عاجل

أمر ملكي: الموافقة على الترتيبات التنظيمية والهيكلية المتصلة بمكافحة الفساد المالي والإداري

مشاهير الواي فاي

الزيارات: 2368
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6528866
مشاهير الواي فاي
عبدالله المسيان

كانت الشهرة في الأزمنة القديمة مقتصرة على طبقات معينة الخلفاء والفقهاء والعلماء والشعراء والأدباء الكبار.

‏حفظ التاريخ لنا عددا من الأسماء التي اشتهرت بصنعة معينة ولم يسجل التاريخ في صفحاته إنسانا خارج هذه الدائرة إلا نادرا.

‏عرفنا مثلا هارون الرشيد كخليفة وعرفنا النووي كعالم دين والشافعي كفقيه وعرفنا عنترة بن شداد كفارس مغوار لايشق له غبار ورمز من رموز الشجاعة والبطولة والمتنبي كشاعر ملأ الدنيا وشغل الناس والجاحظ ككاتب وأديب بارز في عصره وماتلاه من عصور. وسمعنا وقرأنا أن حاتم الطائي اشتهر بالكرم والأحنف اشتهر بالحلم وجحا اشتهر بالفكاهة.

‏كانت الشهرة حينذاك لاتنال إلا بمشقة وكفاح وبعد مرور سنوات طويلة ولم تكن سهلة المنال وميسرة لكل راغب أو طامح.

‏أيضا ثمة شخصيات انحفرت في الذاكرة الإنسانية بإنجاز معين كفتح بلد أو باختراع أو بأي شيء يسوغ لصاحبه المجد والخلود.

‏عدا ذلك سترى نفسك خارج التاريخ والشهرة.

‏كلما رجعنا إلى الوراء كلما كانت الشهرة أصعب.

‏لايمكن أن يذيع صيت إنسان ما وهو لايحسن شيء في الحياة.

‏استمرت الشهرة عشرات السنين تلتصق بأهل العلم والأدب والفن والسياسة. بعد ذلك انضم إلى رحاب الشهرة لاعبو الكرة. وبعد ذلك انضم رجال الصحافة والإعلام.

‏وكلما تطور الزمن وتطورت التكنولوجيا زادت رقعة المشهورين وتقلص الجهد والوقت الذي تحتاجه لتنضم إلى المشاهير.

كل تقنية حديثة اخترعت أسهمت في رفع عدد المشاهير من الجرائد وحتى التلفزيون تضاعفت الأعداد كما لم يكن في أي عصر سابق بينما عصر النت فتح الباب على أوسع مداه لكل إنسان. امتلك أدوات أم لم يمتلك. كان موهوبا أو كان خاملا كان ممتلىء بالثقافة أو كان فارغا. سواء امتلك صنعة أو لم يمتلك. أهم شيء أن يمتلك جهاز ذكي.

الآن ونحن في حقبة السوشل ميديا نعيش في أسهل وأسرع حقبة لنيل الشهرة والوصول إلى أكبر عدد من الجماهير.

لم تعد بحاجة إلى أن تسهر الليالي وتثني ركبتاك عند العلماء لكي تمتلك علما ضخما تمكث في جمعه عشرين وثلاثين عام أو أن تخترع أو أن تتجه إلى السياسة أو تصبح صاحب مؤلفات أو حتى أن تكون فلتة في كرة القدم أو في الفن والأدب.

الشهرة في زمننا الحاضر ليست حكرا فقط على أصحاب تلك الصنائع.امتدت لتشمل من لايمتلك شيئا عدا الحظ.

بل على العكس انقلب المفهوم. بات الكتاب والعلماء والمخترعين أقل شهرة من نجوم السوشل ميديا. بل إن أحد هؤلاء يعتبر في نظر الناس اسم مغمور ومجهول.

سهولة وسرعة الشهرة في هذا الزمن أغرت كل راغب بذلك. ماينال بعشرين سنة وبجهود مضنية تناله الآن في دقائق ودون جهد يذكر.

السوشل ميديا إغراء يسيل له لعاب كل طالب شهرة. سحر السوشل ميديا لم يجذب الناس العاديين فقط بل جذب حتى أصحاب الشهرة الحقيقين وجذب كل من فقد بريقها وجذب مشاهير درجة ثالثة ورابعة.

‏بيد أن شهرة السوشل ميديا شهرة وقتية مهما طالت. من نالها اليوم يفقدها غدا. يأتي إنسان آخر وينتزع منك بيرق الشهرة وهكذا.

‏كما أنها سريعة في نيلها فهي سريعة في زوالها.

‏عندما ذاع صيت عنترة كان شاهرا سيفه وعندما ذاع صيت الجاحظ ذاع بقلمه وكتبه ولذلك بقت ذكراهم وأسماؤهم محفوظة حتى وإن جهلها جيل اليوم.

‏من ذاع صيته برقصة أو ظرافة أو حتى استهبال سينعم وسيتلذذ بطعم الشهرة أياما وشهورا ثم سيطويه النسيان كما طوى التافهين والفارغين حتى غوغل سينساه.

‏مشاهير السوشل ميديا تنتهي شهرتهم بمجرد إطفاء الواي فاي.

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    مقال جميل ورائع ..
    وخاتمة للمقال بكل صراحة إبداعية .. وفقك الله .🌷❤

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>