احدث الأخبار

عشرات الدول العربية تبدأ غداً صيام رمضان.. وهذه الدولة يوم الأربعاء قبل إعلان جاهزيته رسميًا.. “وزير الرياضة” يتابع سير الأعمال بملعب الأمير عبدالله الفيصل (صور) خادم الحرمين يوجه كلمة للمواطنين وعموم المسلمين بمناسبة حلول شهر رمضان (فيديو) “البريد السعودي” يعلن مواعيد العمل خلال “شهر رمضان” المبارك لعام 1442 الديوان الملكي: المحكمة العليا تعلن غدا الثلاثاء أول أيام شهر رمضان المبارك “تقنية الأحساء” تُقدّم 16 مشروع إنتاجي بصبغة تقنية ومهنية للمتدربين المحلل “الملحم” يكشف لـ”الأحساء نيوز”: ظروف متفاوته للفرق السعودية في “دوري الأبطال” سمو “محافظ الأحساء” يستقبل مدير عام فرع هيئة الهلال الأحمر السعودي بالشرقية سمو أمير الشرقية يستقبل سفير الإمارات لدى المملكة مجلس الشورى يقر تعديل مادتين بنظام التقاعد المدني والعسكري وزارة الصحة: 842 إصابة جديدة بـ” فيروس كورونا” وتعافي 706 توكلنا: مدة حالة “محصّن جرعة أولى” تستمر 3 أشهر

مروا بالأحساء (10)

أديب يسرد مشاهداته لأول مرة عن ⁧‫الأحساء‬⁩ قبل أكثر من 50 عاماً عبر ⁧‫#مروا_بالاحساء‬⁩ !!

الزيارات: 4284
تعليقات 8
https://www.hasanews.com/?p=6489727
أديب يسرد مشاهداته لأول مرة عن ⁧‫الأحساء‬⁩ قبل أكثر من 50 عاماً عبر ⁧‫#مروا_بالاحساء‬⁩ !!
د. عبدالعزيز الضامر

مروا بالأحساء (10) .. الأديب والناقد العربي د. “إبراهيم السعافين”

في الثالث من شهر شوال سنة 1422هـ, الموافق (19/12/2001م), كنت في عمَّان الأردن, وسعدت بلقاء المحقق الكبير الدكتور إحسان عباس في منزله الواقع في جبل عمَّان الدوار الثالث, العابق برائحة الياسمين الذي انحنت أطرافه على الطريق تتصبب من قطرات المطر المنهمر.

كانت ليلة تاريخية برفقة شقيقي الدكتور سمير, جمعتنا بهذا الهرم الرائع الذي حقق لنا كنوزاً من كتب التراث كالأغاني للأصفهاني, ومعجم الأدباء لياقوت الحموي, ووفيات الأعيان لابن خلكان وغيرها, فسألناه عن مسائل كثيرة تتعلق بالتراث والتربية والأدب.

وأثناء الحديث دخل علينا ثلاثة من أصدقائه وهم: صدقي خطاب, ود. عبد الجليل عبد المهدي, ود. إبراهيم السَّعافين الذي كان وقتها قد حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب.

فلمَّا علم الدكتور السّعافين أننا من الأحساء (فَزْ قلبه) وقال: الأحساء كانت المحطة الأولى في حياتي العملية, حيث دَرَّستُ فيها سنة (1966م) بعد تخرجي من الجامعة ومكثت فيها سنة كاملة, وكان عمري وقتها (24) سنة, فأخذ يسرد شيئاً من ذكرياته.

وأثناء تحضيري لسلسلة مقالات (مروا بالأحساء) طلبت منه أن يروي هذه الذكريات مكتوبة لكي أضمنها السلسلة, فكان ما طلبت فله مني كل الشكر والتقدير على سرعة استجابته, و أنا الأن أسوقها بتمامها دون أن أتدخل بالمقاطعة أو التعليق نظراً لنفاستها ولكونها وثيقة مهمة من شخصية شاهدة على فترة تاريخية مرَّت بالأحساء.

