احدث الأخبار

المحيفيظ… يكتُب: الإدارة – نقاط عمياء

الزيارات: 3349
التعليقات: 0
https://www.hasanews.com/?p=6470092
المحيفيظ… يكتُب: الإدارة – نقاط عمياء
خالد المحيفيظ
الإدارة – نقاط عمياء *
ربُما لن أكون مُخطئ أن قُلت أنه قد مر على مجتمعنا أكثر من ٦٠ عاماً منذ أن مارست بعض قطاعاته  الإدارة، ويمكن لبعضنا أنً يتذكر أنه قد سمع لفظ(مدير ) منذ ذلك الوقت !
لا يجدر بِنَا الإحتفال، لأنه ومع مرور أكثر من نصف قرن، لازالت بعض قطاعاتنا، تعيش في مراحل متدنية من النضج الإداري.
وعند الحديث عن النضج الإداري، اتحدث عن:
•مستوى عالي من الأداء العام للفاعلين في القطاعين العام والخاص، يشتمل على، الكفاءة [فعل الشيء الصحيح ] والفعالية [فعل الشيء بطريقة صحيحة] التي يتم من خلالها إدارة المنشأة، التي يتم من خلالها الإنجاز.
 •النضج في الإجراءات الإدارية أو ما يطلق عليها آليات العمل، في طرق العمل، سرعة الإنجاز.
•أداء مؤسساتي يؤدي في نهابة المطاف إلى مستوى رضا عالي من قِبل المستخدم للخدمة التي يؤديها القطاع للعميل، الزبون أو  المواطن، أكان قطاع عام أو خاص! هذا يحدده: سرعة إنجاز المعاملات.
•الاحترافية والمهنية في تعامل أصحاب المكاتب الأمامية مع المراجعين [الذين يعرفونهم والذين لا يعرفونهم !!!!]
يرتبط النضج الإداري لأي مؤسسة بالخبرة التراكمية ومنحنى التعلم المؤسساتي، وهذه الخبرة تُكتسب بعد التأسيس الأولي من عمليات الخطأ والصواب التي مر بها جميع العاملين بما فيهم  المسؤولين، التي تترجم إلى  قدرات ومهارات اكتسبها موظفو قسم، إدارة، هيئة، مؤسسة، شركة أو وزارة، عبر السنين [حتى مع تبدل (إحلال) العاملين لأي سبب كان].
يمكن تسريع أو إبطاء النضج الإداري عبر برامج التطوير والتغيير أو عدمه، والتي لن تظهر إلى الوجود إلا عبر القيادة التغييرية [مبادرة من قبل المدير أو القيادي].
تختلف مستويات النضج الإداري وذلك بإختلاف القطاع الذي نتحدث عنه خاصآ كان أو عامآ، وتختلف كذلك داخل كل قطاع!
فمثلاً القطاعات الصناعية والخدمية الكبرى وصلت إلى درجة عالية من الأداء والإنجاز، وهذا يجعلها في مقدمة القطاعات في النضج الإداري، يليها قطاع الشركات والمؤسسات المتوسطة والصغيرة، والتي تختلف في درجات النضج الإداري.
دعونا نضرب مثال بالقطاع العام. ماذا نرى؟
تنطبق فكرة النضج الإداري على القطاع العام، من ناحية أنه يمكن التأكيد على:
  • اختلاف النضج الإداري باختلاف الوزارة أو الإدارة أو الهيئة …إلخ.
  • تدني  النضج الإداري يظهر على شكل مشاكل إدارية، بعضها لم ترتكب من قبل المسؤولين الحاليين؛ بل تكونت بشكل تراكمي من قِبل من سبقوهم من المسؤولين، الذين كانوا مجرد “مدراء” [لم يكن لهم مبادرة على تطوير العمل وتحسين الإجراءات أو تغيير ثقافة بيئة العمل].
من أمثلة ذلك:
  • أن المقاربة التي اتبعتها مصلحة المياه (شركة المياه الوطنية) في تعاطيها مع أزمة فواتير المياه (في إحدى المحافظات) تدل على عدم نضج إداري تجلى في عدم تعاطيها الأمور بشفافية مع الأزمة، ولم يخرج أي إعلان يوضح المشكلة، ولَم يتم التواصل بشكل مهني مع المستهلكين، وتساؤولاتهم، مثلاً: ما سبب ارتفاع فواتير المياه؟ هل هي مشكلة في الحاسوب؟ أم مشكلة في عددات الماء أو قارئ العدادات؟ ….المستهلك لايعلم، المصلحة (الشركة) تعلم، ولكنها لم تحسن إدارة الأزمة !!
  • لم يتم التعاطي بإحترافية مع المراجعين؛ بل أن المراجعين ومع شعورهم بوجود مشكلة (إن لم نقل أزمة)؛ بل قل أزمة وجدوا أن أصحاب المكاتب يعاملونهم وكأن الوضع طبيعي! باختصار، لقد فشلت مصلحة (شركة) المياه في إدارة الأزمة !
  • يعد مطار جدة من المطارات الوطنية المهمة، كون مدينة جدة بوابة مكه المكرمة، ومع هذا يظهر مستوى متدني من النضج الإداري.. ففي صالة الرحلات الداخلية من وإلى مطار جدة تجد العجب. فلن أتكلم عن المبنى؛ بل اتحدث عن الجانب الإداري، تحس وأنت في المطار وكأن القائمين عليه ليس لديهم عقود من الزمن في إدارة مرفق مثل المطار . عديدة هي الملاحظات التي يمكن قولها، لكن يبقى الصراخ العالي وليس الكلام أشدها وضوحآ.
  • نشاطات  إدارية مثل إدارة  المشاريع ،[والتي من ضمنها إدارة الأولويات ] لا زالت في مراحل مبكرة من النضج الإداري. فالمعلومات التي تم تداولها منذ فترة غير قصيرة بخصوص عدد المشاريع المتعثرة وتكلفتها تصيبك بالذهول!
لعله من المؤسف القول أن الحكم على درجة النضج في إدارة المشاريع لاتحتاج إلى إثبات فالمعايير المتدنية لبعض مشاريع البنية التحتية والمباني واضحة للعيان.
من ناحية أخرى وفي الإطار العام لمظاهر عدم النضج الإداري في بعض الإدارات الحكومية تبرز النقاط التالية:
  • طول المدة التي تستغرقها بعض المعاملات، فهل يعقل أن تأخذ بعض المعاملات سنوات لكي يتم إنجازها ؟
  • اللامبالاة من قبل موظفي المكاتب اتجاه المراجعين.
  • اللامبالاة من قبل موظفي المكاتب اتجاه المراجع  الداخلي الذي هو زميله في العمل، مما يؤثر في انسيابية العمل.
  • عدم التقيد بالوقت الذي  يعطى إلى المراجعين، فيقع المراجع تحت رحمة أصحاب المكاتب الرسمية.
  • عدم احترام الوعود التى تُعطى المراجعين.
  • اتباع الهوى والمزاج من قبل موظفي المكاتب المواجهة للمراجعين.
لكن يتبادر إلى الذهن سؤال: ما سبب تأخر النضج الإداري لبعض الإدارات و الهيئات عن غيرها؟
إنه: النمط الإداري+ العمليات الداخلية، التي لم يتم تغيير بعضها، ربما لسنوات+ ثقافة بيئة العمل+ غياب القيادة في الإدارة، القسم ….

