النطاق المألوف .. !!

الزيارات: 1314
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6491551
النطاق المألوف .. !!
بكر العبدالمحسن

ذهب رجل أعمال إلى بنك في مدينة نيويورك وطلب مبلغ 5000 دولار كقرض من البنك للسفر إلى أوروبا لقضاء بعض الأعمال وطلب البنك من رجل الأعمال ضمان إعادة المبلغ فسلم الرجل مفتاح سيارة الرولزرويز إلى البنك كضمان للقرض!!


وقام البنك بفحص السيارة وأوراقها الثبوتية ووجدها سليمة وبهذا قبل البنك سيارة الرولز رويز كضمان ولكن رئيس البنك والعاملون استغربوا كثيراً من العميل لإيداعه سيارته الرولز رويز والتي تُقدر قيمتها بأكثر من 250000 دولار كضمان لمبلغ قرض وقدره 5000 دولار وتم التحفظ على السيارة وإيقافها في مواقف البنك الخاصة وبعد أسبوعين عاد رجل الأعمال من سفره وتوجه إلى البنك وقام بتسديد مبلغ القرض 5000 دولار مع فوائد بقيمة 15.41 دولار.

ولكن مدير العلاقات العامة في البنك سأل العميل: نحن سعداء جداً بتعاملك معنا ولكننا بحثنا في معاملاتك وحساباتك وقد وجدناك من أصحاب الملايين فكيف تقترض مبلغا بـ 5000 دولار وحسابك فيه سيولة مالية كبيرة؟

رد الرجل وهو يبتسم: وهل هناك مكان في مدينة نيويورك الواسعة أستطيع إيقاف سيارتي الرولزرويز بإجرة 15.41 دولار دون أن أجدها مسروقة بعد عودتي من السفر؟

قد تكون القصة رمزية في معناها أو فيها شيء من الحقيقية وتم تحويرها من أجل الفائدة ولكن الكثير منا يعيش في دائرة النطاق المألوف في حياته الشخصية والاجتماعية والمهنية والدينية والاقتصادية والمعيشية والذي اعتاد عليه فموظف البنك يعتبر أن كل من يقترض من البنك فهو محتاج ومضطر ولا يستطيع الخروج من النطاق المألوف حول هذا المفهوم.

والذي يقتصد في المأكل والمشرب والمعيشة وفنون الحياة فهو في نظرنا بخيل والذي يحاول اصلاح ما فسد وعطل في بيئته وعمله فهو يضيع وقته والذي يحاور الآخرين في أفكارهم ويتثبت من أحاديثهم فهو عديم الثقة والذي يتكيف مع الظروف والمتغيرات والتحديات ويتعامل معها بواقعيه له أكثر من وجه ووجه والذي يتنازل عن أخطاء الآخرين ويتفهمها ولا يرد على الجاهل فهو ضعيف الشخصية والذي يعمل بجد ويحترم النظام والقانون والحقوق هو إنسان يعيش الخوف من العقاب والذي ينتقد عاداته ويراجع أفكاره ويفتح عينيه وعقله على كل جديد وهادف فهو شخص لا هوية له .

فالنطاق المألوف هو ذلك السياج والحاجز الذي يخلقه ويبنيه ويصنعه الفرد في نفسه وسلوكه ومفاهيمه ومعتقداته وعاداته وتقاليده للحفاظ على شخصيته واستقلالها واستقرارها وعدم بذل الجهد والعمل نحو التغيير نحو الجديد والأفضل.

وهو نطاق قوي ويتخذ أشكالا متعددة وأنماطا مختلفة وقادر على الصمود أمام كل محاولة للخروج عن المألوف في السلوك والعادات والتفكير ويستمد قوته من صلابة الأفكار والمعتقدات والمفاهيم كلما طال الزمن عليها وضعفت مرونتها وأيضا من البقاء على الخبرات القديمة المحدودة وعدم تجديدها وقلة الاطلاع والمعرفة والاعتماد على لغة السماع أكثر من البحث والتجريب والمشاهدة والمحاولة والابتكار.

والنطاق المألوف يجعل الإنسان أكثر أمانا واطمئنانا من محاولات الاختراق الداخلية والخارجية نحو إعادة النظر في الأفكار والمعتقدات ويكون الحارس الأمين للتصدي لأي محاولة تجعل من الإنسان يرى الأمور بشكل مختلف أو من زوايا أخرى وتقوم المضادات الداخلية كالتشكيك ونظرية المؤامرة وضياع الهوية والاستعمار والشيطان وغيرها بالعمل السريع لمهاجمة ووأد وسحق أي محاولة اختراق للنطاق المألوف لوعي الإنسان.

إن أهم قضية طرحها القرآن الكريم أمام الإنسان في حركته ووعيه ونهضته ورقيه هو كيفية اختراق حاجز النطاق المألوف نحو الأفضل: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ 104المائدة  

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾46 الحج

 ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )  الحجرات: 13

إن لكل فرد ومجتمع وأمة نطاق مألوف في العادات والتقاليد والأعراف والمذاهب اعتادوا عليها وألفوها وأصبحت جزءا من حياتهم اليومية وممارساتهم السلوكية وهم أضعف من أن يُعيدوا النظر فيما ألفوه ونشأوا وشبوا عليه ومارسوه في سلوكهم وحياتهم وأن هناك من يحاول جاهدا لمنع أي محاولات تقييم النطاق المألوف والخروج عليه والبحث عن الأفضل.

أخيرا.. لا تقف في وجه إنسان أو مجتمع قرر إعادة النظر في نطاقه المألوف والبحث عن الأفضل فإذا لم تساعده فلا داعي أن تحاربه وتجعل كل المعوقات أمامه من أجل ألا يخرج عن مجتمع دائرة المألوف واكتشاف الهُدى والتقوى.

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    احسنت سيد بكر مقال أكثر من روعة

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>