 

 

(في صيف عام ١٩٦٦م تخرجت في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وأخبرني أستاذي الدكتور شوقي ضيف أنه أوصى للدكتور ناصر الدين الأسد أن يساعد في تعييني معيدًا في قسم اللغة العربية بالجامعة الأردنية، قدمت طلبًا ولم أستعن بمن يدعم طلبي وظللت أنتظر فما حدث أي شيْء سوى تعييني في مدرسة إعدادية للبنات.

شعرت بأن طلبي أُهمل وأنا الأول على دفعتي ويبدو أنه عزّ علي هذا الأمر وكأنني تلقّيت إهانة لا أستطيع معها البقاء في الوطن، فتقدمت بطلب إلى وزارة المعارف السعودية وقبل الطلب وأصبح سفري وشيكًا, كنت متعلّقًا بأسرتي ولاسيما أمي التي افتقدتها طوال سنوات الدراسة باستثناء العطل الصيفية.

حطت الطائرة في مطار الرّياض ثم ما لبثنا أن استقلينا القطار إلى الهفوف، وبعد أن أنهينا أمور تعييننا وجهتنا مديرية التعليم إلى بلدة العيون, بينا عُيّن صديق العمر يوسف الفيومي في منطقة القنفذة، ويبدو أن حظّي كان أفضل من حظّه في تلك الأيّامِ.

تعرفت بعد الهفوف على المبرّز والمراح وأبقيق، وسعدت بتعييني في بلدة جميلة كالعيون، وهي بلدة زراعية تشتهر ببساتين النخيل, كان معنا أساتذة متزوّجون وآخرون غير ذلك، فسكنت أنا وزميلاي إسماعيل قنديل وحسن أبو شاويش نحن العزاب في بيت جميل مملوك لأحد عمال شركة أرامكو وكان أصحاب البيت من أطيب الناس يزودونا بالخضار التي تُزرع في أرضهم الطيّبة.

كان التعيين في مدرسة العيون الإعدادية وهي مدرسة بنتها شركة أرامكو وتديرها وزارة المعارف، لكن من سوء الحظ لم يكن البناء قد اكتمل في ذلك الوقت ولم يكن جاهزًا لاستقبال الطلاب والمعلّمين، فقرّرت إدارة التعليم تعييننا مؤقّتًا في مدرسة العيون الابتدائية, وقد كان بناء المدرسة قديمًا في ذلك الوقت.

كان المعلمون يحملون شهادات علمية مختلفة ثلاثة يحملون درجة البكالوريوس أحدهم يحمل درجة في التجارة هو عمر الفار من طولكرم, وآخر لا أتذكر اسمه من قرية ميثلون/ جنين يحمل درجة بكالوريوس في التاريخ وأنا، وَأَمَّا الزملاء الآخرون فيحملون دبلوم معهد المعلمين أو شهادة الثانوية العامة.

وكانوا جميعًا متمكنين أكفياء؛ لأنَّ نظام التعليم آنذاك لا يخرّج إِلَّا المتميّزين، وكان من الذين يحملون الثانويّة العامة من هم أكبر منا سنًّا مثل الأستاذ أبو سائد والأستاذ سامح المجالي، قضوا سنين في التعليم الابتدائي، يمتلكون الخبرة والتجربة والمعرفة المنهجية والنفسية في معالجة الحصّة الصّفية وفي التعامل برفق وحزمٍ معًا مع التلاميذ الصّغار رائدهم في ذلك قول الشاعر:

وقسا ليزدجروا ومن يكُ حازمًا فلْيقْسُ أحيانٍا على من يرحمُ

على أنّ مدير المدرسة الأستاذ مبارك رأى رأيًا مختلفًا، فقدّر أنّ من يحملون الشهادة الجامعيّة هم الأولى بتدريس الصّفوف الابتدائية الدّنيا، فكان نصيبنا نحن الثلاثة الذين نحمل الشهادة الجامعيّة الصف الأوّل الابتدائي، وكنت آخر الثلاثة؛ إذ كان من نصيبي الصفّ الأوّل الابتدائي “ج” وهو آخر صفٍّ في المدرسة.

وكان من سوء الحظّ أنَّ هذا الصفّ الوحيد الذي يجلس تلاميذه على الأرض بخلاف كلّ تلاميذ المدرسة.

لقد كان عليّ أن أحتمل هذا الظرف الطارئ حتى يتسنّى الانتقال إلى مدرستنا المقرّرة وهي مدرسة” ابن المقرّب العيوني” الإعداديّة”.