ظهرت في الآونة الأخيرة منظومة من التطبيقات الرقمية، التي تمت تحت مسمى “الحكومة الإلكترونية” وتشتمل على تطبيقات رقمية متنوعة في الكثير من الإدارات الحكومية.

 

إن هذه المنظومة المتعددة من التطبيقات تمثل استثمار عالي في التقنية – لاحظ أني استخدم لفظ استثمار بدل إنفاق، لأن الأول يعني أن وراء تلك التطبيقات مردود (وليس بالشرط أن يكون مادي بقدر ما هو يخدم المستفيد من الخدمة)، مثال: (نظام أبشر)، بينما الآخر لا يعني ذلك، وهو يعني رغبة صريحة في تطوير العمل.

من المؤكد أن هذه التطبيقات قد ساهمت في تسهيل كثير من معاملات المواطنين ووفرت مناخ حديث للخدمات الحكومية، لكن من المؤسف أنه لم يرافقه اَي تغير في سلوك أصحاب المكاتب الأمامية المواجهة للجمهور!

 

إن تبني أي تقنيات أو تطبيقات لا يعد ناجح بالمقاييس العالمية ما لم يرافقه تغير ثقافي، أي تغير سلوكي اتجاه المراجعين بالإضافة طبعاً إلى أمور أخرى وأهمها استخدام المعلومات التي يتم الحصول عليها من البيانات التي يتم جمعها و(تحليلها) (بهدف) في تطوير و(رفع كفاءة) العمل.

