عاداتنا في ميزان الاقتصاد الشخصي والوطني .. !!

الزيارات: 1321
1 تعليق
https://www.hasanews.com/?p=6484264
عاداتنا في ميزان الاقتصاد الشخصي والوطني .. !!
بكر العبدالمحسن

العادات ظاهر اجتماعية تتعلق بأفعال الناس ويُشتق وجودها من الفطرة الاجتماعية وهي تلقائية لا تصدر عن سلطة وإنما دعامتها قبول الفرد والناس لها وهي على نوعين : عادات فردية سلوكية متكررة يتصرف الفرد بمقتضاها على نحو خاص حتى تُصبح ممارسته لها لا شعورية وهي بالأغلب متعلقة بإشباع حاجات الفرد البيولوجية من مأكل ومشرب وملبس أو في طريقة استخدام الأشياء والتعامل معها في محيط بيئته .

وعادات جَمْعِية وهي القواعد السلوكية المتكررة التي ترجع إلى المجتمع الذي يعيش فيه الفرد وتستند هذه القواعد السلوكية إلى فِكر اجتماعي وبكثرة تكرارها تُصبح أنماطا سلوكية وهي تنتشر أفقيا عن طريق التجارب والاختلاط ورأسيا عبر فترة تاريخية طويلة وتُصبح ممارستها ثابتة ومستقرة ومن الصعب التخلص منها .

وتنشأ العادات الاجتماعية في عقول الناس وتتجسد في أفعالهم وتنتشر عن طريق التقليد تدريجيا أو عن طريق المحاولة والخطأ وبمرور الوقت تكتسب العادات الجَمْعِية قوة التقاليد لأنها تمثل طُرقا مألوفة للإنسان في عمل الأشياء .

لقد اختلف المختصون في مجال علم النفس في وضع تعريف واضح لمفهوم العادات فيرى توني هوب أن ( العادات عبارة عن أنظمة تلقائية للسلوك والتي تتكرر بطريقة منتظمة بلا تفكير وهي مقيدة في معظمها وبدونها لن تكون قادرًا على أداء الأعمال بصورة تقترب من مثل هذا الاقتدار التي تتم به ) .
ويركز ستيفن كوفي في وصفه للعادات على تأثيرها الهائل فيقول: ( العادات لها قوة جذب هائلة أكبر كثيرًا مما يتوقعه أو يقر به معظم الناس ) .
وتُشير الكثير من الإحصائيات أن العادات تُشكِّل أكثر من 95% من سلوكنا الأمر الذي قد يندهش منه الكثيرون خاصة وقد ترسخ لديهم أنهم يولدون بعاداتهم ولكن الحقيقة كما صاغها جون درايدن قبل ما يزيد عن ثلاثمائة سنة: ( نحن نصنع عادتنا في البداية ثم تصنعنا عادتنا ) .

فإذا كانت العادات تملك كل هذه القوة الخفية بعد نشأتها وممارستها في حياة الفرد وتحولها إلى تقاليد تتحكم فيه بشكل لا شعوري وتأخذه إلى حيث تريد دون القدرة على الوقوف أمام مجابهتها أو تعديلها أو تركها فإن ذلك يعني أننا مدعوون إلى تشكيل جبهة قوية لتقييم الإيجابي منها والسلبي وذلك لحماية اقتصادنا والهدر فيه من تأثير قوة جذبها وطغيانها وسلبها لحرية إرادتنا واختيارنا .

