حِسَاء الأفعى .. ووهم الصورة !!!

الزيارات: 4269
تعليقات 5
https://www.hasanews.com/?p=6514973
حِسَاء الأفعى .. ووهم الصورة !!!
بكر العبدالمحسن

زار رجل شخصا نبيلا وصاحب مكانة وعلم وحكمة واستقبله ودعاه إلى مكتبه وقدم له طبقا من الحِسَاء وحالما بدأ الرجل في تناول الحِسَاء لاحظ وجود أفعى صغيرة في طبقه وحتى لا ينزعج ذلك الحكيم فقد اضطر لتناول الحِسَاء بكامله وبعد يوم شعر بألم في بطنه مما اضطره للعودة إلى منزل الحكيم من أجل طلب الدواء ودخل إلى مكتبه وجهز الحكيم له الدواء وقدمه له في كوب وما إن أراد الرجل تناول الدواء حتى وجد مرة أخرى أفعى صغيرة في الكوب.

حينها انفعل الرجل وقرر في هذه المرة ألا يصمت وصاح بصوت عال أن مرضه في المرة السابقة كان بسبب هذه الأفعى اللعينة وحينها ضحك الحكيم بصوت عال وأشار إلى سقف المكتب حيث عُلق فيه قوس كبير وقال للرجل أنك ترى في الكوب انعكاس صورة القوس وليس أفعى ونظر الرجل مره أخرى إلى كوبه وتأكد أنه لا وجود لأية أفعى بل هو انعكاس صورة القوس وغادر الرجل منزل الحكيم دون أن يشرب الدواء وتعافى في اليوم التالي.

تلك هي حقيقة حياتنا اليومية التي نشاهد فيها عشرات الانعكاسات للصور والمواقف والتفاعلات والتعاملات والتي نبني عليها قراراتنا وأسلوب حياتنا وتعاملنا مع أنفسنا والآخرين ومستقبلنا وبها نصف الآخرين ونحكم عليهم بالنجاح والفشل ونحدد قربنا أو بعدنا منهم وقبولنا أو رفضهم لهم أو التعامل والحذر منهم أو الثقة الزائدة فيهم أو العداوة والبغضاء لهم والنيل منهم.

فصورة منزل جميل تدل على أناقته من الداخل وثراء أهله وصورة فقير في هذه الأيام تُوحي أنه محتال محترف في التمثيل والادعاء وصورة سفر الفرد إلى بلد منفتح للبغاء والتحرر وصورة امرأة تفتح غطاء وجهها أنها متحررة من الالتزام وصورة فنان موسيقي أو ممثل أنه يُعذب في النار وصورة امرأة تعمل في مكان عام أو تمارس الرياضة أو تشارك في العمل التطوعي في مجتمعنا أنها قليلة حياء ودين وصورة ارسال وردة حمراء إلى شخص تعزه سواء كان امرأة أو رجل فهو غزل مبطن وصورة حسن مظهر الرجل الكبير وجمال أناقته أنه يتشبب ويخفي رغباته وصورة التعبير عن الرأي وانتقاد ظاهرة اجتماعية أو دينية أو اقتصادية أو سياسية بأنه حاقد على المجتمع وصورة التردد إلى المسجد أن الإنسان من خِيرة الناس دينا وأدبا وخلقا وعلاقة بالله وصورة الفتاة التي أخفقت في حياتها الزوجية أنه معمول له عمل في مكان ما وصورة الأبن الفاشل في دراسته وتفوقه أنه محسود من الناس وصورة المثقف والعاقل أنه متعالي على المجتمع ويرى نفسه عليه والأمثلة تطول وتطول .

لقد انتبه علماء النفس أن نقطة ضعف الإنسان هي الوهم في تحليل الصورة المدركة بين شكل وجودها في عقله وبين حقيقة ادارك فهمها كما هي في الواقع دون تزييف أو خداع.

فالأوهام هي التشوهات التي تحدث في الحواس والتي من أهمها السمع و البصر حيث أن الحواس هي مستشعرات الإنسان و التي بها يستطيع جمع المعلومات اللازمة نتيجة تفاعله مع نفسه أو محيطه لمساعدته في عملية اتخاذ القرارات المختلفة و حيث أن هذه الحواس تعمل جميعها ضمن منظومة متكاملة صاغها الخالق عز وجل و رفد العقل البشري بها، فالعقل يعتمد في عمله على هذه الحواس والتي يستطيع بها أن يؤدي وظيفته الرئيسية في اتخاذ القرارات المختلفة للأمور التي تعترضه في حياته و في كل موقف .

