عاجل

أمر ملكي: الموافقة على الترتيبات التنظيمية والهيكلية المتصلة بمكافحة الفساد المالي والإداري

الدافع الخفي وراء سفرنا .. !!!

الزيارات: 2025
تعليقات 3
https://www.hasanews.com/?p=6528206
الدافع الخفي وراء سفرنا .. !!!
بكر العبدالمحسن

تتعدد الأهداف والغايات لكل مسافر عن أرض وطنه وأهله وعمله ويكاد الترفيه وقضاء وقت ممتع والاستجمام واستكشاف البلدان والاطلاع على حضارتها ومعالمها وشعوبها من أهم التطلعات التي يسعى إليها الفرد وكلها للوهلة الأولى تبدو دافعا قويا وحافزا مشجعا على السفر والتخطيط له والاستمتاع فيه وبذل الجهد والوقت والمال من أجله لبضعة أيام أو أسابيع على مدار السنة أو في نهاية عطلة الأسبوع أو خلال الإجازة السنوية .

ولكننا إذا بحثنا أكثر وأكثر في دوافعنا الداخلية وإرادتنا الشخصية ومبرراتنا النفسية وقيمنا الاجتماعية وبيئتنا المحلية وعاداتنا وتقاليدنا والتزاماتنا الدينية فإننا قد نكتشف جوانب أخرى تُشكل الدافع الحقيقي من وراء هدف السفر وأننا نتخذ من الترفيه وقضاء وقت ممتع قناعا لتحسين صورة الدافع الخفي الذي يضغط علينا بقوة ويحرك الأداء والاتجاه نحو السفر دون الشعور بأنه هو الوقود الديناميكي المحرك للسفر لمدة يوم أو أكثر وسواء كان خارج مقر السكن الذي نعيش فيه أو لدولة شقيقة قريبة منا لبضع أو مئات أو آلاف الكيلومترات .

وأن هذا الدافع الخفي له القدرة على خلق المبررات وتنظيم الاتجاهات وترتيب الحجوزات وضخ الأموال وتحمل المعاناة والتعب والارهاق للفرد والأسرة من أجل الحصول على طاقة الدافع والرضا عن المردود النفسي منه والشعور بأن الدافع تم اشباعه وتلبية احتياجاته وشحن طاقته والتنفيس عن ألمه وإطلاق حريته وتغذيته بجميع احتياجاته الشخصية والدينية والروحية من مأكل ومشرب ولباس وتعبير عن رأي وحرية اختيار وممارسة أي سلوك وتصرف.

إنها الحرية الشخصية التي سجناها داخل أنفسنا وأخفينا معالم وجودها في تفاعلنا وحياتنا وتربينا على البراءة منها ومن احتياجها وابتكرنا أساليب متعددة في اجتثاث نبتتها وقيدناها بأغلال القيم والعادات والتقاليد والأعراف والالتزام والفهم الديني الخاطئ والسلوك الجمعي العام حتى باتت طاقة كامنة في أرواحنا تبحث عن كسر قيودها وإظهار احتياجاتها وإبراز حقها في الاختيار من بين الألوان والأشكال والمذاهب والتيارات والرغبات والطريقة والاعتبارات وتمشي ولا تنظر إلى الرقيب الشخصي أو الاجتماعي أو الديني وتجعل من اختياراتها مصدرا لحاجتها بما يناسبها من دون أن تعتدي على نفسها أو غيرها .

إن غياب مفهوم حرية الاختيار الشخصي للفرد نفسه في محيط مجتمعنا وحياتنا بكافة أنواعه وأشكاله جعل من كل فرد أن يبحث عن المكان والوقت والطريقة المناسبة لإطلاق طاقة الحرية واشباعها وتلبية احتياجاتها من دون أن يشعر بأن السفر والسياحة هو أهم أداة ووسيلة تستخدمها الحرية الفردية للتنفيس من أجل شحن طاقة الروح بعد تضخم شدة الألم والمعاناة وأن مجالات الاختيار بين المسموح والممنوع والحرام والحلال متساوية فيها وأن النفس في أعلى مراتب الاختيار في قيادة وتلبية واشباع حاجاتها بالطريقة التي تراها هي مناسبة من دون وجود أي رقيب أو سلطة عليها في مستوياتها الدنيا التي لا تخالف فيها القوانين العامة ولا تُؤذي نفسها أو الآخرين.