ولا شك أن العلاقة بين الاقتصاد والعادات علاقة وثيقة فكلٌ منهما يتأثر ويؤثر في الآخر فوفرة المال في أيدي الناس والمجتمع في العقود الأربعة الأخيرة نشأ عنها عادات وتقاليد في طريقة الملبس والمأكل والمشرب والمسكن والمركب وفي سلوك التعامل معها وطريقة تحضيرها وكميتها وشكلها بغض النظر عن الحاجة إليها أو صحتها فالناس في مجتمعنا تضع الطعام في صحن كبير ويأكل الجالسون منه شيئا يسيرا ثم يُرمى الباقي في النفايات في أغلب المناسبات ويذاكر الطلبة دروسهم قبل الاختبارات بأيام قليلة وهم أثناء أيام الدراسة في لهو ولعب ونوم ويشترون ملابس جديدة في كل مناسبة بغض النظر عن الاحتياج إليها وتسافر كثير من الأسر في كل نهاية أسبوع وعطلة متعللة بالممل وضيق النفس من تعب الدراسة والعمل ونضع كمية كبيرة من الطعام للضيوف ظنا منا أننا نكرمهم ونعزهم وتبني الناس المساكن الكبيرة والفارهة بأكثر من قدرتها وهي تحتاج لجزء بسيط منها وتشتري الطعام المتنوع أكثر من حاجتها ويتلف ولم تتناوله ونحرص على شراء الهدايا لمن حولنا في مناسباتهم وهم ليسوا بحاجة لها ونكرر الذهاب للأسواق للبحث عما لا نعرفه ونضيئ مصابيح الكهرباء وأجهزة التبريد في منازلنا بلا حساب أو حاجة ونستهلك الماء في احتياجاتنا الشخصية بلا ضوابط ولا تقنين .

وحين تراجع دخل الناس وزاد حجم المصروفات نشأ صراع نفسي واجتماعي في داخلها بين عاداتها التي اعتادت عليها في نمط حياتها الشخصية والاجتماعية وبين قدرتها على ترك تلك العادات التي تحتاج إلى مال وفير لتوفيرها وممارستها والاستمتاع بها وعدم الاستغناء عنها .

واليوم وبعد بدء صرف المستحقات المالية لطالبي الدعم في حساب المواطن لمواجهة النتائج والآثار المالية الناتجة من رفع الدعم التدريجي عن بعض منتجات الطاقة والمياه والوقود وبدء حساب ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات والرسوم الإدارية الجديدة على كافة المستويات والخدمات المقدمة في بلادنا تجعلنا أمام وقفة جادة وحقيقة هدفها تقييم كل عاداتنا وتقاليدنا الشخصية والاجتماعية التي نشأنا عليها ونمارسها ونصرف عليها أغلب دخلنا المالي دون أن نُدرك أهمية العائد منها وقدرتنا على تحمل نفقاتها القادمة مع مطلع 2018 في ظل المتغيرات في أسعار الطاقة والخدمات والسلع والرسوم الحكومية .

إن الكثير من العادات التي درجنا عليها في بيوتنا وشخصياتنا بحاجة إلى التقليل من بعضها وأيضا نحن بحاجة إلى ترك الكثير منها من أجل الموازنة الاقتصادية بين دخلنا الشهري وبين ما نصرفه على معيشتنا اليومية وعدم الدخول في حيز المشكلات المالية والديون والحرمان وقطع الخدمات .

فاليوم لابد من تبني الفرد عمل برنامج شخصي بالاشتراك مع أسرته في التدرج والتحول من التقليل من العادات التي تستهلك منا في الصرف على مستوى المياه والطاقة الكهربائية ووقود السيارات والمنتجات الاستهلاكية والغذائية وعمل المناسبات وقد تندرج في دائرة الإسراف وأنه علينا تقويم وتعديل عاداتنا تدريجيا والبدء في إيجاد البدائل الموازية لها .

أخيرا .. حان الوقت أن نتحكم في عاداتنا وتقاليدنا في جميع شؤوننا الشخصية والمعيشية والاجتماعية وأن نبتعد عن العاطفة التي تحرك مشاعرنا نحو البقاء على ما يضر بمصالحنا المالية اتجاه تحقيق رغباتنا الغير منطقية في الكثير منها وأننا نحتاج إلى دعم بعضنا البعض في إرادة وإدارة التغيير نحو العادات السليمة والتخلي عن العادات والتقاليد التي لسنا بحاجة لها وتضر باقتصادنا الشخصي والوطني .

التعليقات (١) اضف تعليق

  1. ١
    زائر

    مقال رائع يحتاج الى تفهم محتواه
    للإخذ باهدافه وتوظيفها في واقعنا الفعلي

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>