لم يكن لي خبرة في التعليم من قبل، ولكنني اجتهدت أن أوصل إلى التلاميذ المهارات الأساسيّة فأكتب ست كلمات أنطلق منها لتعليم المهارات الأربع دون أن أكون على وعيٍ بالمفاهيم النظريّة لطرائق التدريس، قبل أن أحصل على دبلوم في التربية.

كُنت أضيق أحيانًا بالتلاميذ وهم يزحفون حتى يخرجوا من بوابة الفصل إلى خارجه فأنهرهم بعنف، وأهمّ بالضرب ولا أفعل، وما زلت أذكر حصّة المحفوظات حين كان ” دحيم” وأظن أن اسمه عبد الرحمن يرفع عقيرته بإحدى المحفوظات العاميّة أو النّبطيّة ما زلت أذكر كلماتها الجميلة:

وانا أمشي بالعَدامة سمعتِ وَنِّتْ حمامهْ

وَنِّتْ أسى أو ندامهْ ذكَّرْ عليَّ الوِنينْ

مِشتاقْ.. أَبكي وانوح والقلبْ كِلَّه جُروحْ

يا زينْ الطُفْ بِحالي جارَتْ عليَّ الّليالي

غيرَكْ ما يُلْطُفْ بِحالي واحْلِفْ على ذا يِمينْ

فوجئتُ في أحد الأيام بالموجّه وكان يُسمّى آنذاك مفتّشًا فانتقدني بعنف لأنني أكتب ست كلمات والمطلوب أن أكتب أربع كلمات، وقال لي: عليك أن تُدرّس الصّفوف العليا لا الصف الأوّل الابتدائي، فقلت له بنزق وحدّة، ما الفرق بين ست كلمات وأربع، المهم أن أوصل المعلومة إلى التلميذ، ثم إنّ المدير وأشرت إلى الأستاذ مبارك هو صاحب هذا الرأي، علمت فيما بعد أنَّ هذا المفتش السوري يحمل الثانوية العامة وأنَّ الأستاذ مبارك يحمل الشهادة الابتدائية لكن الأستاذ مبارك كان إداريّا ناجحًا.

لم تمرّ هذه الحادثة دون أثر، فقد قرّر المدير أن أُدِّرس كشكولاً من المواد النشيد والرسم والعلوم وربما القواعد. وأذكر أنني كنت أجتهد أن أرسم لهم على السبّورة ما يعنّ على بالي ويقدمون لي رسوماتهم ولعلّها كانت أفضل من رسوماتي التي لا تخضع لأيّ منهجٍ في الرّسم، وكانت اللحظات الجميلة للتلاميذ ولي تلك التي أصطحبهم فيها إلى بساتين النخيل الجميلة فأطلب منهم أن يرسموا مقطعًا طوليًا أو مقطعًا عرضيًا، ولا أدري إن كنت أعي ما أطلب أو يعون.

أوقاتٌ جميلة مرّت كأنّها حلم، سواء تلك التي أقضيها مع زملائي المواطنين والوافدين في المدرسة نلعب كرة القدم أو كرة السلّة، أو في المناسبات المختلفة كالأفراح أو حين نقضي وقتًا مع الزملاء في بيوتهم لتناول القهوة، أو تناول الطّعام.

قضينا الشهور الثلاثة الأولى في مدرسة العيون الابتدائية ذات البناء القديم والأثاث المتواضع لننتقل إلى مدرستنا الأساسية وهي مدرسة ابن المقرّب الإعدادية، وكان مديرها هو الأستاذ صالح السليم، فأصبحت أدرّس اللغة العربية للصّفوف الإعداديّة في جوٍّ مختلف تمامٍا، فقد اختلفت البيئة الصفية والمدرسيّة وبدأنا ننعم براحة الترف، فالمدرسة قدمتها شركة أرامكو لوزارة المعارف وهي مجهّزة بأحدث ما تجهّز به المدارس وأرقاها من الأثاث الفاخر والملاعب المختلفة والمسرح والأرائك الوثيرة والمغاسل داخل غرف الدرس.