فالوهم البصري أو السمعي هو الذي أدى إلى ظهور التخلف والأمراض الاجتماعية والدينية والصحية والأسرية والمهنية في مجتمعنا وهذه الأمراض تتحول إلى معتقدات راسخة وقوية في العقل الباطن وتقوى مع مرور الزمن وتتخذ الأجيال منها دلائل أساسية في الحكم والاستنتاج والتقرير والقيم من دون الفحص والتحليل والفرز والتحكيم للوصول إلى نتائج منطقية وقرارات صائبة.

ومع التطورات المادية والعلمية والتكنولوجية والحياتية والانفتاح مع العالم والثقافات في بلادنا ومجتمعنا إلا أنه لازال الكثير منا يعتمد على عقله الباطن وما رسخ وبُني فيه من ثقافات موروثة ورموز ومواصفات وصور ذهنية وعبارات شعبية ومحددات نمطية وممارسات سلوكية في الحكم على نفسه والآخرين في تصرفاتهم واختياراتهم وتطلعاتهم وأدائهم .

وإن هذا الوهم والخداع البصري والعقلي ناتج عن سيطرة العقل الجمعي والمجتمعي على تفكير الإنسان وقدرته على شلل جميع مقومات النشاط العقلي من أجل تحليل الصورة واستنباط ما فيها من إيجابيات وسلبيات ولأن العقل الجمعي قوته وسلطته كبيرة فإن الإنسان يضعف ويستسلم في مقاومته وذلك بسبب النماذج للأشخاص التي حاولت أن تحرر عقلها من سيطرة العقل الجمعي فوجدت نفسها في عزلة تامة وحصار مطبق ونفي من المجتمع فكانت عِبرة لغيرها .

إن في كل صورة نلتقطها عن أنفسنا أو عن غيرنا فهي صورة فيها انعكاس لصور ذهنية صاغها العقل الجمعي في عقلنا الباطن حتى أصبحت الحواس معطلة في أداء وظيفتها وأصبح العقل عاجزا ومشلولا في تحليل الصورة في إطار جديد ومعنى متغير ووصف يناسب المكان والزمان والظرف المناسب له ولكي نحرر صورنا ومشاهداتنا من قيودها فإننا نحتاج إلى تنظيف وحذف وإزالة لجميع البرمجيات التراثية والشعبية والخرافية والأسطورية والاجتماعية والدينية التي ابتدعها المجتمع ومارسها وتمسك بها من غير وجود مرجعية علمية أو فطرية أو إنسانية أو رسالة من الله تعالى .

أخيرا … قد نظن أننا قادرون على فك قيود الوهم التي ربطنا أنفسنا بها وأعطينا الآخرين مفاتيحها فالوهم البصري يحتاج إلى مطرقة عقلية تمسكها إرادة قوية تُزيل بها جدران لا حقيقة أو وجود لها .

 

التعليقات (٥) اضف تعليق

  1. ٥
    زائر/ محمد ياسين العبد المحسن

    الموضوع جيد ، وهذه طبيعة الإنسان يعطي انطباعه
    بما تعكسه الصوره ، لأن ماتخفيه غير ممكن الحكم عليه،
    فاالمظهر الجيد والاناقه تعني الغنى والملابس الرثه تعني
    الفقر ولوملك الدنيا .

  2. ٤
    زائر

    سلم قلمك ..فعلاً من أهم مايعنانيه المجتمع هو تصورات الوهم والحكم على الناس بالمظاهر؛ الانسان العادي هو مايفعل ذلك وتساعده برمجته الااواعيه التي اكتسبها من خلال العقل الجمعي، اما الإنسان الحكيم هو الذي يتريث قبل ان يحكم على الناس لانه يعلم بأن ماوراء المظهر روح؛ وبها يقيم الإنسان.

    • ٣
      زائر

      يسلم الحرف وصاحبه .. كلام في الصميم أستاذنا الرائع

      نهى

  3. ١
    زائر

    مقال رائع ، وضعنا امام اشكالية الوهم البصرى وتطرق للنتائج المترتبة عليها ، ويكمن ان تكون احد طرق النجاة من الوقوع فى فخ الوهم البصرى المحيط بنا هو اعمال العقل و التدبر فى امر مانراه هل يتوافق السلوك والعمل مع مانراه ، بمعنى من يتردد على المساجد هل يتقى الله فى اقواله وافعاله ، هل يخشى الله ويراقبه ام يفعل ذلك ليوقعنا فى فخ الوهم البصرى

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>