنها وقال لي : يُمكنني أن أدلك عليها وفي أثناء الطريق لها تجاذبنا الحديث عن سبب عمله الشاق وهو في هذا السن الصغير وأوضح لي أنه لابد أن يعمل من أجل توفير مصاريف مدرسته وشراء لوازمها و دفع الرسوم السنوية للدراسة والوجبة اليومية من أجل أن يُواصل تعليمه في المدرسة التي تبعد عن سكنه في الوادي اثنا عشر كيلو مترا والتي ينتقل إليها مشيا كل يوم في الشتاء والصيف وفي كل الأجواء ويتحدث عن تفوقه الدراسي وأنه الأول على صفه ويتقن اللغة الفرنسية بطلاقة ويُجيد الكثير من المهارات الشخصية وحريص على إتمام دراسته والانتقال إلى الجامعة ونيل أفضل التخصصات و يتحدث عن رؤيته للحياة وأنه يرغب أن يكون شيئا مهما في المستقبل وبعد الجولة عُدنا إلى أسفل الوادي والتقيت أسرته وهم سعداء به كثيرا وودعتهم ومضيت في طريقي بعد رحلة ممتعة بين جمال الطبيعة وعزيمة الإنسان التي لا تقهر.

وبعد أيام عُدت إلى أرض الوطن وأنا خارج من المطار طلبت خدمة كريم لكي أذهب إلى المنزل وفي أثناء الطريق تجاذبت أطراف الحديث مع الكابتن حسين قائد المركبة وكان شابا خلوقا هادئا عليه سمات الأدب والرجولة وهو فوق العشرينات من العمر وبدأنا الحديث بالتحية والترحيب والتعارف البسيط ووجهت له سؤالا بعد تلك المقدمات السابقة : أين تعمل يا حسين ؟ فقال : أنا أعمل في خدمة كريم فقط وكنت قبلها في إحدى الشركات المحلية لمدة سنة وخرجت منها وقبلها كنت مبتعثا للدراسة في أمريكا ولم أستطع إكمال الدراسة لأنني فشلت خلال فترة الدراسة من تحقيق أي نتائج جيدة خلال السنتين وعُدت للوطن وقررت أن أعمل .

وتحدث حسين عن تجربته الدراسية في أمريكا وأنها كانت أقرب إلى النزهة من الدراسة وإلى اللعب أكثر منها للتعلم وأنه لم ينتبه إلا بعد فوات الأوان وكانت نتيجة الفشل قاسية جدا عليه وعلى أسرته وولدت له احباطا واضطر للعودة للوطن بعد انهاء الملحقية للبعثة الدراسية وقرر أن ينخرط في سوق العمل ولكنه وجد الفُرص التي تناسبه في العمل قليلة جدا والرواتب ضعيفة والأداء المطلوب منه كبير والدوام فترته طويلة وأنه لم يعتد حياة الجدية والإنتاج وتحقيق الطموح على أفضل وجه.

حاولت أن أفهم الفرق في بنية العقل والذكاء والاستعداد والطموح بين عيسى وحسين ولماذا كل واحد منهما يتصرف هكذا في حياته فعيسى يبني مستقبله ويشق طريقه منذ حداثة سنه لبنة لبنة وحسين يعبث في مستقبله ولا يعرف طريقه وهو في مرحلة هامة من حياته وبدعم كبير من أسرته ووطنه على المستوى المعنوي والمادي !!

رجعت بالفحص والتدقيق فيما يجري في مجتمعنا وحاولت أن أفهم لماذا أخفق حسين في تحقيق دراسته الجامعية وهو ليس مطلوب منه دفع ريال واحد منها ولماذا الكثير من أبنائنا وهم يمثلون ظاهرة ( حسين ) في حياتهم الدراسية والعملية فوجدت أننا نعلم وندرب أبناءنا على الاتكالية وعدم الاستثمار في مهاراتهم الشخصية ونوفر لهم الأدوات والوسائل التي يعتمدون فيها على غيرهم ونحرمهم من اظهار ابداعاتهم وطاقاتهم وامكانياتهم بحجة الخوف عليهم وتوفير السعادة لهم وانعكس وتغلغل ذلك في سلوك الكثير من أفراد وشباب المجتمع وأصبحت الحياة بالنسبة لهم لا تعني أكثر من الأكل والشرب والنوم والترفيه وأن الاعتماد على النفس إهانة لها وكسر لعلو شأنها ومكانتها .

وسوف تستغربون إن قلت لكم أن ظاهرة الحب المفرط والتدليل الزائد من الوالدين أو من أحدهما للأبناء والتي لا يشعرون بها واعتبارها واجبا عليهم في خدمة أبنائهم في كل صغيرة وكبيرة وتوفير كل ما يحتاجونه لهم ووضع لقمة الطعام في أفواههم والمذاكرة لدروسهم وغسيل ملابسهم وتقديم جميع التسهيلات لهم حتى في استيقاظهم من النوم للصلاة أو للذهاب إلى مدرستهم هي السبب وتجاهل كل أب وأم بعمد أو من دون قصد عدم تربية وتعليم الأبناء على القيم الفطرية في التدريب على ممارسة المهارات الشخصية والقيام بها ذاتيا واتقانها وأن كل شخص يجب عليه تعلم فنون الحياة الأساسية والقيام بها لنفسه أولا وتدريب الآخرين عليها لاحقا وأن عليه المساهمة الكبرى في بناء مستقبله وتحمل مسؤولياته وتعبيد طريق طموحه.