كنّا نسهر في الليالي المقمرة على الرّمال في ساحة المدرسة، نستعيد ما تغنّى به الشعراء في جزيرة العرب، ونتذكّر المفردات التي نبتت في هذه البيئة، فعلى أطراف بلدة العيون كانت تنتشر كثبان الرّمال وقد كانوا يلفظون اسم الكثيب” الطعْص” وهو تحريف للفظة الفصيحة” الدّعص”.

كنت أفرح كثيرًا حين أستمع إلى ألفاظ عرفتها في بطون الشّعر القديم.

 

كنّا نذهب إلى مدينة ” الهفوف”عاصمة الأحساء في العطلة الأسبوعية، ونبتهج بالعراقة المتمثلة في الأسواق التي تتنفّس رائحة التاريخ والمكان، ونزور بعض الأصدقاء في الهفوف والمبرّز، وأذكر أنّنا قبل غروب شمس اليوم الذي سبق عيد الفطر المبارك كنّا نستقلّ سيارة من الهفوف إلى العيون، وكان راكبًا أو راكبين من بلدة” المراح”، توقّفت السيّارة قبيل الغروب بقليل وإذا فايزة أحمد تشدو بأغنية المطرب الكويتي الكبير الأصيل عوض دوخي “صوت السّهارى مرَّوْا عليّ عصريّة العيد” استثارت كل ما أختزنه من حنين إلى أهلي فتملكتني حالة عاطفيّة شديدة، تذكّرت أهلي، وأنا البعيد عنهم وسأقضي أيام العيد بعيدًا عن الأهل والخلاّن وحننت إلى أمّي و”إلى خبز أميّ” فكانت حالة عاطفية قلّما مررت بها في حياتي.

أذكر أننا لا نملك من وسائل التسلية والترفيه إلاّ المذياع، فكنّا نذهب إلى مقهى مجاور ندفع ريالاً واحدًا لمشاهدة برامج تلفزيون أرامكو ولم يكن ثمة محطّة غير هذه المحطّة، كانت تذيع مسلسلات عربية وخليجية وربما أجنبية مترجمة، وكان ثمة برامج ثقافية وأدبية يقدمها مثقفون من شركة أرامكو من العرب ومن المواطنين، وأذكر أن صديقي الحميم بكر عباس الذي عرفته فيما بعد عند ابن أخيه حسن عبّاس ثم توطّدت صلتي به في بيت شقيقه إحسان عباس كان من بين الذين يطلّون من شاشة تلفزيون أرامكو حين كان يعمل مترجمًا مرموقًا في الشركة.

ومن الأيّام الممتعة التي كنا نكسر فيها الروتين اليومي يوم كان المدرسون يستأجرون سيارة كبيرة ونذهب لمشاهدة أحد أفلام السينما من دار سينما شركة أرامكو في مدينة أبقيق، فكم تظل متعة هذه الزيارة مدة طويلة في خيالنا وفي وجداننا.

كنت قد سجّلتُ لدرجة الماجستير في القسم الذي تخرجت فيه، وكانت الكتب المقررة من أهم الكتب التي تكوّن الوعي العلمي والنقدي منها مقدمة ابن خلدون وأهم الدراسات حولها، وكتب كثيرة حول موسيقا الشعر والإيقاع والنقد، تملأ وقت الفراغ الذي يشعر به كثير من الزّملاء.

وكم فرحت حين علمت أنَّ هناك مكتبة مهمة فيها كنوز الكتب ولاسيما كتب التّراث، ففزعنا إليه بشوقٍ عام.

استقبلنا مدير المكتبة الشيخ يوسف بن راشد آل مبارك التي كان اسمها ” المكتبة القطرية بالأحساء”, و كان رجلاً وسيمًا مهيبًا جليلًا, جلسنا بين يديه وكنّا نحسب أننا في الذروة من المعرفة والإحاطة وإذا بنا نستشعر التواضع بل الضآلة أمام ما يختزنه الرجل من معرفة باللغة والأدب والتاريخ، ولا أدري هل أراد أن يمتحن معرفتنا حين طلب

إلينا أن نقرأ بعض الصّفحات، وكان من نصيبي أن أقرأ صفحة أو جزءًا من الصفحة، حمدت الله بعدها أنني نجوت بقليل من الأخطاء.

