الماضي حقيقة أم فبركة؟

الزيارات: 1362
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6522895
الماضي حقيقة أم فبركة؟
طارق البوعينين

لطالما كان ذكر الماضي والتغني بالأطلال ديدن الناس قديماً وحديثاً، لجمال الماضي وبرائته وطهره وبساطته رغم ما قد يشوبه من الهباء، ورغم ما يحدث فيه من وقائع مريرة وأحداثٍ مهيبة، إلا أن الصورة الجميلة له هي السائدة وهي الباقية في أذهان الناس وعلى ألسنتهم.

ومع مرور الزمن وظهور المسلسلات وتنوع محاور الطرح لهذه المسلسلات بهدف أو بدون هدف، ظهرت مؤخرا جملة من المحاور والسيناريوهات لمسلسلات حول قضايا اجتماعية تتعلق بإصلاح المجتمع وكيفية القضاء على بعض السلبيات والسلوكيات فيه، فكل سيناريو يقدم للمشاهد يتطرق إلى هذه السلبيات بشكل واضح لا يدعو إلى اللبس بالإضافة إلى بعض الإثارة والتشويق، ولنا أن نتسائل هل مجرد الطرح والتعرض لأدق تفاصيل وجزئيات هذه القضايا والسلوكيات والعادات بحد ذاتها كفيلة للقضاء عليها؟ إن ما يشاهد فعلاً وإن كان بعض أجزاءه يحاكي واقعا حالياً أو من أدراج الماضي عبارة عن نشرٍ للغسيل ونوع من التشهير لمجتمع يغلب عليه سمات الخير والطهر والعفاف-بشكلٍ عام- منذ نشأته إلى أزماننا هذه.

ومع إجماع الكل على أن مجتمعاتنا ليست ملائكية ولا هي بأفضل ولا أطهر من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين، ممن قد وقع في أزمانهم بعض القضايا والتي كان من الحكمة وقوعها آنذاك في زمن التشريع لمعرفة أحكامها وكيفية التعامل معها من خلال تشريع رباني لا من خلال الأهواء والآراء البشرية ولتكون الشريعة كاملة وصالحة لكل زمان ومكان، فإن ما يطرق من قضايا في تلك المسلسلات تعد من أفراد القضايا التي جاء الإسلام ببيان أحكامها وكيفية التعامل معها، وأما إشهارها فليس من مبادئ الإسلام وإن كان هناك من التشهير ما هو جائز على صاحب المعصية ولكن المجاهر بها فقط تحذيرا منه أو تعزيرا له –كما في الموسوعة الجنائية الإسلامية- بل إننا نجد أن مبادئنا الإسلامية تحث على الستر والتغافل والتغاضي والمراجعة والتثبت والنصحية وليس التعيير أو التشهير، ولو أن فرداً من أفراد المجتمع أخطأ ولكنه لم يجاهر فتم التشهير به لما تقبل ذلك أفراد المجتمع مهما كان جرمه، فكيف بحقبة من الزمن قد ولت بخيرها وشرها يتم التشهير بهم وتصوير بعض من أجزاء حياتهم بأبشع الصور وأدناها، تعميماً للخطأ ونبشاً لما قد سلف، وكأنهم كانوا مجاهرين بهذه القضايا والسلبيات، والعجيب عندما نسمع من يقول أن نقد التاريخ ضرورة، بغرض الإستفادة منه، ولعل القائل تناسى أن التاريخ فيه الغث والسمين، وأنه بحر لاساحل له وقلَ من يتكلم فيه أو يحوي جملة أحداثه.

كما أن نقد ما هو مدون من المفترض أن لا يتجاوز مسودات الكتب بالتعقيب والنظر إلى ما آلت له الأمور في أزمانهم, وتحليل مسببات ومقدمات تلك الأحداث، وتعميم ما في ماضينا وتاريخنا من الخير بذكر المحاسن وإخفاء المعايب وتغليب الأخلاق الحميدة على كل قضايا المجتمع التي هي محل النقد. إن ما يعرض في هذه المسلسلات هو عبارة عن اجتزاء لبعض أجزاء حياة ذاك المجتمع في حقبة من الأزمان ليست بأسوأ مما نحن فيه الأن، وإذا كان بعض أفراد هذا الجيل قد كتب وجسد تلك الأزمان ببعض هذه الصور المقززة فماذا سيُكتب مستقبلاً عنا وكيف ستجسد الأجيال القادمة زمننا هذا؟!

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>