فالسفر أداة الحرية الشخصية ودافعها الخفي وطاقتها الكامنة في ظل سُلطة اجتماعية تقوم على التبادلية بين الفرد والمجتمع حيث يُشكل كل فرد في المجتمع رقيبا على نفسه وعلى غيره ويقوم باستخدام جميع المفردات والسلوكيات ضد غيره وقد تصل إلى العقوبات الاجتماعية والتي منها النفي والاستهزاء والاتهامات والتصنيف والحكم والتشكيك من أجل احكام السيطرة وردع الخارجين عليها وجعله عِبرة لمن لا يعتبر.

وهذه السلطة الاجتماعية تستمد قوتها من التربية والتنشئة نفسها منذ الصغر حتى تُصبح رقيبا داخليا ذاتيا في العقل الباطن تُسيطر على الفرد في داخل المجتمع المحلي وتجعل منه انسانا بلا وعي ولا تفكير ولا طموح ولا اختيار ولا إرادة وأن عليه أن يعيش ويتصرف ويختار ضمن ما تسمح به سلطة المجتمع فقط لا سلطة وحرية الاختيار الداخلي النابعة من ايمانه بها ورغبته في الوصول إليها وأن هذا الرقيب وهذه السلطة الاجتماعية تتعطل تلقائيا بالانتقال إلى أماكن تسمح للفرد بحرية الاختيار من خلال بيئة السفر الذي تتمكن فيه سلطة الفرد الداخلية على إدارة شؤون الرغبات والاحتياجات والسلوكيات كما تُحب وتشتهي.

لقد أظهر السفر حقيقة ازدواجية شخصياتنا في الممارسة والسلوك والقيم والتدين والمظهر وأن السلطة الاجتماعية أقوى من أن نواجهها أو نتمرد عليها لأنها تستطيع أن تُؤذينا بل أنها قادرة على أن تجعلنا أغراب في وطننا ونكرة بين معارفنا وأن السفر هو ملاذنا لرفع قناع التستر وإبراز الهوية الداخلية كما هي من دون تزييف أو تلميع.

ففي مجتمعنا المحلي نتظاهر بالكرم لكي لا يُقال عنا بخلاء ونتمسك بمجموعة من الممارسات الشكلية في اللباس والأداء لكي لا يرانا الآخرون غير ملتزمين دينيا واجتماعيا ونسكن مع أزواجنا في مسكن واحد وقد نعيش الطلاق النفسي والخصام ونخفي عن الناس ونلبس ونأكل ونتزوج ونركب ونشتري بأكثر من حاجاتنا ونحن مَدِينون للبنوك والقروض والكمبيالات ونحن أمام الناس في أحسن حال ونقرأ القرآن الكريم للحديث عن عدد ختم القرآن ونحن لا نفهم أبسط المعاني والدلالات ونتحدث عن السيرة النبوية والسلف الصالح وندعم به خطابنا الديني والتوجيهي والتربوي وليس مهما أي تطبيق مما سمعناه ونذهب للصلاة في المسجد لكي لا  يلتفت الإمام ونحن غير موجودين .

أخيرا .. حاولت أن أفهم وأحلل لماذا نسافر ولماذا شخصياتنا في السفر هي عكس ما نحن عليه في مجتمعنا وبيئتنا المحلية فأدركت أن تغييب الحرية الشخصية واخفاء وجودها المتمثلة في قدرة الفرد على اختيار طريقة وممارسة أسلوب حياته كما يُحب ويتمنى هي الدافع القوي لاختيار السفر مكانا من أجل أن يلتقي الفرد مع نفسه ويعانقها ويشحن طاقته بها في ظل غياب السلطة الاجتماعية التي شاركنا جميعا في صناعتها وفي لعب دور الرقيب الذاتي على أنفسنا وعلى غيرنا فكانت النتيجة : نُسافر بحثا عن الذات المفقودة في داخلنا علنا نتصالح معها.

التعليقات (٣) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    بارك الله فيك

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>