 

ليس هذا فقط؛ بل إن التبني الناجح للتقنيات لا يُعد ذو مردود إذا لم يوازيه تغير أبعاد مؤسساتية مثل: تغيير الهياكل التنظيمية، آليات العمل الداخلية [التي في الكواليس]، الوصف الوظيفي، الثقافة، مهارات الموظفين ….

 

نقاط إدارية عمياء تخص تبني التطبيقات الرقمية:

 

  • هل يتم تحسين وتغيير العمليات الداخلية ضمن تبني التطبيقات الرقمية.

 

  • هل يتم الاستفادة من المعلومات التي توفرها تلك التطبيقات في إدارة الإدارة أو القسم في تحسين الأداء.

 

ربما يقول قائل إن مبادرات تبني التطبيقات الإلكترونية ستحل جميع المشاكل!! هذا الاعتقاد غير دقيق، لأن التطبيقات الحديثة تختلف فائدتها وتأثيرها حسب نوعية

العمل المراد أتمت.

فإذا كان القطاع كثيف البيانات، مثل: الجوازات، الأحوال المدنية، فتبني التطبيقات يظهر أثره في تحسين سرعة إنجاز المعاملات، [لأن البيانات محفوظة في قواعد البيانات]، أما إذا كان تبني التطبيقات في بيئة عمل غير كثيفة البيانات؛ بل يحتاج إلى تنفيذ إجراءات داخلية عن طريق التدخل البشري فالوضع يختلف لأن إنجاز العمل يرتبط بجهد بشري!!

 

من الأمور المفروغ منها أن النمط الإداري والممارسات الإدارية لأي بلد تستمد جذورها من الثقافة الوطنية *.

على هذا الأساس، اقترح على من يتذمر من تعرضه لمشاكل في مراجعة الدوائر الحكومية أن لا يكثر من الشكوى، ولا أن يتوقع أي تغيير، لأن هذا الواقع الإداري يعكس الثقافة المحلية وليس بمستورد.

 

من المظاهر الإدارية السلبية التي يمكن ملاحظتها جديرة ان تذكر لأهميتها:

 

  • عندما يأتي أحدهم وقد حصل على درجة عليا في الإدارة يكون من الطبيعي أن يطبق ما تعلمه في مجال العمل الذي التحق به، لكن الواقع يقول إن نسبة عالية منهم، لا يأتون بجديد مما تعلّموه؛ بل الثقافة المحلية التي حملها معه تتغلب على ما تعلمه.

 

  • إن حضور دورات تدريبية من قبل الموظفين لا يعني وبشكل أوتوماتيكي (تلقائي) تحسن في الأداء!!

 

  • مع كثرة موظفي المديريات والهيئات الذين يحملون شهادات جامعية (درجات علمية)، وبعضها من الخارج، ومع هذا لازال مستوى النضج الإداري يراوح مكانه.

 

من الصعب الحديث عن الإدارة في الإدارات والأقسام الحكومية وتجاهل الدور الذي قام ويقوم به معهد الإدارة العامة في تطوير وتنمية القدرات الإدارية لموظفي الدولة وقيادييها، بعد حوالي ٥٠ عام في خدمة الدولة، يصبح من الأهمية بمكان إجراء تقييم كامل للدور الذي قام به المعهد طول تلك السنين، ومن ثم الانتقال الى المرحلة (مرحلة الإصلاح الإداري) التالية: مبادرة تحول مؤسساتي بناء على رؤية جديدة.

 

شهد علم الإدارة في السنوات الثلاثين الماضية تغيرات متسارعة، وعميقة تم فيها الاستغناء عن نظريات سابقة واستبدالها.

هذه التغييرات في النظريات الإدارية ظهرت على شكل نظريات حديثة في التنظيم الإداري، إدارة الأفراد، طرق التحفيز، إعادة هندسة الممارسات الإدارية والإجراءات.

 

المنظمة المتعلمة..

مضى على البيروقراطية كمفهوم إداري أكثر من ١٢٠ عام منذ أن نظر لها ماكس فيبر المفكر الألماني في آواخر القرن التاسع عش، لقد أدت مهمتها ولكنها لم تعد تلبي حاجة المجتمعات الحديثة لما فيها من عيوب!

 

لقد حان الوقت ونحن على أعتاب نهاية العقد الثاني من القرن ٢١ أن نقوم بتحديث الفكر والممارسة الإدارية، والذي بالتأكيد سوف يحل الكثير من المشاكل الإدارية التي تواجهها بعض الإدارات.