أذكر أنَّ الرجل أهداني كتابين أحدهما ديوان الشاعر الأندلسي ” ابن درّاج القسطلي” بعناية وتحقيق العالم الجليل الدكتور محمود علي مكّي.

كُنّا في العُيون نتابع ما يجري في الوطن من أحداث. حدث في هذا العام العدوان الصهيوني على قرية السّموع قرب الخليل، وما جرى من ضجيج إعلامي وتنابز بالألقاب بين من تجمعهم آصرة النّسب، واعترتنا الخشية مما لا يحمد عقباه حين وجدنا أن الحرب وشيكة في شهر مايو 1967م حين طلب الرئيس جمال عبدالناصر من يوثانت الأمين العام للأمم المتحدة سحب قوات الأمم المتحدة من قطاع غزة.

كنت من بين الذين قالوا إنَّ هجوم إسرائيل قادم لا محالة، وقد وقع العدوان الصهيوني، فعلًا، يوم الخامس من حزيران وأنا في طريقي إلى المطار إلى القاهرة أو عمان لا أتذكر الآن جيّدًا، لأنه كان علي أن أتقدم لامتحان السّنة التمهيدية للماجستير. سمعت بخبر العدوان من راديو سيارة الأجرة التي كنت أستقلّها إلى المطار.

ما أذكره أنّ مذيع صوت العرب الشهير أحمد سعيد كان يبعث النشوة في صدورنا، وهو يعلن أنَّ طائرات العدوّ الصهيوني تتساقط بالعشرات كالذّباب.

طلبت من سائق السيّارة أن يذهب بي إلى فندق الهفوف؛ لأقضي فيه عشرة أيّام سوداء كقطع اللّيل المظلم، لم أكن أتخيّل أنَّ يومًا أسوداً كهذا اليوم الذي كان فيه المذيع الصهيوني يقابل محافظ القدس وأمين القدس داخل البلدة القديمة، إذن سقطت القدس وكل الضفّة الغربية وسقطت سيناء وقطاع غزّة والجولان.

في الليل انطلقت في شوارع الهفوف المظلمة الخالية من النّاس، ربما كان الناس يتجمعون حول أجهزة الراديو لسماع آخر الأخبار بحثًا عن قشّة أمل ينجون بها من هذه النكبة السّاحقة التي قضت على كلّ أملٍ لهم في هزيمة هذا الكيان الغاصب. كنت أدعو الله أن يحفظ لي عقلي، في تلك لحظة كنت مرعوبًا أن أُصاب بالجنون.

لم يكن بيدي أو يد أحد من الناس أن يفعل شيئًا. افتتحت الحكومة مراكز للتطوّع، فذهبت لتسجيل اسمي، وكنت أعرف أنَّ كل شيء مضى وانتهى وأن لا فائدة من أيّ شيء. تلك الأيام على سوئها لم تسلبنا القدرة على الحلم وعلى تجاوز تلك الأيّام التي تهتزّ من هولها الجبال.

مضت عشرة أيّام أو أكثر وأنا تحت وطأة الأنباء المفزعة، أنتظر افتتاح مطار عمَّان الدولي الذي دمرت مدرجاته الطائرات الصهيونية، فقررت السّفر عن طريق البرّ إلى دولة الكويت حيث استضافني زميلي وصديقي الدكتور إسماعيل العالم إلى حين تسيير رحلات الخطوط الملكية الأردنية إلى عمّان.

مرّ قرابة عقدين من سنين قبل أن أقضي إجازة التفرغ العلمي أستاذًا مشاركًا في جامعة الملك سعود بالرّياض، فذكرت لزملائي في قسم اللغة العربية ما مضى من ذكريات عزيزة في الأحساء، وعبرت لهم عن شوقي لزيارة تلك الدّيار، ومشاهدة الأماكن التي شهدت مطالع الشّاب.

لم أفهم وجه الحكمة في نصيحة صديقي أستاذ الأدب الجاهلي الدكتور فضل العمَّاري في ألاّ أذهب إلى مرابع ذكرياتي في العيون، ويبدو أنني كدت أقتنع بنصيحته، ولكن شاء القدر أن أذهب مع أحد أقربائي بصحبة العائلة لزيارة مدينتي الخبر والدمّام وفي طريق العودة هاجني الشّوق القديم لزيارة الأحساء، والعيون على وجه الخصوص، وكان ما كان.