إن ما نراه اليوم في مجتمعنا من تواني وكسل وعدم اتقان ونفور من الدراسة والعمل برغم توفر جميع الإمكانيات المتاحة للجميع من أجل التفوق والابداع هو نتيجة الحب والدلال الزائد عن حده الطبيعي والرفاهية والاستغراق فيها والذي أفسد فطرة الإنسان وسلوكه وجعل منه شخصا اتكاليا ومتكبرا ومحتقرا للعمل ومعتمدا على غيره في منزله وخارجه.

إن نموذج عيسى ليست الظروف الصعبة هي التي صنعته أو ظروف الرفاهية هي التي أبعدت حسين عن تحقيق طموحه ولكن الوعي التربوي في الخيار الأفضل بين النموذجين هو المعيار لتحديد الشخصية الحقيقية بمفهوم الإنسان الصالح والتي تصل إلى طموحها عن طريق الايمان بدورها وليس بضغط الظروف عليها في المعانة أو الرفاهية.

أخيرا .. فإن المرحلة الحالية تحتاج منا أن نُعيد النظر جميعا في قيم التربية التي خرجت عن الجادة والصواب وأنتجت لنا الكثير من الأبناء الذين أخطأوا في رسم خارطة حياتهم وبناء شخصياتهم وأن الفرق بين عيسى وحسين فرق في الوعي والدافع والهدف وليس فرقا في العقل والذكاء والاستعداد.

التعليقات (١٠) اضف تعليق

  1. ١٠
    زائر

    مقال جيد لمشاهده من زاويه واحدة لكن خفي على الكاتب الكريم النماذج الذي ذهبت للخارج للغرض نفسه وابهرت العالم بما يقدمونه من نجاح ومسؤولية
    الحكام على الاشياء يجب أن من جميع الزوايا

  2. ٩
    زائر

    السلام عليكم استاذنا العزيز
    خوش تحليل ومنطقي بما يمر به شبابنا
    واعتقد يجب تغيير طريقة التربية التي نتبعها لكي يحقق ابنائنا النجاح في هذه الحياة

  3. ٨
    زائر

    مقال من ذهب

  4. ٧
    زائر

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، استاذ بكر ، اولا كل عام وحضرتك واسرة الاحساء نيوز بخير ، وامتنا الاسامية العربية بكل خير ، موضوعك وان كان مقارنة وليدة ملاحظة من احتكاك فى مواقف حياتية تواجهنا يوميا ، الا ان تناول حضرتك لها والخروج منها بنتائج شئ رائع ، واسمح لى فهى ليست فقط مشكلة فى المجتمع السعودى وانما باتت مشكلة فى كل شعوبنا العربية ، فنحن ابناء المدارس الحكومية ، نحرص كل الحرص بتعليم ابنائنا فى اكبر المدارس الدولية ،ومن بعدها الجامعات العالمية ، نحن نخطط ونفكر ونذاكر ونسعى ونشقى ونقوم بكل الادوار التى كان من المفترض ان يقوم بها ابنائنا ، والنتيجة لا يحصل ابنائنا اى فائدة او خبرة ، بل الاكثر من ذلك لاينجح ابنائنا حتى فى التفكير بهدف خاص بهم وتكون غايتهم تحقيق هذا الهدف ، نحن كالدب الذى قتل صاحبه، تربية الابناء امانة ولكن من الامانة ان نساعدهم فى بناء مستقبلهم وليس القيام ببناء مستقبلهم نيابة عنهم .

  5. ٦
    زائر

    المقال رائع وجميل وفيه مصداقية للواقع
    ولكن لوحظ على الكاتب انه اعتمد في سرد حديثه على قصة حسين وعيسى الخيالية
    فأصبح المقال مختلق من قصة عيسى وحسين المختلقة
    فلو كان المقال مصداقا لحدث واقعي لكان افضل

    • ٥
      زائر

      القصة حدث واقعي وحقيقية ١٠٠٪‏ وعيسى وحسين أفراد التقيت فيهم خلال الأسبوع الماضي وليس سرد قصة خيالية . الكاتب بكر عبدالله

  6. ٤
    زائر

    الله عليك .. في الصميم

  7. ٣
    بوعبدالله١٢١٤

    شكرا أستاذ بكر. مقال واقع وفي الصميم
    أستاذ بكر لم يقصد النجاح. النجاح ليس عليه نقاش انما قصد. الفشل. وهذه حقيقة في مجتمعنا ولكن لو نطبق كلام الامام جعفر ابن محمد بحقيقته ودقتة. لكنا افضل الشعوب في تربية الابناء ونجاحهم وتفكيرهم السوي المستقل والفاهم للحياة بما معناه
    ربه سبع وأدبه سبع وصاحبه سبع
    ولكننا مع الاسف لم ندرك النعم التي نحن فيها ونجعلها تنعكس سلبيا على حياة ابنائنا
    قديما. الولد ابو ١٥ سنة هو رجل البيت الذي يعتمد عليه اما الان في بعض الشباب وليس الكل ابو ٢٥ سنة لم يدرك المسؤلية التي يتحملها لنفسه ويكون عبئا على والده

  8. ١
    ابومرعي

    سلمت يداك على ماكتبت مقال رائع وواقع صحيح
    مشكلتنا هو أننا أفرطنا كثيرا” في حب أبنائنا حتى صار أختيار ملابسهم علينا.يجب إعطائهم الفرصة في قيادة مستقبلهم بعيد عن أختيارنا لهم ذلك.مجددا” مقال أكثر من رائع.

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>