 

هذه ليست دعوة إلى إعادة اختراع؛ بل الاستفادة من النظريات الإدارية الحديثة المتوفرة لمن يريد الاستفادة من تجارب الآخرين، القضية لا تحتاج أكثر من المبادرة.

 

موضوع اخر لا علاقة له بالنضج الإداري، ولن تفيد فيه التطبيقات الرقمية؛ بل يرتبط بطبيعة العمل، وهو التقاضي بين الأطراف المختلفة.

 

لا بخلو مجتمع من تخاصم والتي بتم معالجتها في المحاكم، لكن للأسف الشديد تتسم محاكمنا بطول مدة التقاضي، والذي قد يأخذ في الغالب سنوات، ولا يقف الموضوع عند هدا الحد؛ بل إنه ومع النطق بالحكم يأخذ التنفيذ سنوات أخرى!!

 

لعل النظام القضائي، من الأنظمة الإدارية القليلة، والتي يمكن توضيح سمة “الاحتقان” و”الاكتظاظ” داخل النظام بسهولة.

 

عندما يكون معدل سرعة خروج المخرجات [سرعة إنجاز والبت في القضايا] أبطأ من سرعة دخول المدخلات الى النظام [سرعة دخول قضايا جديدة]، يحدث ما يطلق عليه اكتظاظ أو احتقان مما يسبب ارباك داخل النظام، ينتج عنه عدم القدرة على ألَّبت في القضايا بفعالية وكفاءة!! أي أن النظام يمكن أن يصاب من الناحية النظرية بالشلل !!، إلى أن تصل الحالة في وقت من الأوقات إلى عدم قدرة النظام القضائي معالجتها.

 

هذه الحالة تسبب حالة إرهاق شديدة للقضاة وتوتر مما ينتج عنه حالة من الارتباك تتزايد مع زيادة نصيب كل قاضي من القضايا الجديدة!! وهذا بدوره يؤدي إلى تأخير في إنجاز القضايا الجديدة !!!.

 

من ناحية أخرى دعونا نتخيل أننا قمنا بربط كل متخاصم في مجتمعنا بخصمه [كان فردآ أو مؤسسة] بخيط افتراضي لوجدنا تشكل “كومة” أو “شبكة ” من الخيوط المتصلة بين المتخاصمين [أصحاب القضايا غير المنجزة] وبما ـن ألبت في هذه الخصومات تأخذ وقتاً طويلاً، ومع مرور السنين فهذه الشبكة تأخذ في التضخم يوماً بعد يوم مما يؤدي إلى مجتمع مليء بالخلافات القضائية.!!

 

هذا الوضع له آثار كارثية على المتخاصمين وأصحاب الحقوق، نفسية واقتصادية!!

 

في حالة الخصومات المالية يعد تأخير ألَّبت في القضايا وتأخير تنفيذ الأحكام في حالة صدورها ذو أثر سلبي على العجلة الاقتصادية، والتي أحداها التأثير في إضاعة الفرص الاستثمارية على المواطنين، رجال الأعمال والمستثمرين.

 

اتمنى من المسؤولين، في الإدارات والأقسام الحكومية أن يتصفوا بالروح القيادية ويبادروا إلى:

 

* تبني مبادرات تطوير وتحسين للإجراءات الخاصة بالمعاملات التي تعاني من بطىء في الإنجاز والتي تثقل كاهل المراجعين.

 

* تبني مبادرات تؤدي إلى تغيير قواعد السلوك المرتبطة بطرق التعامل مع مراجعي المكاتب.

 

أخيراً، في أثناء كتابة هذ المقال تداعت من الذاكرة كلمة كنت اسمعها في مجتمعنا الصغير والكبير، فأحببت أن تشاركوني فيها، وتتأملوا معي بقية الْيَوْمَ فيها لعلها تذكركم بموقف في العمل كموظف أو أنت في دائرة كمراجع: “قلة الدبرة” أو “قليل الدبرة “.

هذا المصطلح البسيط يعني سوء الإدارة!. أخي / أختي القارئ/ــة احفظها/ــيها ربما تحتاج/ــــين إلى استخدامها في المستقبل القريب أو البعيد!!!

 

________________________________________

* [اقصد بالنقاط العمياء: موضوع يكون الفرد/المجتمع قد تجاهله لكون لديه حساسية اتجاه مناقشته].

نسمع دائماً التعابير التالية، والتي تدل على الثقافة المحلية المرتبطة بإنجاز الأعمال: على خَر أذنه، استر على ما واجهت، شربت مرورقها!

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>