بدأت في الطريق أستعيد كلّ التفاصيل حتى المطاعم والمقاهي التي كنا نرتادها، ولكنني بدأت أفقد الرّغبة في العودة إلى مرابع الشّباب حين رحت أتهجّى الأماكن، أين المدرسة القديمة وأين المدرسة الجديدة أين البيت الذي كنت أسكن فيه مع زملائي. لقد زحف العمران بعد هذه المدة الطويلة وعبثًا أستطيع أن أتبيّن ما كان في وجداني من الأمس، حاولت أن أقنع نفسي بأنَّ هذه مدرسة الأستاذ مبارك وهذه بساتين النخيل التي كنت أرتادها مع الطلاّب في حصة الرّسم، هل كان ذلك خداع الذّات أو هي الحقيقة. حينذاك، تذكّرت نصيحة صديقي فضل العمّاري وربما طفرت دمعة من عيني).

التعليقات (٨) اضف تعليق

  1. ٨
    صلاح الشريدي

    تاريخ جميل من الدكتور ابراهيم عن الاحساء حيث وصفهم باالكرماء وهذه حقيقة من أهالي الاحساء
    فشكرا لك دكتور عبدالعزيز على ما تقدمه للأحساء

  2. ٧
    جبل كنزان

    سرد رائع للغاية، وذكريات ممتعة، شكرا د. عبدالعزيز الضامر؛ فخر الأحساء وشبابها الطموح.
    شكرا د. إبراهيم السعافين؛ فخر الأدب والدراسات العربية لهذه التطوافة الجميلة في بلدنا التي أنت منها وهي منك. كل التحية لهذا الإبداع والبوح المميز.
    ???????

  3. ٦
    رادود معاوية

    انشا الله المعلومات صحيحة هالمرة مب زي موضوع الجاسر

  4. ٥
    ولد العيون

    أنا أبن الأبناء الذي درسهم الأستاذ وربما حفيد بعضهم ..
    مقال اكثر من رائع شعرت وكأني ظل الدكتور في مسيرته من جمال وصف الذكريات

  5. ٤
    أبن العيون

    أنا أبن الأبناء الذي درسهم الأستاذ وربما حفيد بعضهم ..
    مقال أكثر من رائع شعرت وكأني ظل الدكتور في مسيرته
    من جمال وصف الذكريات .. شكرا د.إبرهيم والشكر أيضا للدكتور عبدالعزيز..

  6. ٣
    زائر

    ما شاء الله تبارك الله… مقال ممتع و فريد من نوعه. لم أقرأ مقال مفصل عن تاريخ العيون مثل هذا من قبل. شكر الله ل د. ابراهيم و شكر الله ل د. عبدالعزيز الضامر مشاركته لهذا المقال. و شكرا جزيلا لك أبا سعد مشاركتنا هذا المقال. مدرسة ابن المقرب الابتدائيه ما زالت قائمة إلى الآن و ما زالت شركة أرامكو تقوم بصيانتها. المدرسة على الطراز القديم و ليس كما تبدو عليه مدارس أرامكو الحديثة. لكن تبقى افضل من المدارس الحكومية بمراحل. و بالفعل مدير المدرسة في تلك الفترة كان الاستاذ القدير صالح السليم … أبو زميلي أ. سعد … زميلي سابقا في مدرسة صهيب الرومي المتوسطة.

  7. ٢
    أحمد عبدالله العيسى

    فتح الله عليك يادكتور وانت من نحتاجهم في جامعاتنا ولا أستثني الدكتور سمير ومقالاتك تنم عن وعي وذكاء وحب للعلم والمعرفه والوعي فشكرا لجهودك وشكرا لوعيك

  8. ١
    سلطان الكليب المغيرة

    شكرا دكتور عبدالعزيز الضامر
    شكرا دكتور ابراهيم السعافين انت احدا ابنا هذه المدينه العيون فمرحبا بك بيننا.
    شكرا على هذه الذكزيات الجميله .لقد اعدت الى ذاكرتي هذا الزمن الجميل.
    انا واحد من طلاب هذه الفترة والمدرسه.
    شكرا من القلب.

اترك تعليق على أحمد عبدالله العيسى الغاء الرد

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>